تصاعدت حدة التوتر
بين
الاحتلال الإسرائيلي وتركيا خلال الفترة الأخيرة، على خلفية الغارة الجوية الإسرائيلية
التي استهدفت، قبل نحو أسبوعين، مطار أبو ظهر شمال
سوريا، وما أعقبها من مشاحنات علنية
وتهديدات متبادلة بين قادة البلدين.
وفي مقال نشرته صحيفة
"إسرائيل اليوم"، رأى البروفيسور إيال زيسر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط
وأفريقيا ونائب رئيس جامعة تل أبيب، أن التطورات الأخيرة تمثل تصعيدًا غير مسبوق في
الصراع بين إسرائيل وتركيا، محذرًا من أن المواجهة العسكرية أصبحت احتمالًا لا يمكن
استبعاده.
إيال زيسر: الصراع
مع تركيا قد ينزلق إلى مواجهة عسكرية
أكد البروفيسور إيال
زيسر، في مقاله المنشور في "إسرائيل اليوم"، أن الغارة الجوية الإسرائيلية
التي شُنت قبل أسبوعين في سوريا، والتي استهدفت منع نشر قوة تركية في مطار أبو ظهر
شمال البلاد، إلى جانب المشاحنات العلنية وحتى التهديدات التي تبادلها قادة تركيا وإسرائيل
منذ ذلك الحين، تمثل تصعيدًا غير مسبوق في الصراع بين البلدين.
وأشار زيسر إلى أن
هذا الصراع تصاعد في أعقاب مجزرة 7 تشرين الأول أكتوبر ، معتبرًا أن القادة الأتراك
يبذلون جهودًا مضنية لتأجيجه وإشعاله، واصفًا ذلك بأنه يتم "بانعدام مسؤولية مروع".
وتساءل زيسر عما إذا
كان من المرجح أن يتطور هذا الصراع، الذي وصفه بأنه سياسي وإعلامي وحتى اقتصادي، إلى
صراع عسكري بين إسرائيل وتركيا.
وأوضح أن المنطق والعقلانية
يقولان إن ذلك غير مرجح، لكنه تابع بالقول إن الشرق الأوسط كثيرًا ما تحدد فيه العاطفة
أو فقدان الشرف أو الإيمان المسيحي مسار الصراع.
وأشار إلى أن المشكلة
تكمن في أن هذا الصراع لا مخرج له، خصوصًا مع تآكل العديد من الضوابط والحواجز التي
حالت، على مر السنين، دون تدهور العلاقات بين البلدين وتصعيدها.
وأضاف زيسر أن الصراع
العسكري بات احتمالًا واردًا لا يمكن استبعاده، مؤكدًا أنه قد يندلع نتيجة خطأ في التقدير
أو انحراف أو سوء فهم من أحد الطرفين لتحركات الطرف الآخر.
وتابع أن الدولتين
قطعتا شوطًا طويلًا على مدى العقود الثمانية الماضية، مشيرًا إلى أن تركيا كانت أول
دولة إسلامية تعترف بإسرائيل، وذلك عام 1949.
وأشار إلى أن العلاقات
بين البلدين شهدت طفرة ملحوظة خلال تسعينيات القرن الماضي، تميزت بالتعاون السياسي
والاقتصادي وحتى الأمني.
وذكرت وسائل الإعلام،
وفق زيسر، أن إسرائيل ساعدت تركيا في القبض على عبد الله أوجلان، زعيم المقاومة الكردية
التي كانت تركيا تعتبرها منظمة إرهابية.
وأوضح زيسر أن كل ذلك
تغير بعد وصول رجب طيب
أردوغان إلى السلطة عام 2003.
وقال إن الأمر بدا
في البداية وكأنه "صفعة خفيفة"، إذ اعتقد كثيرون أن الجيش التركي سيتدخل
ويطيح بأردوغان، كما كانوا يميلون إلى الاعتقاد بأن أردوغان رجل براغماتي، وبالتالي
سيحرص على عدم الإضرار بالعلاقة مع إسرائيل، التي كان الأتراك هم المستفيدون منها.
لكن زيسر أشار إلى
أن تحولًا عميقًا طرأ على تركيا التي قادها أردوغان، من مجتمع غربي حديث وعلماني إلى
مجتمع متجذر في الماضي والإسلام والتقاليد.
