لماذا بات العالم يثق بالصين أكثر من الولايات المتحدة؟

يرى لوس أن حرب الخليج الثالثة كشفت عن فجوة هائلة بين نهج الصين تجاه الطاقة ونهج أمريكا - الأناضول
تساءل المعلق في صحيفة "فايننشال تايمز" إدوارد لوس عن أسباب الثقة التي بات العالم يوليها للصين أكثر من الولايات المتحدة.

وقال في بداية مقالته إنه يمكن تلخيص الأزمة السياسية للغرب بكلمة واحدة: انعدام الثقة، حيث يشعر الناخبون بالتشاؤم والتحيز والغضب تجاه أنظمتهم، وكل ذلك ناتج عن انعدام الثقة. إلا أن الشعور حيال تراجع ثقة بقية العالم بأمريكا يظل أقل ملاحظة.

وأضاف: "حقيقة أن الصين باتت تحظى الآن بثقة أكبر من الولايات المتحدة في غالبية الدول التي شملها استطلاع "بيو" يجب أن تكون بمثابة ناقوس خطر".

ومع ذلك، لا تزال أمريكا تتصرف وكأنها أكثر الأماكن إثارة للإعجاب على وجه الأرض، على حد قوله.
ويقول لوس إن هذا التراجع في شعبية أمريكا لا يعود كله إلى دونالد ترامب؛ فالولايات المتحدة لم تكن في تراجع فحسب، بل كانت الصين في صعود.

وقد بدأت سمعة أمريكا بالتراجع في عام 2023 عندما كان جو بايدن رئيساً، حيث تزامن هذا التراجع مع دعمه للرد الإسرائيلي المدمر على هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام.

وأضاف لوس أن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية لا تولي اهتماماً يُذكر لتأثير النزعة العسكرية الإسرائيلية على نظرة العالم إلى أمريكا، بما في ذلك بقية الغرب، ومع هذا فإن دولة الاحتلال ليست أيضاً المصدر الرئيسي لعدم شعبية الولايات المتحدة.

فالرأي السائد والمريح، وهو رأي من يريدون إراحة أنفسهم من عناء التفكير، هو أن العالم يكره ترامب وما يمثله من قيم، مما يوحي بأن سمعة أمريكا ستتحسن عندما ينتخب الأمريكيون شخصاً أفضل منه.

إلا أن هذا الرأي المريح يغفل أمراً بالغ الأهمية: فليس كل شيء متعلقاً بالقيم. فمع أن معظم الدول تصنف الولايات المتحدة بكونها أعلى من الصين فيما يتعلق بالحرية، لكنها لا تثق بها أكثر. وعليه فانعدام الثقة مرادف لعدم الكفاءة.

حتى في أمريكا ترامب، يعلم العالم أن الناس يتمتعون بحرية أكبر بكثير مما هو عليه الحال في الصين، من ناحية التعبير عن آرائهم وممارسة شعائرهم الدينية.

والسؤال هو عمن يحكم أمريكا وإن كانت تُدار بكفاءة أكبر؟ وهل أمريكا أكثر استقراراً من الصين؟ من الصعب الإجابة بنعم على أي من السؤالين.

ويردف الكاتب قائلاً: "دعونا نتناول عملية "الغضب الملحمي" التي شنّها ترامب ضد إيران، والتي تذبذبت بين التصعيد والتوقف. فبالإضافة إلى كونها الحرب الأمريكية الأدنى شعبية بين الأمريكيين منذ بدء استطلاعات الرأي، وأكثر من حربي العراق وفيتنام رغم انخفاض الخسائر الأمريكية، فقد أدت إلى نفور جميع أصدقاء أمريكا وحلفائها، بمن فيهم الأحزاب الشعبوية الغربية الأخرى".

ويرى لوس أن حرب الخليج الثالثة كشفت عن فجوة هائلة بين نهج الصين تجاه الطاقة ونهج أمريكا؛ فاستثمارات الصين الضخمة في جميع أنواع الطاقة، من الطاقة المتجددة إلى الفحم الحجري، تتناقض مع ميل أمريكا نحو الوقود الأحفوري.

