الاحتلال يكثف هجماته على غزة رغم خطة "مجلس السلام"

خطة ترامب تواجه خطر الإجهاض قبل بلورة تفاصيلها الدقيقة - الأناضول
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً للصحفيين إيزابيل كيرشنر وآدم راسغون قالا فيه إن قطاع غزة شهد تصاعداً في عمليات القصف الإسرائيلي المميتة بعد وقت قصير من إعلان الرئيس ترامب الأسبوع الماضي عن خطة جديدة لإرساء السلام والأمن فيه، مما هدد بتقويض الآمال في إحراز تقدم طال انتظاره.

ففي يوم الأحد، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن استشهاد 18 شخصاً -وفقاً لوزارة الصحة في غزة- مما جعله واحداً من أكثر الأيام دموية في القطاع منذ دخول وقف هش لإطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر.

وذكر مسؤولون فلسطينيون أن ضربات الاحتلال التي وقعت قبل ذلك بيوم أدت إلى استشهاد شخصين على الأقل وإلحاق أضرار بمستودعات للمستلزمات الطبية، كما قصف الاحتلال يوم الاثنين سيارة على طريق محاذٍ للشاطئ، مما أسفر عن استشهاد شخصين، بحسب مسؤولين في غزة.

وفي ظل استمرار الغموض بشأن العديد من تفاصيل الخطة -بما في ذلك الجدول الزمني لنزع سلاح حماس الذي يشكل جوهر الخطة المكونة من 15 بنداً والتي أطلقها "مجلس السلام" التابع لترامب (وتدعو أيضاً إلى انسحاب إسرائيلي وتشكيل إدارة جديدة في غزة)- فإن الخطة تواجه خطر الإجهاض قبل بلورة تفاصيلها الدقيقة.

وفي يوم الاثنين، أبدى دورون سبيلمان، المتحدث باسم مكتب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، اعتراضاً على بنود الاتفاق الذي لم توقّع عليه تل أبيب.

وقال في بيان: "النسخة التي أُعلنت للعامة لا تعكس مواقف إسرائيل". وأضاف: "لقد نقلت تل أبيب ملاحظاتها ومخاوفها بشأن الإطار المقترح إلى نظرائنا الأمريكيين"، مشيراً إلى أن المخاوف تتمحور حول مسألة نزع سلاح حماس.

كما وجّه نيكولاي إي. ملادينوف -وهو دبلوماسي بلغاري مخضرم يشغل منصب الممثل السامي لـ "مجلس السلام" المعني بملف غزة- انتقادات نادرة لدولة الاحتلال بسبب هجماتها.

وقال في بيان نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأحد: "أدّت الضربات التي استمرت يومين في أنحاء غزة إلى مقتل مدنيين وتدمير إمدادات طبية يعتمد عليها السكان".

وقال إن الهجمات جاءت عقب "جهود مكثفة" بذلها الوسطاء للتوصل إلى اتفاق، وإنه وفريقه "يعملون على مدار الساعة مع الأطراف والوسطاء والشركاء الإقليميين لخفض التصعيد".

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين، أدانت ثلاث دول لعبت دور الوساطة — وهي قطر ومصر وتركيا — ما وصفته بـ "الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة" في قطاع غزة.

وذكرت حركة حماس في بيان لها أن "عائلات بأكملها" أُبيدت يوم الأحد، واتهمت إسرائيل بـ "تصعيد متعمّد" يهدف إلى عرقلة الخطة.

من جانبه، زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي بأن ضرباته في الأيام الأخيرة استهدفت مقاتلي حماس والبنية التحتية للأسلحة التابعة لها، مدّعياً أنه اتخذ خطوات للحد من الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين.

ومنذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر، صعّدت دولة الاحتلال تدريجياً من هجماتها في أنحاء قطاع غزة. 

وفي يوم الثلاثاء، أُقيمت جنازة جماعية في مدينة غزة لـ 112 شخصاً انتُشلت جثامينهم من تحت الأنقاض خلال الأسابيع الأخيرة، وذلك بحسب محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني الذي يعمل تحت مظلة وزارة الداخلية التي تديرها حماس.

وقال مايكل ميلشتاين، المحلل الإسرائيلي وضابط الاستخبارات العسكرية السابق المتخصص في الشؤون الفلسطينية، إن تكثيف إسرائيل لوتيرة هجماتها مؤخراً "لم يكن وليد الصدفة".

وأوضح أن تل أبيب كانت إما تُظهر عدم اكتراثها بالاتفاق، "أو أنها كانت تخشى الوصول إلى مرحلة تطلب فيها الولايات المتحدة من دولة الاحتلال التوقف"، ولذا كان الجيش يشن ضرباته طالما كان ذلك متاحاً له.

وفي ليلة الأحد، كتب محمد دحلان — وهو شخصية فلسطينية مؤثرة تعيش في المنفى ومقرب من رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة — على وسائل التواصل الاجتماعي أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب وأحد مساعديه، قد قدّم تأكيدات بأنه توصل إلى اتفاق مع إسرائيل يقضي بوقف ضرباتها.

