لماذا قد يحدد فوز السيد في مجلس الشيوخ مستقبل الديمقراطيين في أمريكا؟

هاجم ترامب عبد الرحمن السيد متهماً إياه بـ"تبني الشيوعية" ومحاولة تدمير الحلم الأمريكي -
نشرت صحيفة "الغارديان" مقالاً للصحفيين جوزيف جدعون وراشيل لينغانغ قالا فيه إن عبد الرحمن السيد دعا الناخبين، في المرحلة الأخيرة من الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان على مقعد في مجلس الشيوخ، إلى التفكير في الرسالة التي يمكنهم توجيهها لبقية أنحاء البلاد عند الإدلاء بأصواتهم.

قال السيد: "من نحن؟ ومن نريد أن نكون؟ هل نريد ولاية تتحدد هويتها بناءً على حجم الأموال التي تضخها الشركات لتملي علينا ما لا يمكننا الحصول عليه؟ أم نريد أن نكون ولاية تبرهن لبقية البلاد عما يمكن تحقيقه عند بناء حركة شعبية؛ حركة تنبع من الناس، ويقودها الناس، وتعمل من أجل الناس؟".

يوم الثلاثاء، تجاوزت رؤية السيد عقبتها الأولى؛ إذ فاز في الانتخابات التمهيدية متفوقاً على النائبة المعتدلة في الكونغرس، هيلي ستيفنز، التي حظيت بدعم المؤسسة الحزبية وإنفاق خارجي بملايين الدولارات.

قد يشكّل صعود السيد وفوزه إعادة نظر في الطريقة التي تنظر بها المؤسسة السياسية إلى سياسات الولايات المتأرجحة؛ إذ لم يعد الأمر يتطلب من المرشحين تبني مواقف الوسط، بل يتطلب توضيح كيفية تحسين حياة الناس بشكل ملموس، في ظل معاناة الطبقتين العاملة والوسطى مع تكاليف المعيشة وارتفاع نفقات الرعاية الصحية.

والآن، تنتظره انتخابات عامة محتدمة في ولاية تُعد ساحة معركة انتخابية حاسمة، فعند إعلان نتائج السباق، كان السيد متقدماً على ستيفنز بنسبة 48.5 بالمئة مقابل 47.5 بالمئة.

ويشير هذا الفارق الضئيل -إلى جانب حصول مرشح انسحب تماماً من السباق على أكثر من 60 ألف صوت- إلى أنه سيتعين عليه توحيد صفوف الحزب وإقناع المزيد من الناخبين المستقلين، وحتى أولئك الذين يميلون لليمين في هذه الولاية المتأرجحة، من أجل هزيمة المرشح الجمهوري مايك روجرز.

لكن هذا السباق الانتخابي عزز شعوراً متنامياً بمعارضة المؤسسة السياسية التقليدية داخل الجناح اليساري للحزب؛ إذ سعى النشطاء والمؤيدون إلى تبني رؤية استباقية لا تعتمد على الوضع القائم الذي ساد ما قبل حقبة ترامب، وهو ما تجلى في سلسلة من الانتصارات حققها مرشحون من خارج دوائر السلطة التقليدية.

فهناك قناعة بأن الأنظمة كانت معطلة بالفعل قبل صعود ترامب، وأن العودة إلى تلك الأنماط المعتادة لن تخدم المواطنين الأمريكيين العاديين. إنهم يبحثون عن سياسيين قادرين على انتقاد الثوابت التقليدية لأحزابهم، ومواجهة نفوذ الأموال الضخمة التي تهيمن على المشهد السياسي الأمريكي.

وقد وجد ناخبو ميشيغان ضالتهم في "السيد"، الذي ركّز حملته الانتخابية على قضية الرعاية الصحية الشاملة، ولم يتردد في وصف الحرب في غزة بأنها إبادة جماعية.

يقول ديفيد سيرنيك، وهو ناخب من ديترويت دعم "السيد": "إن الأمر لا يقتصر على حصرنا فيما نعتقد أنه ممكن فحسب، بل يغير مفهومنا لما هو ممكن أصلاً".

كانت أول محاولة لـ "السيد" لخوض غمار العمل السياسي في عام 2018، حين خسر أمام غريتشن ويتمّر -التي تشغل حالياً منصب حاكمة ولاية ميشيغان- في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

أما هذه المرة، فقد بنى قاعدة شعبية قوية وجال في أرجاء الولاية لعقد تجمعات انتخابية مباشرة، مع الحرص على تقديم لحظات ومقاطع مؤثرة تصلح للنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وقد طرقت حملته أبواب أكثر من 200 ألف منزل وأجرت ما يزيد عن مليون مكالمة هاتفية، بدعم من مجموعات يسارية مثل "حزب العائلات العاملة" وفروع حركة "إنديفيزيبل". كما نظم "السيد" أكثر من 500 فعالية انتخابية وزار 150 كنيسة.

وتقول راكيل غارسيا، التي صوتت لـ "السيد" في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، إن حرصه على التواجد الميداني كان دافعاً رئيسياً لتصويتهم له؛ فقد عمل "السيد" مسؤولاً في قطاع الصحة العامة في ديترويت ومقاطعة "وين"، وكان يحرص على حضور جلسات الاستماع الخاصة بالتصاريح لتمثيل مصالح الناس والدفاع عنها.

