في ذكرى هيروشيما.. حكاية جزر تعرضت لـ67 ضربة نووية أمريكية

بلغت قوة تجربة كاسل برافو وحدها أكثر من ألف ضعف قوة قنبلة هيروشيما- جيتي
في السادس من آب/ أغسطس من كل عام، يستعيد العالم ذكرى فارقة في العصر الحديث، حين ألقت الولايات المتحدة أول قنبلة ذرية في التاريخ على مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945.

وبعد ذلك اليوم الذي غير مسار الحروب الحديثة، خاضت واشنطن، خلال العقد والنصف التاليين، حملة تجارب نووية في جزر مارشال، إحدى بقاع المحيط الهادئ، فاقت في مجموع قوتها التدميرية عشرات أضعاف ما شهدته هيروشيما نفسها.

وتتألف جمهورية جزر مارشال وهي دولة جزرية مستقلة تقع في غرب المحيط الهادئ، وتتألف من 29 جزيرة مرجانية حلقية وأكثر من 1200 جزيرة صغيرة، عاصمتها وأكبر مدنها هي مدينة ماجورو، ونالت استقلالها رسميا في عام 1986 بعد عقود من الوصاية الأمريكية.

وفي إحدى هذه الجزر، وتحديدا في جزيرتي بيكيني وإنيوتوك المرجانيتين، فجرت الولايات المتحدة 67 قنبلة نووية وحرارية بين عامي 1946 و1958، بقوة تدميرية إجمالية بلغت نحو 214 ميغاطن، بحسب ما ذكرته منظمة "هيباكوشا وورلدوايد" المتخصصة في توثيق ضحايا الأسلحة النووية حول العالم.

ويصادف عام 2026 الذكرى الثمانين لإجلاء سكان بيكيني الأصليين تمهيداً لبدء هذه التجارب، بحسب ما ذكرته "المبادرة التثقيفية المارشالية".

قنبلة واحدة تفوق هيروشيما بـ1000 مرة

كانت أعنف هذه التجارب تجربة "كاسل برافو" التي نفذت في الأول من آذار/ مارس 1954 على جزيرة بيكيني، والتي بلغت قوتها 15 ميغاطن، لتكون بذلك أقوى تفجير نووي أمريكي على الإطلاق، وأكثر قوة من قنبلة هيروشيما بأكثر من 1000 مرة.

وكان هذا الاختبار الأول ضمن سلسلة تجارب حرارية نووية عالية المردود، استهدفت تطوير تصاميم أسلحة نووية قوية يمكن إطلاقها من الطائرات القاذفة.


أما إذا احتسبت التجارب الـ67 مجتمعة، فاقت القوة التدميرية الإجمالية لهذه التجارب قوة قنبلة هيروشيما بنحو 7 آلاف مرة، في وقت وصفت فيه صحيفة "الديلي ميل" البريطانية، التي وثقت الموقع بالصور، حجم "الدمار الهائل" الذي خلفته هذه التجارب على الجزيرة وبيئتها الطبيعية.

من الجزيرة إلى الشتات: قصة إجلاء لم تنته بعد

أُجلي سكان بيكيني الأصليون بالكامل عن جزيرتهم عام 1946 تمهيدا لبدء التجارب، ونقلوا إلى جزر أخرى لم تكن تصلح للزراعة في بعض الأحيان، حتى اقتربوا من المجاعة، وسُمح لبعض العائلات بالعودة عام 1970، لكن العلماء اكتشفوا لاحقا أن مياه الجزيرة لا تزال خطرة، فأُجلي السكان مجددا اعتبارا من عام 1977، ولم يبقَ فيها منذ ذلك الحين سوى علماء وحراس.

وحتى عام 1994، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن جزيرة بيكيني لا تزال ملوثة إشعاعيا بدرجة تحول دون إعادة توطينها، مع استمرار تلوث الحياة الحيوانية والنباتية فيها.

وفي المقابل، خضعت جزية إنيوتوك المجاورة لعملية تطهير بعد توقف التجارب، وجرى إغلاق الحطام المشع فيها تحت قبة خرسانية ضخمة يبلغ ارتفاعها ثمانية أمتار عُرفت باسم "قبة الصبار"، المعروفة اليوم أيضاً باسم "قبة رونيت".