وكل هذا بسبب ترامب، فلم يكتفِ بإلغاء حوافز بايدن للطاقة النظيفة، بل ودفع الشركات للانسحاب من مشاريع الطاقة البديلة. ولولا مخزون الصين الضخم، لكانت أسعار النفط العالمية قد ارتفعت بشكل كبير في الأشهر القليلة الماضية.

فبدلاً من الادعاء بأن الصين ساعدت في تزوير انتخابات أمريكا عام 2020، كما فعل في خطابه الأخير، على ترامب أن يوجه لها الشكر لأنها وفرت على المستهلكين الأمريكيين دفع 6 دولارات للغالون الواحد من البنزين.

ويقول لوس إن الغضب العارم يتزامن مع مؤشرات لا يمكن تجاهلها للاحتباس الحراري، خاصة في الشمال؛ فقد اعتادت دول مثل الهند وإيران على أن تشهد معدلات كبيرة في الوفيات خلال فصل الصيف.

والآن فقط بدأت أوروبا تندم على غياب مكيفات الهواء بعد تسجيلها أعلى درجة حرارة في شهر حزيران/يونيو على الإطلاق، وأصبح الاحتباس الحراري جزءاً من الوعي الجماهيري ولم يعد محل اهتمام النخبة فقط.

إلا أن الولايات المتحدة تتصرف في هذا الشأن وكأنها الطرف الشرير، متمسكة بعادات القرن العشرين، وفي المقابل، يُنظر إلى الصين في الجنوب العالمي على أنها حاملة اللواء ومَن يملك الحل.

وحتى في المجالات التي تتصدر فيها الولايات المتحدة المشهد، كما هو الحال مع سيارة "تيسلا" لإيلون ماسك، فإن سمعتها سيئة للغاية. ولن ينسى أحد الإعلان الأخير الذي بثه ناشطون في لندن، والذي عرض سيارة "سايبرتراك" لماسك، أو "سواستكار"، كُتب عليه: "تنطلق من الصفر إلى 1939 في 3 ثوانٍ".

ويقول لوس إن هذا الشعور بعدم الثقة قد يزول بسرعة، لكن استعادته تستغرق وقتاً طويلاً، فمن بين الدول الست التي لا تزال تؤيد أمريكا، أربع منها واقعة في جوار الصين وهي: اليابان وكوريا الجنوبية والهند والفلبين.

لكن الدول التي لا تثق بالولايات المتحدة أكثر من غيرها ليست فقط جيرانها غير المستقرين، كندا والمكسيك، بل تشمل دولاً قريبة وبعيدة. هذا على الرغم من أن آلة التصدير الصينية تهدد بالسيطرة على السوق العالمية. أما الدول الشاذة فهي بولندا، بسبب روسيا، وكذا إسرائيل. وحتى أستراليا وبريطانيا تثقان بالصين أكثر من الولايات المتحدة.

ويقول لوس إن رحيل ترامب سيُسهم من المؤكد في تحسين الوضع. فقد ارتفعت مكانة أمريكا العالمية بشكل ملحوظ في الفترة من جورج دبليو بوش إلى باراك أوباما. إلا أن أوباما لم يستطع استعادة المكانة المرموقة التي تمتعت بها أمريكا في التسعينيات من القرن الماضي. 

ويختتم لويس مقالته بالقول: "سيكون من الصعب على خليفة ترامب إعادة الأمور إلى ما كانت عليه في عهد أوباما. وتتزايد هيمنة الذكاء الاصطناعي على المنافسة بين الولايات المتحدة والصين".

حيث تتميز النماذج الصينية برخص ثمنها وانفتاح مصادرها، حتى وإن كانت قدراتها أقل في كثير من الأحيان. أما النماذج الأمريكية فهي باهظة الثمن ومغلقة. ولأول مرة منذ أجيال، لم تعد هيمنة التكنولوجيا الأمريكية مضمونة، ولا حتى التعويل على إعجاب الناس بها.