قالت غارسيا: "في كل مرة نجتمع فيها مع مسؤولي مدينة ديترويت، نقول لهم: ’نريدكم أن تكونوا مثله‘. فأنتم هنا لحمايتنا، لا لحماية المصالح الصناعية. ولهذا السبب كنا نرغب في توليه المنصب؛ فقد أسعدنا كونه شخصاً حقيقياً وصادقاً".

وقال آندي ليفين، عضو الكونغرس السابق عن ولاية ميشيغان -الذي خسر أمام ستيفنز عام 2022 بعد إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية- إن هذه اللحظة السياسية رفضت "المفهوم الجامد لقابلية الانتخاب"، وهو مفهوم ينبع من سياسات القلق والخوف.

وصرح ليفين لبرنامج "ديموكراسي ناو" قائلاً: "إنهم يريدون الأصالة والصدق وسياسات شجاعة؛ لا مجرد مقترحات بل أفعالاً ملموسة، لكي يتمكنوا من تحسين حياتهم. إنها حركة لأمريكيين يقولون: كفى للسياسات المعتادة".

أما روي هاريس -الذي أدلى بصوته في ديترويت يوم الثلاثاء دون أن يفصح لمن صوّت- فقد أوضح أن الوقت قد حان للتغيير، قائلاً: "لا يستطيع من يشترون منزلاً لأول مرة شراء بيت؛ فالسعر يصل إلى 400 ألف دولار، وهو مبلغ لا يتحمله أحد عند الإقدام على هذه الخطوة لأول مرة. لقد سئمت دفع 4 دولارات لجالون الوقود، وأتطلع إلى التغيير، وآمل أن تجلبه لنا الإدارة الجديدة القادمة".

وفي واشنطن، تُعد جهود السيد للفوز بمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان أمراً بالغ الأهمية لآمال الديمقراطيين الطموحة في استعادة السيطرة على المجلس، كما ستكون محط أنظار كافة أطياف اليسار باعتبارها مؤشراً هاماً لمستقبل الحزب.

لقد صوتت ميشيغان لصالح ترامب، ثم بايدن، ثم ترامب مجدداً في الانتخابات الرئاسية؛ فهي ولاية متأرجحة بامتياز. وإذا تمكن السيد -وهو تقدمي لا يخشى المجاهرة بمبادئه وغالباً ما يمزح بشأن "اسمه الغريب"- من الفوز في انتخابات عامة على مستوى الولاية،

فإن هذا قد يعيد تشكيل ملامح السباق الرئاسي لعام 2028. أما إذا فشل، فستصفه المؤسسة السياسية ونخبة المحللين -هو وأفكاره- بأنهم متطرفون للغاية، مما سيجعله عبرة تحذيرية لمن يتبنون سياسات الحذر وتجنب المخاطرة.

ففي مناطق أخرى من البلاد، حقق المعتدلون انتصارات في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي؛ ومن بينهم ماري غلوسينكامب بيريز -وهي ديمقراطية من تيار "الكلاب الزرقاء" (المعتدل)- التي فازت في دائرة انتخابية متأرجحة بولاية واشنطن بعد أن تصدت لتحدٍ من الجناح التقدمي، وكذلك ويسلي بيل الذي تغلب على منافسة من النائبة السابقة كوري بوش.

وقد أشار كريس راب -وهو تقدمي فاز بانتخابات تمهيدية تنافسية على مقعد في الكونغرس الأمريكي عن ولاية بنسلفانيا- مؤخراً إلى العقبات الكبيرة التي يواجهها المنتمون لتياره داخل الحزب عند محاولتهم منافسة المعتدلين.

وكتب راب على منصة "إكس": "لا أحد يطلب من الديمقراطيين ’الوسطيين‘ تفسير خسائرهم؛ فهم يخسرون الدوائر المتأرجحة في كل دورة انتخابية، ويصف المحللون السياسيون في واشنطن ذلك بأنه ’خريطة انتخابية صعبة‘. أما التقدميون، فإذا خسروا سباقاً انتخابياً واحداً مهماً، يصفنا مسؤولو الحزب بأننا ’منبوذون انتخابياً‘. إنه ازدواج في المعايير ومغالطة واضحة".

وفي غضون ذلك، بدأت بالفعل ملامح الهجوم من جانب اليمين تتضح؛ إذ نشر روجرز مقطع فيديو للسيد تم إنتاجه باستخدام الذكاء الاصطناعي، يُصوّره في هيئة "أوديسيوس" -بين شخصيات ديمقراطية بارزة أخرى- داخل "حصان طروادة"، مع عبارة تحذيرية تقول: "لا تسمحوا للشيوعية بدخول ميشيغان".

يُذكر أنه لم يفز أي مرشح جمهوري بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان منذ عام 1994. وقد أطلقت اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري على السيد لقب "ممداني ميشيغان"، واصفةً السباق بأنه مواجهة بين "المنطق السليم والجنون".

ورغم ذلك، لا يزال السيد واثقاً من نفسه، فهو يعوّل في شهر تشرين الثاني/نوفمبر على حشد الناخبين الذين عادةً ما يعزفون عن السياسة؛ إما بسبب شعورهم بخيبة الأمل والتشكيك، أو لاعتقادهم بأن النظام لا يمكن أن يتغير بما يحقق تحسناً في حياتهم.

وقال السيد: "الهدف الآن ليس تسجيل نقاط ضد أي شخص، بل الهدف هو التكاتف معاً حتى نتمكن جميعاً -بشكل جماعي- من هزيمة مايك روجرز".