أزمة سبتة تقسم الإسبان.. "إلموندو" ترصد اتهامات للمغرب وتشكيكًا في الحكومة

47.6% يرون أن ما حدث في سبتة محاولة لممارسة "الضغط" من جانب المغرب - الأناضول
كشفت صحيفة "إلموندو" الإسبانية أن غالبية المواطنين الإسبان لا يقتنعون بالرواية التي قدمتها حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بشأن أسباب الأزمة التي شهدتها مدينة سبتة، مشيرة إلى أن نسبة محدودة للغاية ترى أن مافيات الاتجار بالبشر كانت السبب الرئيسي وراء دخول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى المدينة، في وقت يعتقد فيه نحو نصف الإسبان أن المغرب مارس ضغوطًا على مدريد من خلال ما حدث.

وأكدت الصحيفة، استنادًا إلى استطلاع أجراه معهد "سيغما دوس"، أن 6.2 بالمئة فقط من الإسبان يعتقدون أن مافيات الاتجار بالبشر كانت العامل الرئيسي وراء الأزمة التي بدأت في سبتة يوم 30 تموز / يوليو، عندما عبر نحو 72 ألف أجنبي الحدود إلى المدينة.

وأشارت "إلموندو" إلى أن هذه النتيجة تتعارض بشكل واضح مع الرواية الرسمية للحكومة الإسبانية، التي حاولت تحميل مافيات الاتجار بالبشر مسؤولية ما حدث، وهي الفرضية التي تبناها رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في تصريحاته بشأن الأزمة.

وتابعت الصحيفة أن نحو 47.6 بالمئة من المواطنين الإسبان يرون أن ما حدث في سبتة تضمن محاولة لممارسة "الضغط" من جانب المغرب على إسبانيا، وهو ما يكشف، بحسب نتائج الاستطلاع، عن مستوى مرتفع من الشكوك تجاه الرواية التي قدمتها الحكومة الإسبانية.

ناخبو الاشتراكيين لا يقتنعون برواية سانشيز

ولفتت "إلموندو" إلى أن المفاجأة لا تكمن فقط في النسبة الإجمالية للإسبان الذين يرفضون تفسير الحكومة، وإنما أيضًا في مواقف الناخبين المؤيدين للحزب الاشتراكي الإسباني، الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز.

وأوضحت الصحيفة أن فرضية أن انهيار الحدود في سبتة كان نتيجة تحرك من جانب عصابات الاتجار بالبشر لا تحظى سوى بتأييد 9.9 بالمئة من ناخبي الحزب الاشتراكي، بينما يرى 61.9 بالمئة منهم أن هناك نوعًا من "الضغط" من جانب المغرب.




وأكدت أن هذه الأرقام تعكس أن جزءًا من الناخبين الذين منحوا ثقتهم لسانشيز في انتخابات عام 2023 لا يتبنون بالضرورة الرواية التي طرحتها الحكومة بشأن أسباب ما حدث في سبتة.

وأشارت الصحيفة إلى أن عدم الثقة في تفسير الحكومة لا يقتصر على ناخبي حزب بعينه، إذ إن النسب التي تؤمن برواية مافيات الاتجار بالبشر تبقى منخفضة بين مختلف التيارات السياسية؛ فلا يصدقها سوى 3.6 بالمئة من ناخبي الحزب الشعبي، و2.1 بالمئة من ناخبي حزب فوكس، و3.5 بالمئة من ناخبي سومار.

خلاف سياسي حول دور المغرب

وبحسب "إلموندو"، فإن الانقسام بين الناخبين يظهر بصورة أوضح عند سؤالهم عن الجهة التي تقف وراء ما وصفته الصحيفة بالمد البشري الذي عبر الحدود.

وأوضحت أن اليسار الإسباني يميل بصورة واضحة إلى تحميل المغرب جانبًا من المسؤولية، إذ يرى 75.7 بالمئة من ناخبي سومار و61.9 بالمئة من ناخبي الحزب الاشتراكي أن الرباط لعبت دورًا في ما حدث.

في المقابل، تبدو مواقف الناخبين اليمينيين أكثر انقسامًا، إذ يرى 35.1 بالمئة من ناخبي الحزب الشعبي أن المغرب يتحمل المسؤولية، بينما تبلغ النسبة 28.2 بالمئة بين ناخبي حزب فوكس.

