نشر موقع "
شيناري إيكونومتشي" تقريرًا يسلّط الضوء على مفارقة لافتة في سوق
النفط، إذ أن الانفراج المفاجئ في أزمة مضيق
هرمز قد يتحول من خبر إيجابي إلى صدمة معاكسة تهدد بإغراق الأسواق بالخام.
وقال الموقع، في التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن الاتفاق المفاجئ بين الولايات المتحدة وإيران يعيد فتح مضيق هرمز، لكن الأسواق لا تحتفل، إذ من المتوقع أن يتدفق أكثر من 160 مليون برميل من النفط خلال أيام قليلة.
ومع توقف الصين، يصبح خطر انهيار الأسعار حقيقيًا؛ إذ تملك الأسواق المالية مفارقة غريبة، فكثيرًا ما تستقبل البورصات بالذعر ما تحتفي به السياسة باعتباره انتصارًا.
وتوقيع مسودة مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران هو المثال الأفضل على ذلك؛ فبينما تتنفس الدبلوماسية الصعداء، بدأ سوق النفط في دبي يتراجع. وانتقل اهتمام المتعاملين بسرعة الضوء من الخوف من الحصار البحري إلى الكابوس المعاكس، وهو فيضان وشيك وضخم ودرامي من النفط الخام.
والآن يبدو هذا الانفتاح أقل يقينًا بعض الشيء، أو لنقل إنه يسير بوتيرة متقطعة، لكن الاتجاه العام لا يزال كما هو. لذلك، نحلل البيانات الفعلية لفهم سبب خطر أن يخنق المعروضُ الطلب، بما يخلق صدمة معاكسة.
موجة الصدمة
وأوضح الموقع أن الإغلاق المؤقت للمضيق قد عمل كأنه سدادة اصطناعية، وقد تؤدي إزالتها إلى تحرير ما يصل إلى 93 مليون برميل من النفط الخام غير
الإيراني، بشكل شبه فوري، وهي كميات ظلت عالقة في الخليج العربي. وإلى هذا الحجم الهائل، يجب إضافة رفع الحظر الأمريكي عن نفط طهران، وهو ما قد يفرج عن 72 مليون برميل إضافية من النفط الإيراني المنتظر حاليًا غربي تشابهار، وهي أحجام ضخمة قادرة على تغيير التوازن العالمي خلال أيام قليلة.
ووفقًا للتقديرات الفنية، ستكون السفن المحملة بالكامل والموجودة بالفعل داخل الخليج أول من ينطلق؛ فهذه الناقلات محملة بالفعل، ولديها عقود موقعة، ولا تنتظر سوى أمرين: ممر آمن وتغطية تأمينية ضد مخاطر الحرب. وإذا لم تفرض إيران قيودًا مفاجئة، أو إذا لم تقع حوادث أخرى مثل ما حدث مساء أمس، فقد يتدفق هذا التراكم اللوجستي الهائل إلى الأسواق خلال 10 إلى 15 يومًا فقط.
وأشار الموقع إلى أنه لفهم حجم هذا التطور، تكشف البيانات أن كميات ضخمة من النفط أصبحت بالفعل "عالقة في المياه" وجاهزة للتدفق نحو الأسواق فور زوال العوائق، وتأتي الحصة الأكبر من السعودية، بنحو 42.5 مليون برميل، تليها الإمارات العربية المتحدة بنحو 18.4 مليون برميل، ثم العراق بما يقارب 15 مليون برميل. وهذه الكميات، بمجرد تحركها دفعة واحدة، قد تشكل ضغطًا هائلًا على السوق وتزيد مخاوف التخمة النفطية.
لوجستيات النفط
وبحسب الموقع فإنه على الرغم من الاتفاق، تظل الثقة عملة نادرة في الخليج العربي؛ فليس واضحًا بعد تحت أي شروط ستعيد إيران فتح الممر المائي: هل ستُفرض رسوم على السفن؟ وهل سيكون العبور مشروطًا؟ وهل سيُفتح المضيق بالكامل، أم سيُسمح بالمرور فقط عبر ممر بحري ضيق؟ وفي ظل هذا المناخ من عدم اليقين، سيحتاج مسار الملاحة التقليدي إلى وقت قبل أن يعود إلى طبيعته الكاملة. فالمنتجون في المنطقة، وهم أطراف عملية اعتادت التعامل مع المخاطر، يواصلون الاعتماد على عمليات النقل من سفينة إلى أخرى لإخراج الشحنات من الخليج.
وتُظهر البيانات قفزة حادة في هذا المسار، إذ ارتفع النفط الخام المحمل من خليج عُمان بعد هذه العمليات إلى مليوني برميل يوميًا في حزيران/ يونيو. وللمقارنة، لم يكن هذا الحجم يتجاوز 772 ألف برميل يوميًا في أيار/ مايو، و303 آلاف برميل فقط في أبريل/نيسان. ويأتي جزء كبير من هذه الشحنات من الإمارات، تليها الكويت والعراق.