وأضاف أن تركيا انتقلت،
وفق وصفه، من مجتمع يتجه بنظره نحو أوروبا ويسعى للاندماج فيها، إلى مجتمع يرى مكانته
ومستقبله في العالم العربي والإسلامي، بل ويسعى إلى قيادة هذا العالم.
وتابع زيسر أن مجزرة
7 أكتوبر/تشرين الأول جاءت لتسقط الأقنعة في أنقرة، وأنها أدت إلى انقسام كبير وانفصال
تام بين الجانبين.
ومع ذلك، أشار إلى
أن البعد الجغرافي وعدم وجود حدود مشتركة بين إسرائيل وتركيا ساعدا في تخفيف حدة الصراع.
وأكد زيسر أنه ليس
من المستغرب أن تصبح إسرائيل عقبة أمام كل ما يسعى أردوغان إلى تحقيقه، وكبش فداء لكسب
التأييد والشرعية في الداخل والخارج.
وأوضح أنه منذ تولي
أردوغان السلطة في تركيا، شهدت العلاقات تدهورًا مستمرًا، تارة بسرعة وتارة بشكل تدريجي،
مشيرًا إلى أنه في كل مرة كان يُعتقد أن هناك مجالًا للتحسين، وأن هناك سقفًا زجاجيًا
من المصالح المشتركة بين البلدين سيتردد أردوغان في تجاوزه.
وقال زيسر: "قلنا
ذلك، واتضح أننا كنا مخطئين".
وأشار إلى أن أحد مجالات
الخلاف يتمثل في البحر الأبيض المتوسط، حيث تتطلع تركيا إلى حقول الغاز.
وأضاف أن الخلاف يمتد
الآن أيضًا إلى سوريا، حيث تسعى تركيا إلى استغلال اعتماد أحمد الشرع عليها.
وأوضح أن تركيا تريد
حل المشكلة الكردية في سوريا، التي تعتبرها تهديدًا استراتيجيًا لها، كما تسعى إلى
استغلال سوريا كجسر للوصول إلى قلب العالم العربي، مضيفًا أن إسرائيل تقف في طريقها.
وأكد زيسر أن كلا الطرفين
يستفيد من الخلافات الحادة بينهما، لكنهما حرصا حتى الآن على عدم الانتقال من الكلام
إلى الفعل، لأن ذلك يتنافى مع المنطق والمصلحة.
وختم بالقول إن الطريق
الذي يسلكه الطرفان هو طريق تصادم حتمي، مضيفًا أنه لا يسع المرء إلا أن يأمل أن يتدخل
أحدهم في اللحظة الأخيرة.
أورئيل لين: المواجهة
مع تركيا ستكون كارثة استراتيجية
وفي مقال آخر نشرته
إسرائيل اليوم، حذر أورئيل لين، المحامي والخبير الاقتصادي وعضو الكنيست السابق عن
حزب الليكود، من أن فتح جبهة مواجهة عسكرية مع تركيا سيكون كارثة استراتيجية على إسرائيل.
وقال لين إن العلاقات
بين إسرائيل وتركيا تدهورت منذ قصف المطار العسكري في شمال شرق سوريا، بالقرب من الحدود
التركية.
وأكد أنه من الواضح
تمامًا، في رأيه، أنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يؤدي الصدام مع تركيا إلى مواجهة
عسكرية.
ودعا إلى وضع سياسة
حكيمة طويلة الأمد تمنع التصعيد وتسعى، رغم كل التناقضات، إلى استقرار العلاقات مع
تركيا، مع العمل في الوقت نفسه على بناء بنية تحتية لتحسين العلاقات في المستقبل.
وأشار لين إلى أن ذلك
لن يتحقق بالطريقة التي وصفها بالسخيفة، والتي يسلكها وزير الدفاع الإسرائيلي إيلي
كارب، الذي قال إنه تولى المنصب ست مرات.
وأضاف أن يسرائيل كاتس
يدلي بتصريحات تهديد مبطنة، ويلمح إلى أن تركيا لا تختبر إسرائيل، كما لو كان الأمر
صراعًا بين طفلين يدعي كل منهما أنه الأقوى.
