أعلنت وزارة الخارجية السورية، الأحد، التوصل إلى مذكرة تفاهم مع
روسيا بشأن مستقبل وجودها العسكري في الساحل السوري، بعد نحو عام ونصف من المفاوضات والمباحثات، لتنهي بذلك جانباً كبيراً من الجدل الذي أحاط بمصير قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس الساحليتين منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية "سانا" عن إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الخارجية، تنص المذكرة على إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل، بحيث تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيداً لإدخالهما ضمن منظومة الإدارة المدنية.
أما المنشآت ذات الطابع العسكري، فتتجه الترتيبات الجديدة إلى إعادة صياغة وظيفتها وتحويلها من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة سورية-روسية، مع الحفاظ على ما وصفته الوزارة بالمصالح المتبادلة بين البلدين.
وحددت مذكرة التفاهم مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل، على أن تدخل الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ بعد انتهاء هذه المدة.
فيما أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، أن الاتفاق يقضي بتسلم الجانب السوري المواقع التجارية التي كان يشغلها الجانب الروسي ضمن مرفأ طرطوس بما في ذلك الرصيف رقم (4) والمستودعات والمنشآت التابعة له".
كيف بدأ الوجود الروسي في سوريا؟
يرتبط الوجود العسكري الروسي الحالي في سوريا أساساً بالتدخل العسكري الذي بدأته موسكو في أيلول/ سبتمبر 2015، عندما تدخلت روسيا مباشرة في الثورة السورية دعماً لنظام بشار الأسد، وأصبحت قاعدة حميميم في ريف اللاذقية مركزاً رئيسياً للعمليات الجوية الروسية.
أما ميناء طرطوس، فكان لروسيا وجود فيه منذ الحقبة السوفييتية، قبل أن يتحول إلى منشأة استراتيجية روسية في البحر المتوسط.
وفي عام 2017، وقعت موسكو ودمشق اتفاقات منحت روسيا حق استخدام قاعدة حميميم والمنشأة البحرية في طرطوس لمدة 49 عاماً، ما رسخ وجودها العسكري في الساحل السوري حتى عام 2066 وفق تلك الترتيبات.
ومكّنت القاعدتان روسيا من الاحتفاظ بموطئ قدم عسكري مهم في شرق المتوسط، كما أصبحت طرطوس مركزاً لوجستياً مهماً للأسطول الروسي، بينما استخدمت حميميم قاعدة رئيسية للطائرات الروسية خلال الحرب.
ماذا حدث بعد سقوط الأسد؟
تغير وضع الوجود الروسي بصورة كبيرة بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 ووصول أحمد الشرع إلى السلطة.
ومع سقوط حليف موسكو القديم، بدأت الأسئلة بشأن مستقبل القاعدتين، خصوصاً أن الحكومة السورية الجديدة لم تتعامل مع الاتفاقات السابقة باعتبارها ضمانة تلقائية لاستمرار الوجود العسكري الروسي.
وفي الأشهر التي تلت سقوط الأسد، شهدت القاعدتان تحركات روسية وإعادة تموضع وسحباً لبعض المعدات، بينما استمرت المفاوضات بين
دمشق وموسكو بشأن مستقبل الوجود الروسي.
وفي حزيران/ يونيو الماضي، قالت وزارة الخارجية الروسية إن موسكو ودمشق تناقشان "إعادة صياغة محتملة" للمنشآت العسكرية الروسية في سوريا، في مؤشر مبكر على الاتجاه نحو تغيير طبيعة الوجود بدلاً من حسمه بالانسحاب الكامل.
وفي أيار/ مايو الماضي، رُصدت أيضاً تحركات عسكرية روسية بين طرطوس وحميميم، بينها قوافل تحمل معدات ثقيلة ووصول سفن روسية إلى ميناء طرطوس، ما عكس استمرار الوجود الروسي خلال مرحلة التفاوض.
زيارة الشرع إلى موسكو
وجاءت المفاوضات في سياق اتصالات سياسية متواصلة بين دمشق وموسكو بعد سقوط الأسد، كان من أبرز محطاتها زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حيث التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين.
وكان مستقبل القواعد الروسية أحد الملفات الأساسية التي ارتبطت بمباحثات الجانبين، إلى جانب إعادة صياغة العلاقات السورية-الروسية.
وقال الشرع خلال الزيارة إن دمشق تسعى إلى إعادة تعريف العلاقات مع موسكو، بينما أبدت روسيا تمسكاً بأهمية العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع سوريا.
كما عاد الشرع إلى موسكو في 28 كانون الثاني/ يناير 2026 في زيارة رسمية ثانية، وأجرى مباحثات مع بوتين تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.