طالب صحفيون وحقوقيون
مصريون بتشكيل لجنة تقصي
حقائق دولية تابعة لمنظمات الأمم المتحدة المعنية للتحقيق في أوضاع
المعتقلين
السياسيين المصريين، وذلك بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة التعذيب في
السجون،
واستباقا للذكرى الـ13 لانقلاب 3 تموز/يوليو 2013، الذي أسفر عن اعتقال أكثر من
100 ألف مصري.
وتحت عنوان: "نحو لجنة دولية لتقصي
الحقائق في السجون المصرية"، تحدث الكاتب الصحفي والإعلامي المعارض قطب
العربي، عما يجري من عمليات "تعذيب للمعتقلين المصريين، وصولا إلى استشهاد
بعضهم في محابسهم بسبب التعذيب أو سوء المعاملة أو الإهمال الطبي"، مؤكدا أن
"التعذيب جريمة ضد الإنسانية، ومجرم بموجب القانون الدولي".
وحول حجم الاستجابة الحقوقية لدعوته من منظمات
مصرية ودولية وطرق الحشد لها وتفعيلها حقوقيا، قال العربي لـ"عربي21":
"تم تدشين حملة حقوقية مناهضة لجرائم التعذيب بمناسبة اليوم العالمي، وسيكون
من بين مطالبها تشكيل هذه اللجنة الأممية"، ملمحا إلى أن الهدف "تشكيل
لجنة لزيارة السجون المصرية، ومقابلة المعتقلين السياسيين، والضغط على النظام
المصري لاحترام تعهداته الدولية".
وبشأن ما يمكن أن تقدمه المعارضة المصرية في
هذا الإطار، أوضح أن "هذه الدعوة ليست موجهة للمعارضة السياسية بل للمنظمات
الحقوقية المصرية والعالمية للتحرك لدى الأمم المتحدة وألياتها المعنية بمواجهة
التعذيب مثل: (مجلس حقوق الإنسان) و(اللجنة الدولية لمناهضة التعذيب)، و(المقرر
الخاص بمناهضة التعذيب)، و(المقررة الخاصة بمكافحة التعذيب ضد المرأة)".
وأكد أن "منظمات حقوقية مصرية طالما وثقت
جوانب كثيرة للتعذيب ووافت بها الأمم المتحدة في مواجهة الإنكار الرسمي المصري،
وعلى هذه المنظمات أن تتقدم خطوة للأمام بعد تلك التوثيقات لتطالب بلجنة دولية
لتفقد السجون وأوضاع المعتقلين وما يتعرضون له من تعذيب وانتهاكات".
وأشار إلى أنه منذ كانون الأول/ديسمبر 1997،
اعتمدت "الأمم المتحدة" يوم 26 حزيران/يونيو يوما دوليا لـ"مساندة
ضحايا التعذيب"، وذلك بهدف تنفيذ اتفاقية "مناهضة التعذيب"، لتعتمد
المنظمة الأممية عام 2002، "البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة
التعذيب"، والذي يتيح نظام تفتيش دولي لأماكن الاحتجاز.
وكان العربي، قد قال عبر صفحته
بـ"فيسبوك": "في هذا اليوم نتذكر آلاف السجناء السياسيين
المصريين"، مؤكدا أنهم دفعوا الثمن لأنهم "كانوا طليعة شعبهم بحثا عن
الحرية والكرامة"، مشددا على ضرورة اعتبار قضية المعتقلين "قضية وطنية
وأخلاقية لكل الشعب".
ولفت إلى قول الأمين العام للأمم المتحدة
أنطونيو غوتيرش، إنه "يجب ألا يُسمح لمرتكبي التعذيب أبدا بالإفلات من
جرائمهم، ويجب تفكيك الأنظمة التي تمكّن التعذيب أو تغييرها"، ملمحا إلى أن
مصر من الدول الموقعة على اتفاقية مناهضة التعذيب، وبالتالي هي ملزمة باحترام
نصوصها.
وذهب للقول: "حين نطالب الأمم المتحدة
وهيئاتها بالتحرك لمواجهة ظاهرة التعذيب في السجون وأقسام الشرطة المصري فإن هذا
ليس طلب لتدخل أجنبي، بل طلب لتفعيل التزامات قانونية مصرية بالأساس".
نداء الطهطاوي.. ولا استجابة
وفي 24 آب/ أغسطس الماضي، نشر مركز
"الشهاب لحقوق الإنسان"، مناشدة مسربة من رئيس ديوان رئيس الجمهورية
الأسبق المعتقل السفير رفاعة الطهطاوي بعد مرور عامين على انتهاء جميع الأحكام
الصادرة ضده، طالب فيها: "بتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية لزيارة قطاع (2) بسجن
بدر (3)، ترفع تقريرها إلى المفوضية السامية ومجلس حقوق الإنسان في جنيف".
وطالبت الرسالة السياسي المصري محمد البرادعي،
برئاسة اللجنة المقترحة، أو القاضي بمحكمة العدل الدولية بلاهاي رئيس وزراء الأردن
الأسبق عون الخصاونة، وعضوية السفير شكري فؤاد، والناشط جورج إسحق، الذين توفيا في
2022 و2023 على التوالي، دون أن يعلم الطهطاوي.
