شهدت العاصمة
اليمنية المؤقتة
عدن،
الثلاثاء، انتشارًا أمنيًا واسعًا في عدد من المديريات والشوارع الرئيسية،
بالتزامن مع استعدادات لتنظيم مظاهرة جماهيرية دعا إليها
المجلس الانتقالي الجنوبي
تحت شعار إسقاط ما وصفه بـ"مشاريع الوصاية"، في خطوة تعكس استمرار
التوتر السياسي حول مستقبل جنوب اليمن وطبيعة العلاقة بين القوى المحلية
والإقليمية المؤثرة في المشهد اليمني.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن شهود عيان أن
قوات أمنية كثفت وجودها في مداخل المدينة والطرق الرئيسية، ونصبت نقاط تفتيش في
عدد من المناطق، حيث جرى فحص المركبات وتعزيز الانتشار في المواقع الحيوية،
بالتزامن مع تدفق آلاف المشاركين من محافظات جنوبية مختلفة للمشاركة في الفعالية
التي وصفها المجلس بأنها "مليونية".
وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد الخلافات
بين المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله، وبين
القوى اليمنية الأخرى، إضافة إلى استمرار التجاذبات الإقليمية بشأن مستقبل المناطق
الجنوبية والشرقية التي ظلت خلال السنوات الماضية ساحة تنافس بين أطراف متعددة.
عدن تستعد لمشهد سياسي جديد
ومنذ ساعات الصباح، بدأت عدن تشهد حركة
واسعة للمركبات والحافلات التي نقلت مشاركين قادمين من محافظات جنوبية، وسط
إجراءات أمنية مشددة هدفت، وفق مصادر محلية، إلى تنظيم حركة الدخول إلى المدينة
وتأمين الفعالية المرتقبة.
وكان المجلس الانتقالي الجنوبي قد دعا خلال
الأيام الماضية إلى برنامج تصعيدي سلمي في المحافظات الجنوبية، مطالبًا أنصاره
والقوى المدنية والمجتمعية بالمشاركة في فعاليات جماهيرية في عدن وحضرموت للتعبير
عن رفض ما يعتبره "ممارسات الوصاية".
ويرفع المجلس خطابًا سياسيًا يركز على حق
الجنوبيين في تقرير مستقبلهم، ويعتبر أن القضية الجنوبية لا تزال تمثل جوهر الصراع
السياسي في اليمن، رغم مرور سنوات على اندلاع الحرب وتغير خريطة القوى المسيطرة
على الأرض.
في المقابل، ترى أطراف يمنية أخرى أن أي
خطوات أحادية تتعلق بمستقبل الجنوب قد تعمق الانقسامات الداخلية وتعرقل جهود
الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي سنوات الصراع.
خلفية الصراع على الجنوب
وتأتي فعالية الانتقالي في لحظة سياسية
حساسة، بعد تحولات شهدتها الساحة اليمنية خلال الأشهر الماضية، كان أبرزها تشكيل
حكومة يمنية جديدة في شباط/فبراير الماضي، عقب تمكن مجلس القيادة الرئاسي، المدعوم
سعوديًا، من تعزيز نفوذه في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية التي كانت تشكل
مناطق نفوذ رئيسية للمجلس الانتقالي الجنوبي.
ويمثل المجلس الانتقالي أحد أبرز الفاعلين
السياسيين والعسكريين في جنوب اليمن، حيث تأسس عام 2017، ورفع منذ البداية مشروع
استعادة دولة الجنوب التي كانت قائمة قبل الوحدة اليمنية عام 1990.
وخلال السنوات الماضية، تمكن المجلس من بناء
نفوذ واسع في عدن وعدد من المحافظات الجنوبية، مستفيدًا من دعم إقليمي، خصوصًا من
دولة الإمارات، كما شارك في ترتيبات سياسية ضمن الحكومة اليمنية المعترف بها
دوليًا ومجلس القيادة الرئاسي.
غير أن العلاقة بين المجلس وبقية مكونات
السلطة اليمنية ظلت متوترة، خصوصًا بشأن شكل الدولة اليمنية بعد الحرب، وصلاحيات
السلطات المحلية، ومستقبل القضية الجنوبية.
