لماذا أجلت فصائل عراقية قصف السعودية.. ضغوط أم خشية من التصعيد؟

لم يكن إعلان الفصائل العراقية تأجيل استهداف السعودية مجرد تفصيل عابر في مسار التصعيد الإقليمي- الأناضول
لم يكن إعلان الفصائل العراقية تأجيل استهداف السعودية مجرد تفصيل عابر في مسار التصعيد الإقليمي، بل بدا أقرب إلى اختبار حقيقي لحدود قدرتها على اتخاذ قرار مستقل عن حكومة علي الزيدي، في لحظة تحاول فيها الأخيرة منع انتقال توتر المنطقة للداخل العراقي.

وجاء الإعلان في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع وصول رئيس جهاز الاستخبارات السعودي خالد بن علي الحميدان إلى بغداد، ولقائه الزيدي، وحملت رسائل أمنية وسياسية تتجاوز ملف الهجمات وحده.

وبالتزامن مع ذلك، ظهر زعيم منظمة بدر هادي العامري في مقطع مصور عند ساعات الفجر، داعيا الفصائل إلى التريث في الهجوم، وهو ما دفع عددا منها إلى إعلان تأجيله، من دون أن يعني ذلك، تخليها بصورة نهائية عن خيار الرد، وفق الخطاب الصادر عنها.

حسابات داخلية


تعليقا على أسباب تراجع الفصائل، قال الباحث في السياسات الاستراتيجية العراقية والإقليمية كاظم ياور، إنه مرتبط بجملة عوامل داخلية، في مقدمتها التباين المتزايد داخل الفصائل بشأن مسار العمل وموقع السلاح من الدولة، فضلًا عن وجود مواقف متباينة بين القوى التي كانت تُصنّف ضمن معسكر واحد.

وقال ياور لـ"عربي21" إن بعض القوى، ومنها "عصائب أهل الحق" و"سرايا السلام" ومجموعات أخرى، اتجهت إلى تسليم سلاحها والتأكيد على وضع القرار الأمني بيد الحكومة، وهو ما أدى، بحسب تقديره، إلى إضعاف إمكانية اتخاذ قرار موحد تجاه التطورات الإقليمية.

وأضاف الباحث أن بروز شخصيات سياسية كانت محسوبة في مراحل سابقة على "المقاومة"، ثم اتخاذها مواقف أكثر تحفظًا تجاه استهداف دول الجوار، جعل الفصائل أمام بيئة سياسية مختلفة عن السابق.

ويبرز في هذا السياق، وفقا للباحث، موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي وصف الفصائل بأنها "مليشيات وقحة" وخارجة عن القانون وحمّلها مسؤولية مهاجمة دول الجوار، فضلًا عن موقف العامري الداعي للالتزام بالسياقات الحكومية وعدم الرد على السعودية.



ومن هذه الزاوية، لا يبدو تأجيل الرد تحولا كاملا في موقف الفصائل بقدر ما يمثل إعادة حسابات فرضتها البيئة العراقية والإقليمية، لأن الجماعات التي لوحت بالرد وجدت نفسها أمام سؤال أكثر تعقيدا من مجرد كيفية الرد، وإنما ماذا سيحدث للعراق بعد ذلك؟

ورأى ياور أن زيارة رئيس الاستخبارات السعودي إلى بغداد مهمة في هذا السياق؛ إذ إن المسؤول الأمني، وفق تقديره، لا يأتي عادة لتقديم اعتذار سياسي، وإنما لنقل رسائل أمنية وتقديم معلومات وأدلة إلى الحكومة العراقية بشأن الرواية السعودية من أن "الهجمات انطلقت من أرض العراق".

وتدعم المعطيات المعلنة جزئيا تفسير الباحث كاظم ياور؛ فإن الزيارة جاءت في خضم الأزمة القائمة بخصوص الرد، بينما أكدت بغداد في المقابل وخلال بيانها الرسمي بعد لقاء المسؤول السعودي بالزيدي بأنها لا تسمح باستخدام أراضيها منصة لشن هجمات على دول الجوار.