وقد لفت الموقع إلى أن شركة بترول أبوظبي الوطنية، أدنوك، على سبيل المثال تعمل على تسريع وتيرة المبيعات؛ فقد أصدرت مؤخرًا ثالث مناقصة بيع لها خلال شهر واحد فقط، عارضةً نفطًا خامًا بخيارات تحميل مرنة للغاية لتجاوز حالة عدم اليقين المرتبطة بالمضيق، بما يتيح التحميل من المحيط الهندي. وهو ما يُعد إشارة واضحة إلى أن المنتجين يريدون تحويل النفط إلى عائدات نقدية في أسرع وقت ممكن.
محرك الطلب الآسيوي
وأكد الموقع أنه إذا كان المعروض يضغط من جهة للخروج إلى الأسواق، فإن الطلب من الجهة الأخرى يواجه صعوبة في امتصاصه. وإذا افترضنا أن ما لا يقل عن 153 مليون برميل من الإمدادات غير الإيرانية ستصل إلى السوق بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب، فمن سيشتريها؟ فلقد استعادت المصافي الآسيوية، باستثناء الصين، بالفعل قدرتها الإنتاجية إلى نحو 90% من مستويات ما قبل الأزمة. ولا تزال هوامش الربح على المنتجات المكررة، مثل البنزين والديزل، جيدة بفضل الطلب الصيفي، وهو ما قد يدفع إلى زيادة عمليات التكرير بمقدار مليون برميل إضافي يوميًا. كما جرى استهلاك المخزونات، مع انخفاض بلغ 78 مليون برميل بين مارس/آذار ومايو/أيار، وسيكون من الضروري إعادة تكوينها.
غير أن ملء المخازن يظل عملية بطيئة؛ فقرارات الشراء تحتاج إلى وقت، وستعود كميات التعويض إلى السوق تدريجيًا وببطء شديد. فضلًا عن ذلك، ترتبط المصافي بعقود طويلة الأجل. وبما أنها ضمنت بالفعل إمداداتها لفصل الصيف، فإن شهيتها محدودة تجاه الشحنات الفورية، أي المباعة في حينها، ولذلك تفضل تجاهل العروض قصيرة الأجل القادمة من المنتجين في الشرق الأوسط.
المجهول الصيني
وأضاف الموقع أن الصين تبقى المتغير الأساسي الذي يحدد مصير سوق النفط العالمية؛ ففي الوقت الحالي، تعمل المصافي الصينية بطاقة تقل عن المعدلات الطبيعية بنحو 2.6 مليون برميل يوميًا، بينما لا تزال مخزوناتها الداخلية شبه سليمة، وقد كان غياب الطلب الصيني الضخم تحديدًا هو العامل الذي منع الأسعار من الانفجار خلال الأزمة، وهو الغياب نفسه الذي يهدد الآن بدفعها إلى الانهيار. وحتى إذا استقرت أسعار الخام حول 80 دولارًا للبرميل، فإن مصافي بكين لا تملك أي حافز اقتصادي لزيادة المشتريات؛ فمخازن البنزين والديزل لديها ممتلئة.
وما لم تقرر الحكومة الصينية تخفيف القيود المفروضة على تصدير المنتجات المكررة، أو تتخذ قرارًا واسع النطاق بملء احتياطياتها الإستراتيجية الوطنية، فإن فائض النفط القادم من الشرق الأوسط سيظل بلا مشترٍ رئيسي. وعلى سبيل المثال، طلب المشترون الصينيون 12 مليون برميل فقط من النفط الخام السعودي لشهر يوليو/تموز، مقابل متوسط تاريخي أعلى بكثير.
التداعيات
وبيّن الموقع أن الأثر المشترك لانفراج مفاجئ في جانب المعروض واستجابة بطيئة من جانب الطلب في حركة الأسعار يتضح الآن؛ فقد تقلص الفارق السعري في سوق دبي بصورة حادة، من 6 دولارات للبرميل إلى 1.6 دولار فقط خلال أيام قليلة للغاية،كما هبطت أسعار بعض أنواع الخام المحددة، مثل خام أبر زاكوم، إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2021.
واختتم الموقع التقرير بالتأكيد على أننا أمام تصحيح حاد في الأسعار على المدى القصير، وإذا أضيفت عمليات السحب الإستراتيجية من جانب الولايات المتحدة إلى هذا الفائض في الإمدادات القادمة من الخليج العربي؛ فإن السوق ستتعرض لضغط شديد، والخطر الحقيقي يتمثل في الدخول في حالة "الكونتانغو"، وهي وضع اقتصادي يصبح فيه النفط الجاهز للتسليم الفوري أرخص من النفط المباع للتسليم في المستقبل، وبعبارة أبسط، هناك كميات كبيرة جدًا من النفط متاحة اليوم إلى درجة أن المشتري يحتاج إلى حافز كي يتحمل تكاليف التخزين، وهذا عرض واضح لسوق غمرها النفط فجأة وبصورة دراماتيكية.