خلافات داخلية حول مستقبل المجلس
وتشهد بنية المجلس الانتقالي نفسها جدلًا
داخليًا خلال الفترة الأخيرة، بعد إعلان عدد من قياداته في كانون الثاني/يناير
الماضي حل المجلس وإغلاق مكاتبه ومقراته في الداخل والخارج، فيما تمسكت قيادات
أخرى باستمرار المجلس تحت قيادة رئيسه عيدروس الزبيدي.
وأثارت هذه التطورات تساؤلات حول مستقبل
المجلس وقدرته على الحفاظ على تماسكه السياسي والتنظيمي، خصوصًا في ظل التحولات
التي شهدها الملف اليمني، ومحاولات إعادة ترتيب القوى داخل المعسكر المناهض لجماعة
الحوثي.
لكن قيادات الانتقالي التي واصلت نشاطها
تؤكد أن المجلس لا يزال يمثل تطلعات قطاع واسع من الجنوبيين، وأن مشروعه السياسي
المرتبط باستعادة دولة الجنوب ما زال قائمًا.
السعودية والانتقالي.. مسار شائك
وتشكل علاقة المجلس الانتقالي مع السعودية
أحد أبرز الملفات المؤثرة في مستقبل الجنوب اليمني.
فبينما لعبت الرياض دورًا رئيسيًا في دعم
الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي، حاولت في الوقت نفسه إدارة العلاقة مع
الانتقالي باعتباره طرفًا أساسيًا في المعادلة الجنوبية، خصوصًا بعد توقيع اتفاق
الرياض عام 2019 الذي هدف إلى إنهاء المواجهات بين الحكومة والمجلس.
لكن تطبيق الاتفاق واجه صعوبات كبيرة،
واستمرت الخلافات حول ترتيبات السلطة والأمن والانتشار العسكري في المحافظات
الجنوبية.
ويحمل التصعيد الأخير رسائل سياسية تتجاوز
حدود الفعالية الجماهيرية، إذ يسعى المجلس الانتقالي إلى التأكيد على حضوره الشعبي
والسياسي في مواجهة أي ترتيبات مستقبلية قد تقلص نفوذه أو تؤجل بحث قضية انفصال
الجنوب.
الجنوب اليمني بين مطالب الانفصال وتعقيدات
الواقع
وتبقى قضية الجنوب واحدة من أكثر الملفات
تعقيدًا في الأزمة اليمنية، إذ تتداخل فيها عوامل تاريخية وسياسية وأمنية
واقتصادية.
فالجنوبيون الذين يطالبون بالانفصال يستندون
إلى تجربة دولة الجنوب السابقة قبل الوحدة، وإلى مظالم سياسية واقتصادية يقولون
إنها تراكمت منذ عام 1990.
في المقابل، ترى قوى يمنية أخرى أن معالجة
القضية الجنوبية يجب أن تتم ضمن إطار سياسي شامل يحافظ على وحدة اليمن ويضمن
ترتيبات جديدة للحكم وتقاسم السلطة.
كما أن أي مسار يتعلق بمستقبل الجنوب يبقى
مرتبطًا بالتوازنات الإقليمية، خصوصًا في ظل استمرار الحرب مع جماعة الحوثي،
والجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية.
فعالية سياسية في توقيت حساس
ويأتي الحشد المرتقب في عدن في وقت يشهد فيه
اليمن مرحلة انتقالية هشة، حيث تتراجع حدة المواجهات العسكرية مقارنة بالسنوات
الأولى للحرب، مقابل تصاعد الصراع السياسي حول شكل الدولة وموازين النفوذ.
ويرى مراقبون أن مظاهرة الانتقالي لا تمثل
مجرد تحرك جماهيري، بل محاولة لإعادة تثبيت موقع المجلس في أي ترتيبات سياسية
مقبلة، وإرسال رسالة إلى الداخل والخارج بأن القضية الجنوبية لا تزال حاضرة بقوة
في المشهد اليمني.
وفي ظل غياب اتفاق نهائي حول مستقبل اليمن
السياسي، يبقى الجنوب إحدى أبرز نقاط الاشتباك، حيث تتقاطع مطالب الانفصال مع
حسابات القوى المحلية والإقليمية، ما يجعل أي تصعيد جديد في عدن مرشحًا للتأثير في
مسار الأزمة اليمنية برمتها.