ولم تلتفت المنظمات الأممية إلى طلب الطهطاوي،
ولم تقرر السلطات المصرية إخلاء سبيله رغم مطالبات حقوقية أكدت في تشرين
الأول/أكتوبر الماضي، أنه ممنوع من الزيارات منذ 7 سنوات، ما دفعه إلى الإضراب عن
الطعام ضمن 58 معتقلا آخرين بسجن "بدر 3".
مصيرها كسابقاتها
وفي تعليقه، قال الحقوقي المصري محمد زارع:
"طالما كانت هناك مطالبات من حقوقيين والمنظمات موجهة للمقرري الخواص
والمؤسسات الدولية وحتى قبل أن يطالب بها أي سجين سياسي مثل السفير الطهطاوي، بأن
يتم السماح للمقررين الخواص بزيارة السجون، وبما يثبت أنه ليس لدى الحكومة ما
تخفيه؛ لكن قوبلت كل المطالبات برفض السلطات المصرية".
وفي رؤيته الحقوقية والقانونية، أكد مدير
المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، لـ"عربي21"، أن "الموضوع ربما
تطور أكثر بأن المجلس القومي لحقوق الإنسان (حكومي)، والذي كان يسمح قانونه بزيارة
السجون بأي وقت وفقا لرغبة المجلس؛ تم تعديل هذا النص لتصبح الزيارات وفق ترتيبات
مسبقة مع وزارة الداخلية ومصلحة السجون".
ولفت إلى أن "هذا معناه أن الدولة المصرية
ووزارة الداخلية ومصلحة السجون، بشكل عام ترفض جميعها زيارات السجون حتى من مؤسسات
شبه حكومية مثل المجلس القومي لحقوق الإنسان؛ فما بالك بمؤسسات دولية أو مقررين
خواص، لذلك فإن الاستجابة هنا صعبة الحدوث".
وأوضح أن "الجهة الداخلية الوحيدة التي
ربما من حقها التفتيش على السجون هي (النيابة العامة) والقضاء المحلي في دوائر
اختصاصه، وربما يكون هناك أيضا تفتيش ذاتي أو داخلي يقوم به تفتيش وزارة الداخلية
على السجون، لكنه رغم وجود نصوص تسمح بهذا التفتيش إلا أننا نشاهد طوال الوقت وقوع
تجاوزات ومن فترة إلى أخرى نلاحظ وجود بعض الشكاوى".
ودعا زارع، "الدولة المصرية للسماح
بالتفتيش على السجون، من قبل الجهات الرقابية المسموح لها قانونا بشكل دوري منتظم
وفعال، وفي الوقت نفسه تحسين وضع المسجونين"، معربا في المقابل عن أسفه من أن
"ما يطالب به الحقوقيون والصحفيون وقبلهم السفير رفاعة الطهطاوي، بالسماح
لمنظمات أممية ومقررين خواص بالتفتيش على السجون المصرية، صعب التحقيق".
وفي السياق، طالب الحقوقي المصري، بإنهاء
"معاناة كل الأشخاص الذين تم سجنهم بسبب آراء ولم يرتكبوا أية جرائم"،
ملمحا إلى العديد من الأسماء والشخصيات والمرضى وكبار السن، وبينهم صاحبة دعوة
تدشين لجنة التفتيش الدولية على السجون المصرية السفير رفاعة الطهطاوي.
وأكد أنه "لم يرتكب أية جريمة وأنه كان في
حكومة سابقة لنظام سابق وهذا لا يعد جريمة خاصة أنه تم عرض عليه بعد الاطاحة
بالرئيس الراحل محمد مرسي بأن يتولى منصبا داخل الحكومات الجديدة بعد انقلاب 3
تموز/يوليو 2013، لكنه رفض"، مطالبا "بعد مرور 13 عاما أن ينتهي الكابوس
ويخرج لحياته".
الآليات الأممية
منظومة الأمم المتحدة تضم آليات قانونية
وحقوقية لحماية حقوق الإنسان، ومناهضة التعذيب، ودعم المرأة، ومنها: "مجلس
حقوق الإنسان" الذي يتألف من 47 دولة، ومقره جنيف، ويتبعه "المقرر الخاص
المعني بالتعذيب"، و"المقرر الخاص المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان".
وإلى جانب "لجنة مناهضة التعذيب"،
التي ترصد تطبيق اتفاقية مناهضة التعذيب من قبل الدول، توجد "اللجنة المعنية
بحقوق الإنسان"، لمراقبة تنفيذ "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية
والسياسية"، و"هيئة الأمم المتحدة للمرأة"، و"المقررة الخاصة
المعنية بالعنف ضد المرأة".
وللوصول لتلك الآليات الأممية والهيئات واللجان
قنوات شرعية وقانونية منها تقديم المعتقلين وأسرهم وهيئات الدفاع عنهم شكاوى رسمية
بشرط أن تكون الدولة المشكو في حقها صادقت على الاتفاقية المعنية، مع إثبات أن
مقدم الشكوى لجأ إلى القضاء المحلي ولم يحصل على حقه.