وأوضح أن هذه الكلمات
تُقال رغم الانتقادات اللاذعة التي يوجهها الرئيس التركي أردوغان لإسرائيل وقيادتها.
وأكد لين أن لتركيا
كرامتها الوطنية، معتبرًا أن من الحماقة استفزازها.
وأشار إلى أن السياسة
الصحيحة طويلة الأمد تجاه تركيا يجب أن تفرض سلوكًا مسؤولًا يُلزم جميع وزراء الحكومة.
وأضاف أن على إسرائيل
استيعاب حقيقة أساسية بسيطة، وهي أن أردوغان مسلم، وبصفته هذه، لا يمكنه تجاهل الدمار
والقتل اللذين ألحقتهما إسرائيل بالفلسطينيين في قطاع غزة.
وأوضح لين أنه لا مجال
هنا للتساؤل عما إذا كان هذا القتل والتدمير مبررًا أم لا، معتبرًا أن الأمر يتعلق
برؤية واقعية قادرة على تفسير موقف شخص يختلف عن إسرائيل في المبادئ والالتزامات.
وأشار إلى أن مساحة
تركيا تبلغ 36 ضعف مساحة إسرائيل، بينما يبلغ عدد سكانها تسعة أضعاف عدد سكان إسرائيل.
وأضاف أن تركيا تمتلك
جيشًا بريًا قويًا ومجهزًا تجهيزًا جيدًا، ويمكنها الوصول إلى إسرائيل عبر سوريا.
وأوضح أن الجيش التركي
النظامي يتألف من 400 ألف جندي، بالإضافة إلى مئات الآلاف من جنود الاحتياط.
وأشار إلى أن سلاح
الجو التركي لا يمتلك طائرات إف-35 حتى الآن، لكنه يتمتع بقدرات عالية، كما يتمتع سلاح
البحرية التركي بحضور قوي في البحر الأبيض المتوسط، وخاصة في الشرق، بالقرب من إسرائيل.
وأكد لين أن تركيا
دولة قوية وعضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وتحظى باحترام في أوروبا رغم عدم انضمامها
إلى الاتحاد الأوروبي.
وأشار إلى أن تركيا
وقعت مؤخرًا اتفاقية دفاعية مع باكستان والسعودية، وهي اتفاقية قد تنضم إليها مصر أيضًا.
وشدد على أن أي مواجهة
عسكرية مباشرة أخرى من جانب إسرائيل ضد تركيا ستكون، في رأيه، "عملًا جنونيًا".
وتابع لين أن إسرائيل
كانت في الماضي تتمتع بتعاون مثمر مع تركيا، مشيرًا إلى أن العلاقات التجارية بين البلدين
كانت جيدة حتى اندلاع حرب السيوف الحديدية.
وأوضح أن تركيا تمتلك
صناعة متنوعة للغاية، وأن إسرائيل كانت تستورد منها مواد البناء والمعدات الصناعية.
وأشار إلى أن المسافة
القصيرة بين الموانئ التركية الجنوبية والموانئ الإسرائيلية تمثل ميزة كبيرة للتجارة
مع تركيا.
وأكد لين أن ذلك لا
يعني، بالطبع، أن تتخلى إسرائيل عن ضمان قدرتها على الدفاع عن نفسها.
لكنه شدد على ضرورة
استنفاد جميع السبل الأخرى قبل العودة إلى سياسة "القصف الجوي"، التي تعني،
بحسب وصفه، المزيد من القصف الجوي والمزيد من الدمار.
ودعا إلى تثبيت العلاقات
مع تركيا عبر اتفاقيات، بمساعدة الولايات المتحدة، مؤكدًا ضرورة معرفة كيفية الحفاظ
على كرامة تركيا وتجنب استفزازها.
وفي الوقت نفسه، دعا
لين إلى تكثيف الجهود للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان، وتثبيت العلاقات مع سوريا عبر
الحوار.
وختم بالقول إن إسرائيل
تبدو اليوم وكأنها تفتقر فعليًا إلى وزير خارجية، وإن علاقاتها الخارجية الحساسة للغاية
تُصاغ من جانب وزير الدفاع.
وأكد أن يسرائيل كاتس
ليس الشخص المناسب لهذا المنصب، معتبرًا أن تصريحاته قد تقود إسرائيل إلى كارثة.