ولكن بعد ذلك بوقت قصير، عدّل المنشور وحذف الإشارة إلى وجود اتفاق، وذكر أن كوشنر أفاد بأنه "يعمل مع الجانب الإسرائيلي لوقف الهجمات على غزة".

وصف المفاوضون في "مجلس السلام" الاتفاق الجديد مع حركة حماس -الذي أعلنه ترامب الأسبوع الماضي- بأنه "خارطة طريق" تهدف إلى ترسيخ وقف إطلاق النار الهش، ونزع سلاح حماس، وضمان انسحاب إسرائيلي كامل من غزة، وتمكين السكان من العودة إلى حياتهم الطبيعية وبدء عمليات إعادة الإعمار.

غير أن تساؤلات جوهرية طُرحت على الفور حول ما إذا كانت إسرائيل ستلتزم بتنفيذ الاتفاق. فوفقاً لنص الاتفاق، مُنح كل من تل أبيب وحماس مهلة أسبوعين لتحديد جدول زمني للتنفيذ، وهي مهلة يمكن للجنة دولية معنية بالتحقق تمديدها.

وقد برزت بالفعل خلافات حادة حول ترتيب خطوات التنفيذ، إلى جانب قضايا أخرى؛ إذ ينص الاتفاق مع حماس على وجوب وفاء تل أبيب -في مرحلة أولى- بالتزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الأول/ أكتوبر، والذي دعا إلى وقف فوري للهجمات الإسرائيلية.

وكان نتنياهو قد تعهد بتحقيق نصر كامل على حماس وتفكيك الحركة؛ وصرح يوم الثلاثاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن إسرائيل لن تنسحب من مواقعها الحالية في غزة قبل أن يتم نزع سلاح حماس بالكامل.

وتقول حماس إنها وافقت على التخلي عن "أسلحتها الثقيلة"، وذلك جزئياً شريطة أن تلتزم إسرائيل بوقف الهجمات والانسحاب. وقد وجدت الحركة نفسها بلا حلفاء إقليميين يذكرون، كما قُتل معظم قادتها البارزين في غزة.

وفي منشور له على إنستغرام يوم الثلاثاء، قال نتنياهو: "لن ننسحب من خطوطنا الحالية حتى يتم نزع سلاح حماس بالكامل".

صرح سبيلمان، المتحدث باسم حكومة الاحتلال، بأنه على مدار الأشهر الثمانية الماضية -ووفقاً للمخابرات الإسرائيلية- "استغلت حماس وقف إطلاق النار لإعادة التسلح، وتجنيد آلاف إضافية من المقاتلين، وإعادة بناء بنيتها التحتية العسكرية".

وقد تركت الخطة المكونة من 15 نقطة تفاصيل نزع السلاح غامضة؛ إذ تدعو إلى اتباع "نهج تدريجي ومتسلسل ومحدد زمنياً" لسحب الأسلحة الثقيلة وتخزينها، دون تحديد جدول زمني لذلك حتى الآن.

ومع ذلك، ينص الاتفاق على أنه في "نهاية العملية"، ستكون "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" -وهي مجموعة من التكنوقراط الفلسطينيين الذين يأملون في تولي الحكم تحت إشراف "مجلس السلام"- هي الجهة الوحيدة التي "تحوز الأسلحة أو تسيطر عليها أو تخزنها في غزة"؛ ولن يتم تسليم أي أسلحة لإسرائيل أو لأطراف غير فلسطينية.

وقد حاول "مجلس السلام" التقليل من شأن الخلافات؛ فبعد اجتماع ملادينوف وأعضاء آخرين في المجلس مع نتنياهو يوم الاثنين، ذكر المجلس في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن المجلس وإسرائيل "يتشاركان فهماً موحداً للأهداف النهائية".

وجاء في بيان المجلس: "الهدف واضح ولا جدال فيه: التجريد الكامل للقطاع من السلاح والانتقال من حكم السلاح إلى الحكم المدني". وأضاف البيان أن "تحقيق ذلك سيكون عملية مستمرة".

وفي غزة، أبدى السكان شكوكاً حول احتمالية تنفيذ تل أبيب للاتفاق، مما أثار مخاوف من بقاء السكان في حالة من الغموض وعدم اليقين لأجل غير مسمى.

وقال سعيد أبو عيطة (46 عاماً)، وهو من جباليا شمالي غزة: "نحن قلقون من ألا يتغير شيء". وأشار إلى أن اثنتين من بناته قُتلتا في غارة إسرائيلية في بداية الحرب، بينما لا يزال هو وأفراد أسرته الناجون نازحين في خيمة بوسط قطاع غزة.

وذكر أبو عيطة أنه يحاول منذ عامين الحصول على إذن لمغادرة غزة ولمّ شمله مع شقيقه في فرنسا، ولم يغير الاتفاق الأخير رأيه أو يدفعه للبقاء، وقال: "لسنا مطمئنين للوضع على الإطلاق".