تحقيق إسرائيلي يكشف "فضيحة" كبرى بشأن الحرب على إيران

التحقيق ذكر أن أجهزة الاستخبارات رفضت تأييد مزاعم التدمير الكامل للبرنامج النووي الإيراني- الأناضول
كشف تحقيق صحفي استقصائي نشرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية عن حملة تضليل ممنهجة قادها المستوى السياسي في الاحتلال الإسرائيلي، بمساندة وتواطؤ من أجزاء في المؤسسة العسكرية والأمنية، هدفت إلى تضليل الرأي العام بشأن النتائج الحقيقية للحرب على إيران والعمليات العسكرية التي استهدفت المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية.

وأشارت الصحيفة إلى ما وصفته بتآكل "الحقيقة" كأولى ضحايا الحرب، مبينا كيف جرى توظيف شخصيات ومؤسسات أمنية لصياغة روايات تتحدث عن انتصار حاسم، في وقت كانت فيه التقييمات الاستخباراتية الداخلية تشير إلى عدم تحقيق الأهداف المعلنة، واستمرار التهديد الإيراني المتمثل في المواد الانشطارية والترسانة الصاروخية.

ويتمثل جوهر هذه الفضيحة في الادعاءات التي أطلقها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن "التدمير الكامل" للمنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، والقول إن الضربات أنهت التهديد النووي لأجيال قادمة، إلا أن تقارير البنتاغون، إلى جانب تقييمات الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية الداخلية، ناقضت هذه الرواية بشكل كامل، مؤكدة أن الأضرار كانت جسيمة لكنها لم تصل إلى مستوى التدمير الشامل.


ووفق التقرير، مارس مكتب رئيس الوزراء ضغوطا كبيرة على كبار ضباط الاستخبارات لحملهم على التوقيع على وثائق تؤكد تدمير البرنامج النووي، غير أن قيادات استخباراتية عليا رفضت ذلك رفضا قاطعا، معتبرة أن مثل هذه الخطوة تمثل تزييفا للحقيقة وتجاوزا لأخلاقيات المهنة.

وعقب هذا الرفض من جانب الأجهزة الاستخباراتية، اتجه المستوى السياسي، إلى خيارات أخرى أكثر مرونة، حيث تعرضت "هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية"، التي يرأسها مدير عام لا يمتلك خلفية نووية تحليلية، لضغوط من أجل توقيع وثيقة أشارت إلى أن الهجمات جعلت منشآت التخصيب غير قابلة للاستخدام وأخرت البرنامج النووي لسنوات عديدة.

وأسهمت هذه الوثيقة في دعم الرواية السياسية ظاهريا، إلا أنها أغفلت، بحسب التقرير، حقيقة أساسية حذر منها العلماء، تتمثل في أن المواد الانشطارية الكافية لإنتاج عشرات القنابل الذرية لم تُدمَّر، وإنما أخفتها إيران داخل ملاجئ محصنة، وهو ما يعني أن التأخير الفعلي للبرنامج النووي لم يتجاوز بضعة أشهر، وليس "أجيالا" كما جرى الترويج له.

وامتد هذا التلاعب إلى ما هو أبعد من الملف النووي، ليشمل المبررات التي سبقت الحرب والتقييمات المتعلقة بالتهديد الصاروخي.

وبرر المستوى السياسي في الاحتلال الإسرائيلي شن العمليات بوجود "خطر إبادة نووي وشامل" واقتراب إيران بصورة حاسمة من امتلاك السلاح النووي، رغم أن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية في ذلك الوقت أكدت عدم وجود "فريق أسلحة" نشط، وعدم صدور أي أمر من المرشد الأعلى علي خامنئي بتصنيع القنبلة.

وفي السياق ذاته، أعلن نتنياهو وقيادات جيش الاحتلال "إزالة التهديد الوجودي" الذي تمثله الصواريخ الباليستية الإيرانية، بينما تشير الحقائق العسكرية والرياضية، بحسب التقرير، إلى أن الغارات لم تدمر سوى ثلث الصواريخ ونحو نصف منصات الإطلاق، في حين بقيت البنية التحتية الحيوية للإنتاج، مثل أجهزة المزج الكوكبية، سليمة، الأمر الذي أبقى الترسانة الصاروخية الإيرانية قادرة على مواصلة التهديد.

كما أشار التقرير إلى أن المؤسسة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي وسعت دائرة التعتيم بإخفاء نتائج "تقييم الأضرار القتالية" الذي أُجري في أواخر عام 2025، والذي خلص إلى فشل تدمير المواقع النووية بشكل كامل، مع رفضها الرد على الاستفسارات الصحفية المتعلقة بهذا الملف.


وأضاف أن الرواية الرسمية بالغت أيضا في تصوير حجم الاستهداف الذي طال العلماء النوويين الإيرانيين، إذ روجت للقضاء على "كل خبراء البرنامج"، بينما تشير المعطيات الاستخباراتية إلى مقتل تسعة علماء فقط، أربعة منهم من الصف الأول، من أصل مئات المهندسين والعلماء الذين يمثلون عمق المعرفة النووية الإيرانية، وهو ما يجعل الادعاء بتفكيك المنظومة العلمية، وفقا للتقرير، مجرد دعاية إعلامية.

وفي الجولة الثانية من المواجهة، التي اندلعت مطلع عام 2026، برز التناقض بين الواقع والاستراتيجية السياسية بصورة أوضح، بعدما أصر نتنياهو على إدراج "إسقاط النظام الإيراني" ضمن الأهداف الرئيسية للحرب. وذكر التقرير أن شعبة الاستخبارات العسكرية والموساد حذرتا بشكل قاطع من هذه الخطة، ووصفتاها بأنها "هلوسة" ومحكومة بالفشل، إلا أن الجيش الإسرائيلي اختار عدم مواجهة المستوى السياسي خشية التداعيات.

وبدلا من ذلك، أعاد صياغة الهدف ليصبح "تهيئة الظروف" للإطاحة بالنظام، غير أن هذه الخطة انتهت، بحسب التقرير، إلى الفشل، مع وصول مجتبى خامنئي إلى سدة الحكم وقيادته نظاما أكثر تشددا وتطرفا من سابقه.


كما برزت محاولات رسمية لاحتواء تداعيات ما ورد فيه، إذ نفى كل من مكتب نتنياهو، والمتحدث باسم جيش الاحتلال، وهيئة الطاقة الذرية، صحة ما جاء في التحقيق الاستقصائي.

وأكدت هذه الجهات أن العمليات كانت "تاريخية" وأنها أزالت الخطر النووي والصاروخي، ووصفت التقرير بأنه محاولة مغرضة للتقليل من الإنجازات الأمنية، فيما شددت هيئة الطاقة الذرية على صحة الوثيقة التي وقعتها، متجاهلة التحفظات العلمية التي رافقت إعدادها.

وحذرت من خطورة تحول المؤسسات المهنية والعسكرية إلى أدوات للدعاية السياسية، معتبرا أن ذلك يشكل خطرا وجوديا على دولة الاحتلال وقدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية تستند إلى معطيات حقيقية.