"هدنة محسوبة"


أما الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي العراقي محمود الأعظمي، فيضع توقيت رسالة العامري في صلب تفسير قرار التأجيل، بقوله إن التراجع جاء بعد المناشدة التي أطلقها الأخير فجرا وبثت عبر مواقع التواصل، مرجحا أن يكون ذلك مرتبطًا بصعوبة التواصل المباشر مع قادة الفصائل لأسباب أمنية.

وأضاف الأعظمي لـ"عربي21" أن أهمية الرسالة لا تكمن في توقيتها وحده، وإنما في كونها جاءت بالتزامن مع وجود الحميدان في بغداد، لذلك فهل كان نداء العامري تعبيرا عن تفاهم عراقي داخلي، أم أنه نتيجة معلومات وصلت للحكومة عن طبيعة الموقف السعودي والرد المتوقع على أي هجوم جديد.

وبحسب الأعظمي، فإن الفصائل كانت تدرك أن المسؤول السعودي يحمل أدلة ومعلومات سيقدمها إلى الزيدي، وأن تنفيذ هجمات على السعودية في هذه اللحظة قد يمنح الرياض مساحة أوسع لتقديم روايتها أمام المجتمع الدولي، وربما أمام مجلس الأمن، وذلك سيعقد موقف العراق بشكل أكبر.

وبناء على ذلك، رأى ياور أن حديث البعض عن تقديم المسؤول السعودي اعتذارا و"تعويضات مادية" عن الهجوم لم تثبته البيانات الرسمية، إضافة إلى أن مهمة رئيس الاستخبارات، قائمة على تقديم الأدلة الأمنية بدلا من الاعتذار السياسي المباشر، الذي لو حدث لكان من مهمة وزارة خارجية بلاده.



وكان العامري قد ربط، في رسالته المصورة، بين وقف الرد وتحقيق شروط محددة، من بينها الاعتذار السعودي عن استهداف مقرات الحشد الشعبي، لكن ما ظهر لاحقا يشير إلى أن المسار الفعلي للأزمة اتجه نحو التهدئة من دون إعلان أي اعتذار من السعودية.

لكن ذلك لا يعني أن الفصائل انتقلت بصورة نهائية من خيار التصعيد إلى خيار التهدئة، فإن إعلان التأجيل، بحد ذاته، يختلف عن إلغاء الرد تماما، وقد ظهر هذا بوضوح في خطاب عدد من قادة هذه الجماعات المسلحة، الذي أبقى الباب مفتوحًا أمام إعادة تقييم التوقيت والحجم والطبيعة.

فقد أعلن أمين عام "كتائب سيد الشهداء" أبو آلاء الولائي، أن التريث جاء استجابة لطلب العامري وقادة في الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم، لكنه أكد في الوقت نفسه أن خيار الرد لا يزال قائما وهو "واجب عقائدي ووطني"، وأن توقيته وحجمه ونوعه يمكن إعادة النظر فيها.

وفي المقابل، صدر عن الأمين العام لـ"حركة النجباء" أكرم الكعبي، خطاب أكثر تشددا، معتبرا أن الدبلوماسية مع المملكة العربية السعودية أمر غير مُجدٍ، ومتمسكًا بخيار الرد العسكري، بما يعكس استمرار التباين داخل الفصائل بشأن كيفية التعامل مع الأزمة.

وعليه، فإن التأجيل يبدو أقرب إلى "هدنة محسوبة" وإعادة تموضع منه إلى تحول استراتيجي نهائي، فالفصائل لم تتخلَّ عن خطاب الرد، لكنها أدركت أن التوقيت الحالي قد لا يخدمها، بينما تريد الحكومة استثمار نافذة التهدئة لمنع انزلاق العراق إلى مواجهة إقليمية جديدة، وفقا للمراقبين.