ذكرى 7 يوليو.. محطة رمزية في ذاكرة الصراع
الجنوبي
ويأتي الحشد الذي دعا إليه المجلس الانتقالي
الجنوبي في عدن في سياق إحياء ذكرى السابع من يوليو/تموز، وهو التاريخ الذي يحتل
مكانة رمزية في خطاب القوى الجنوبية المطالبة بالانفصال عن اليمن.
ويشير المجلس الانتقالي وأنصاره إلى هذا
اليوم باعتباره ذكرى لما يصفونه بـ"احتلال الجنوب" عقب انتهاء الحرب
الأهلية اليمنية عام 1994، عندما تمكنت القوات الموالية للرئيس اليمني الراحل علي
عبد الله صالح من حسم المواجهات العسكرية ضد قوات الحزب الاشتراكي اليمني التي
كانت تمثل السلطة في جنوب اليمن قبل الوحدة.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح السابع من يوليو
محطة سنوية في خطاب الحراك الجنوبي، الذي يرى أن حرب 1994 أنهت عمليًا الشراكة
السياسية التي قامت عليها الوحدة اليمنية عام 1990، وأدت إلى تهميش الجنوب وإقصاء
كوادره السياسية والعسكرية، بينما تعتبر قوى يمنية أخرى أن ما جرى كان إنهاءً
للتمرد المسلح والحفاظ على وحدة البلاد.
ويحاول المجلس الانتقالي الجنوبي توظيف هذه
الذكرى لإعادة التأكيد على مشروعه السياسي القائم على استعادة دولة الجنوب
السابقة، حيث دعا إلى مليونية في عدن وعدد من المحافظات الجنوبية تحت شعارات ترفض
ما يسميه "مشاريع الوصاية"، وتطالب بمنح الجنوبيين حق تقرير مستقبلهم
السياسي.
من السيطرة على عدن إلى فقدان النفوذ.. مسار
الانتقالي في مواجهة التحالف
وتأتي هذه الفعالية في ظل تحولات كبيرة
شهدها موقع المجلس الانتقالي الجنوبي خلال السنوات الأخيرة، بعدما كان قد فرض
نفوذه على العاصمة المؤقتة عدن وعدد من المحافظات الجنوبية عقب مواجهات عسكرية مع
القوات الحكومية عام 2019.
وكان المجلس، المدعوم إماراتيًا، قد أعلن في
أبريل/نيسان 2020 ما وصفه بـ"الإدارة الذاتية للجنوب"، في خطوة اعتبرتها
الحكومة اليمنية آنذاك تصعيدًا يهدد مسار التسوية السياسية، قبل أن يتراجع عنها
لاحقًا ضمن ترتيبات سياسية قادت إلى تشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022.
غير أن التصعيد بلغ ذروته بعد إعلان قيادات
في المجلس
مواقف أكثر وضوحًا باتجاه الانفصال النهائي عن اليمن، وهو ما دفع
السعودية إلى التدخل سياسيًا وعسكريًا للحد من تمدد المجلس داخل مناطق النفوذ
التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا.
وفي أعقاب ذلك، تمكنت ترتيبات مدعومة
سعوديًا من إعادة تشكيل موازين القوة في المحافظات الجنوبية والشرقية، وصولًا إلى
تشكيل حكومة يمنية جديدة في فبراير/شباط الماضي، مع تقليص هامش سيطرة المجلس
الانتقالي الذي كان يمثل القوة العسكرية والسياسية الأبرز في عدن.
ويعيد الحشد الحالي في العاصمة المؤقتة
تسليط الضوء على طبيعة العلاقة المعقدة بين المجلس الانتقالي والقوى الإقليمية
الفاعلة في الملف اليمني، خصوصًا في ظل استمرار التباين بين رؤية المجلس القائمة
على الانفصال، ورؤية الحكومة اليمنية وحلفائها التي تتمسك بإطار الدولة اليمنية
الموحدة.
وبذلك تتحول مليونية السابع من يوليو إلى
أكثر من فعالية جماهيرية؛ فهي تحمل رسالة سياسية في لحظة دقيقة من مسار الأزمة
اليمنية، حيث يحاول المجلس الانتقالي إعادة تثبيت حضوره الشعبي بعد فقدانه جزءًا
من نفوذه التنفيذي، بينما تسعى القوى الإقليمية إلى إبقاء التوازنات الجنوبية ضمن
مسار تفاوضي أوسع يتعلق بمستقبل اليمن.