وأوضحت وزارة الداخلية الأمريكية، في وثيقة رسمية استعرضها موقعها الإلكتروني، أن جزيرة رونيت تحديدا "لن يُعاد توطينها" وتبقى "محظورة" على سكان جزر مارشال، مؤكدة أن خطط المسح الحالية والمستقبلية لهذه القبة "كافية لمراقبة السلامة" فيها.

إرث صحي وبيئي لا يزال مفتوحا

لا تزال الآثار الصحية لهذه التجارب حاضرة حتى اليوم؛ إذ نقلت صحيفة "الإمارات اليوم" عن ناشط من جزر مارشال قوله إن سكان الجزر "لا يزالون يعانون مشكلات صحية مثل سرطان الدم والكبد والمعدة والغدة الدرقية"، إلى جانب معدل انتشار مرتفع عالميا لمرض السكري، ناتج جزئيا عن اعتماد السكان على أغذية مستوردة بعدما دُمرت بيئتهم الزراعية المحلية.

ونقل معهد "الولايات المتحدة للسلام" عن أريانا تيبون كيلما، رئيسة اللجنة النووية الوطنية لجزر مارشال، رفضها لما وصفته بـ"نظرية الجزر الأربع" التي تتبناها الرواية الأمريكية الرسمية والتي تحصر الضرر في أربع جزر فقط (بيكيني وإنيوتوك ورونجلاب ويوتريك)، مؤكدة أن "جزر مارشال بأكملها تعرضت للتلوث" وأن هذه الرواية "أمريكية وغير دقيقة".

كما نقل المعهد نفسه عن الوزير جيسي غاسبر جونيور، السيناتور عن بيكيني في برلمان جزر مارشال، مطالبته الصريحة بأن "تعتذر الولايات المتحدة أولا"، مشيرا إلى أن التعويضات الممنوحة حتى الآن استثنت ظلما حلقيات أخرى غير رونجلاب ويوتريك، رغم تضررها هي الأخرى من تجربة "برافو".

وأوضحت تيبون كيلما أن جزر مارشال تفتقر إلى أي "مركز متخصص لعلاج الأورام"، داعية إلى تعزيز النظام الصحي المتردي في البلاد إلى جانب أي اعتذار أو تعويض مستقبلي.

إطار قانوني قائم.. لكنه غير كاف

اعترفت الولايات المتحدة رسميا بالتجارب الـ67 بموجب اتفاقية "الارتباط الحر" الموقعة عام 1986، التي أقرت بسيادة جزر مارشال وأنشأت "صندوق المطالبات النووية" لتعويض ضحايا هذه التجارب.

ومنحت الاتفاقية نفسها، إلى جانب اتفاقيات مماثلة مع ولايات ميكرونيسيا الموحدة وبالاو، الجيش الأمريكي حق الوصول إلى جزر البلاد ومجالها الجوي ومياهها الإقليمية مقابل مساعدات اقتصادية أمريكية مستمرة، بحسب معهد "الولايات المتحدة للسلام"، الذي وصف هذا الإرث النووي بأنه "لا يزال يجهد" العلاقة بين مجوري وواشنطن ويخلق "شرخا" تسعى بكين لاستغلاله في مساعيها لتوسيع نفوذها الإقليمي في المحيط الهادئ.


وفي أيلول/ سبتمبر 2024، اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة القرار رقم 57/26، الذي يكلف المفوضية السامية لحقوق الإنسان بتقديم مساعدة فنية لمعالجة الآثار الحقوقية للتجارب النووية في جزر مارشال.

كما رفعت حكومة جزر مارشال دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية ضد الدول الحائزة للسلاح النووي، بدعوى إخلالها بالتزاماتها بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي بشأن نزع السلاح، في وقت لا يزال فيه "الهيباكوشا" وهم الناجون من الأسلحة النووية في جزر مارشال، على غرار نظرائهم في هيروشيما وناغازاكي، يواصلون نضالهم من أجل الاعتراف والتعويض.