وأضافت الصحيفة أن 27.4 بالمئة من ناخبي الحزب الشعبي يحمّلون سياسة سانشيز بشأن الهجرة مسؤولية ما حدث، مقابل 28.9 بالمئة من ناخبي فوكس، بينما يرى 26.1 بالمئة من ناخبي الحزب الشعبي أن عملية منح أوراق الإقامة للمهاجرين كانت وراء الأزمة، وهي النسبة التي ترتفع إلى 33.8 بالمئة بين ناخبي فوكس.




وتابعت "إلموندو" أن هذه النتائج تكشف بدورها وجود فجوة بين مواقف القيادات السياسية وقواعدها الانتخابية، مشيرة إلى أن زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونيز فيخو تجنب تحميل المغرب المسؤولية، رغم أن ثلث مؤيديه تقريبًا يتبنون هذا الرأي.

أما زعيم حزب فوكس سانتياغو أباسكال، الذي وجه اتهامات إلى الدولة المجاورة، فلا يتفق معه نحو ثلاثة من كل عشرة من ناخبيه، لتكون هذه الحالة الوحيدة التي لا تحظى فيها فرضية تحميل المغرب المسؤولية بأكبر نسبة من التأييد داخل الكتلة السياسية المعنية.

82.4بالمئة يؤيدون عسكرة الحدود

وفيما يتعلق بالإجراءات الأمنية، أكدت الصحيفة أن هناك توافقًا واسعًا بين الإسبان على ضرورة تشديد حماية الحدود الجنوبية، بغض النظر عن تفسيرهم لأسباب أزمة سبتة.

وكشف الاستطلاع أن 82.4 بالمئة من الإسبان يرون أن الحدود الجنوبية يجب أن تصبح عسكرية، سواء بهدف حماية إسبانيا من التداعيات المحتملة لسياسات الهجرة أو لمواجهة محاولات جديدة للضغط من جانب المغرب.

وأشارت "إلموندو" إلى أن التأييد لهذا الخيار يصل إلى 99.7 بالمئة بين ناخبي حزب فوكس، وإلى 97.5 بالمئة بين ناخبي الحزب الشعبي، في وقت يؤيده أيضًا غالبية ناخبي الحزب الاشتراكي بنسبة 72.5 بالمئة

أما ناخبو سومار فكانوا الأكثر معارضة لعسكرة الحدود، إلا أن الانقسام داخل صفوفهم ظل واضحًا، إذ يؤيد 44.5 بالمئة منهم هذا الإجراء.

هل تصبح سبتة ومليلية مغربيتين؟

وفي ملف مستقبل سبتة ومليلية، تابعت "إلموندو" أن غالبية الإسبان لا يتوقعون انتقال المدينتين إلى السيادة المغربية خلال السنوات المقبلة.

وأظهر الاستطلاع أن 62.9 بالمئة من الإسبان يعتقدون أن هذا السيناريو لن يحدث أبدًا، مع تفاوت المواقف وفق الانتماء السياسي؛ إذ يستبعده 56.6 بالمئة من ناخبي فوكس، مقابل 59.6 بالمئة من ناخبي الحزب الشعبي و70.6 بالمئة من ناخبي الحزب الاشتراكي، بينما ترتفع النسبة إلى 82.8 بالمئة بين ناخبي سومار.

في المقابل، يعتقد 14.4 بالمئة من الإسبان أن سبتة ومليلية قد ترفعان العلم المغربي خلال عقد من الزمن، بينما يرى 9.3 بالمئة أن ذلك قد يحدث خلال خمس سنوات.




وأشارت الصحيفة إلى أن هذه النتائج تأتي بعدما وصف سانشيز ما حدث في سبتة بأنه "هجوم على وحدة أراضي إسبانيا"، لكنه لم يوجه في ذلك التصريح اتهامًا مباشرًا إلى المغرب.

المغرب في ذيل التقييمات


وكشفت "إلموندو" كذلك أن الحكومة المغربية حصلت على أسوأ تقييم من الإسبان بشأن طريقة التعامل مع الأزمة، إذ بلغ متوسط تقييمها 0.8 من أصل 10.