كذلك يمكن تقديم بلاغات عاجلة عبر البريد
الإلكتروني التابع لـ"المفوضية السامية لحقوق الإنسان"، إلى المقررين
الخواص مثل: "المقرر الخاص بالتعذيب" أو "الفريق العامل المعني
بالاعتقال التعسفي"، حال تعرض محتجز لتعذيب مستمر، أو اختفاء قسري، أو تنفيذ
حكم إعدام غير قانوني.
ويأتي دور المنظمات الدولية مثل: "العفو
الدولية"، و"هيومن رايتس ووتش"، و"الفيدرالية الدولية لحقوق
الإنسان"، في صياغة التقارير وبناء الملفات القانونية للمتضررين وتقديمها
بجلسات الاستعراض الدوري الشامل (UPR) ورفعها للجان الأممية، فيما تتيح "المفوضية السامية لحقوق
الإنسان" عبر موقعها الإلكتروني (ohchr.org) تقديم شكاوى انتهاكات التعذيب، والاعتقال.
جرائم مستمرة.. وإفلات من العقاب
وخلال حكم رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، تواصل
السلطات الأمنية حملاتها بحق المعارضين مستخدمة كافة أشكال التعذيب وسوء المعاملة
الإنسانية بحق المتهمين والمحتجزين، مما أودى بحياة مئات الأشخاص، في ظل إفلات
واضح للجناة من العقاب، بحسب رصد حقوقي.
ويعاني أكثر من 60 ألف معتقل سياسي، مع جرائم
وانتهاكات ترقى جميعها للوصف بأنها جرائم "تعذيب ممنهج"، تجري بحق
الموقوفين منذ اللحظة الأولى للاعتقال بالضرب المبرح أمام أسرهم وتحطيم محتويات
منازلهم وسرقة متعلقاتهم والاعتداء على ذويهم، وفق مشاهدات سابقة من
"عربي21" لحملات اعتقال، جرت بحق بعض أنصار الرئيس الراحل محمد مرسي.
وهي الجرائم التي يتبعها تعرض الموقوفين
للإخفاء القسري بمراكز سرية تابعة للأمن الوطني، وانتزاع الاعترافات تحت التعذيب
بالضرب والصعق بالكهرباء والتعليق من الخلف ومن الأيدي والأرجل، والتهديد
بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي والبدني على ذويهم، وحتى خلال إجراءات المحاكمة،
والإيداع في مراكز العقاب دون أدنى حقوق السجناء في التشريعات المحلية والدولية،
بحسب شهادات معتقلين سابقين لـ"عربي21".
ورغم تدشين السلطات المصرية لجنة العفو الرئاسي
تعام 2016، وإعادة تفعيلها عام 2022، وتقديم عشرات قوائم العفو إلا أن السلطات
ترفض اعتمادها، وفي مقابل إطلاق سراح عشرات قامت باعتقال المئات مجددا، وتواصل في
الوقت ذاته إعادة تدوير آلاف المعتقلين في قضايا جديدة رغم انتهاء فترات حبسهم، ما
فاقم أعداد المحبوسين احتياطيا لتصل بين 25 و30 ألف معتقل، وفق بعض التقديرات.
وتواصل سلطات رئيس النظام عبدالفتاح السيسي،
رفض جميع النداءات السياسية والحقوقية التي تطالب بتبييض السجون من المعتقلين
وإطلاق سراح النساء والمرضى وكبار السن، وعمل مصالحة وطنية، وتجاوز أزمة امتدت
لـ13 عاما.
ويلفت حقوقيون دوليون إلى تجاهل أمريكا
والاتحاد الأوروبي ل جرائم رئيس النظام المصري والانتهاكات بحق المعتقلين، وبينهم
اتهام البروفيسور ستيفن زونز، للدور "الأمريكي في تمكين استمرار القمع
بمصر"، وقوله في ندوة حقوقية بلندن أيار/مايو الماضي، إن "الإدارات
الأمريكية وفرت مظلة حماية سياسية حالت دون ممارسة ضغوط حقيقية على القاهرة".
ولا تتوقف نداءات أسر المعتقلين بإنهاء الأزمة
وإخلاء سبيلهم، والتي كان آخرها نداء السيدة وفاء جابر، زوجة المحامي المعتقل الشهر
الماضي محمد أبوالديار على خلفية تدشين "لجنة الدفاع عن سجناء الرأي"،
حيث خاطبت زوجته رئيس النظام، لإطلاق سراح زوجها والعودة لأبنائه ووالديه وعمله،
وفق بيانها.
وفي حين تتواصل الاعتقالات الأمنية في الشارع
المصري بحق المعارضين، تتابع شكاوى المعتقلين من الانتهاكات والمعاملة غير
الإنسانية بالمخالفة لكل القوانين والأعراف المحلية والدولية، ما اعتبره الحقوقي
هيثم أبوخليل، "مسيء لسمعة مصر"، ووصفه الأكاديمي الدكتور محمد زويل،
بأنه "تحويل للخصومة السياسية إلى عقوبة مفتوحة".