وأوضحت أن جمعية سبتة حصلت على تقييم بلغ 7 من 10، بينما حصلت حكومة المدينة على 5.5، في حين حصلت المعارضة الإسبانية على تقييمات منخفضة أيضًا، إذ منح المشاركون الحزب الشعبي 3.3 نقاط وحزب فوكس 3 نقاط.

كما حصلت الدول الأوروبية على 3.4 نقاط، في ظل تحميلها الحكومة الإسبانية مسؤولية سياسة الهجرة.

ولم تكن الحكومة الإسبانية والوزارات المعنية بالأزمة بعيدة عن الانتقادات، إذ حصلت السلطة التنفيذية ككل على 3.1 نقاط، بينما حصلت وزارة الدفاع على 3.6 ووزارة الداخلية على 2.8، وهي أرقام تعكس، بحسب الصحيفة، مستوى الاستياء الشعبي من طريقة إدارة الأزمة.

اتهامات بتجاهل تحذيرات الاستخبارات

وأشارت "إلموندو" إلى أن 68.7 بالمئة من الإسبان لا يصدقون رواية الحكومة التي تقول إن أجهزة الاستخبارات لم تحذر مسبقًا من موجة الدخول الجماعي إلى سبتة.

وبحسب نتائج الاستطلاع، يعتقد هؤلاء أن تحذيرات استخباراتية كانت موجودة بالفعل وتم تجاهلها، وهو ما قد يفسر حصول وزارة الدفاع على تقييم أفضل من الحكومة بشكل عام ومن وزارة الداخلية.

ومع ذلك، لفتت الصحيفة إلى أن مواقف الناخبين القريبين من الحزب الاشتراكي وسومار تختلف عن هذا الاتجاه، إذ يميلون إلى تصديق ما تقوله الحكومة في هذه المسألة.

خلاف حول توزيع القاصرين

وتابعت "إلموندو" أن الانقسام السياسي يظهر أيضًا في قضية 1342 قاصرًا غير مصحوبين تستضيفهم سبتة حاليًا.

وأظهر الاستطلاع أن 64 بالمئة من الإسبان يعارضون توزيع هؤلاء القاصرين على مختلف أنحاء شبه الجزيرة، بهدف تخفيف الضغط عن الخدمات الصحية والاجتماعية في المدينة.




وترتفع نسبة رفض التوزيع إلى 83.4 بالمئة بين ناخبي الحزب الشعبي، وإلى 92.8 بالمئة بين ناخبي فوكس، بما يتوافق مع مواقف الحزبين.

في المقابل، لا يعارض توزيع القاصرين سوى 26.4 بالمئة من الناخبين القريبين من سومار.

أما بين ناخبي الحزب الاشتراكي، فعلى الرغم من دفاع سانشيز عن توزيع القاصرين، يبدو الانقسام واضحًا؛ إذ يؤيد 47.2 بالمئة التوزيع، بينما يعارضه 45.4 بالمئة.

وأوضحت الصحيفة أن النمط نفسه يتكرر عند سؤال الإسبان عما إذا كان ينبغي تطبيق البروتوكول ذاته على الأطفال والبالغين الذين وصلوا إلى سبتة، إذ يرى 63.6 بالمئة من المواطنين ضرورة عدم التمييز بينهم.

الإسبان والهجرة وحرية التنقل

وفي مؤشر آخر على المواقف تجاه الهجرة، أشارت "إلموندو" إلى أن 59.5 بالمئة من الإسبان يرون أنه إذا شهدت دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي موجة دخول جماعي مشابهة لما حدث في سبتة، فينبغي تعليق حرية حركة الأشخاص داخل تلك الدولة.

ولفتت الصحيفة إلى أن إيطاليا اتخذت بالفعل خطوة من هذا النوع، الأمر الذي أدى إلى مواجهة غير مسبوقة مع إسبانيا ولا يزال الخلاف بين البلدين مستمرًا على خلفية أزمة سبتة.

وبذلك، تظهر نتائج استطلاع "سيغما دوس" لصالح "إلموندو" أن أزمة سبتة لم تترك الإسبان أمام رواية موحدة بشأن أسباب ما حدث، بل كشفت عن شكوك واسعة في التفسير الحكومي، وتباين واضح بين اليمين واليسار في تقييم دور المغرب وسياسات الهجرة، مقابل اتفاق واسع على تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود الجنوبية.