انتقادات لتصريحات عضو بنقابة الأطباء في مصر بخصوص تسعيرات العيادات الخاصة

(الصفحة الرسمية لنقابة الأطباء بمصر)
أثارت تصريحات للأمين العام المساعد لنقابة الأطباء المصرية، خالد أمين، موجة استياء وجدل بعد اقتراحه تسعيرة للعيادات الخاصة 1000 جنيه للاستشاري و500 جنيه للأخصائي، مع إضافات من 300 إلى 500 جنيه لاستخدام الأجهزة، مبرراً ذلك بـ"الحق في تحديد الأتعاب وارتفاع تكاليف التشغيل والتجهيزات".

تصريح أمين، "مقرر لجنة الإغاثة الإنسانية" بالنقابة، أكد أن بديل القطاع الطبي الخاص موجود في المستشفيات الحكومية ذات الأسعار الرمزية التي تبدأ من 10 جنيهات، في مفارقة وتناقض يكشفان عن محاولة عضو النقابة لتشريع هذه الزيادات بدعوى وجود البديل الحكومي، وفق منتقدي حديثه.

فبين الحق في تحديد الأتعاب، ومزاعم وجود البديل الحكومي، يثار السؤال حول مدى معقولية تلك المطالبة، وكيف غاب عنها مراعاة الواقع الصحي والمالي والاقتصادي للمصريين والأعباء المالية لقاء الدواء والأشعة والتحاليل؟.

من جانبه، أكد أمين أن "العيادات الخاصة تمثل أقل من 1 بالمئة من حجم الخدمات الصحية، ولا تدعمها الدولة بل تُحاسب كأي منشأة إدارية وبالتالي المواطن يدفع (فيزيتا) تكلفة الخدمة لا كشف الطبيب"، مؤكدا أن تكلفة الخدمة تتمثل في "قيمة إيجار العيادة، والرسوم والدمغة الطبية، والتجهيزات الطبية، والمرافق من كهرباء ومياه وغاز، وأجور العاملين إداريين وخدمات معاونة".



وفي شباط/فبراير 2024، رفعت وزارة الصحة أسعار تذاكر العيادات الخارجية بالمستشفيات الحكومية والوحدات الصحية، فئة جنيه إلى 5 جنيهات وفئة 3 و5 جنيهات إلى 10 جنيهات بحد أدنى، ورفع تذكرة زيارة المريض إلى 5 جنيهات، وهي الأرقام التي ترتفع من مستشفى إلى آخر، وحتى 50 جنيها للتذكرة.




والأسبوع الماضي، كشفت تذكرة يتداولها مواطنون عن رفع مستشفى "الهرم" بالجيزة قيمة التذكرة من 20 إلى 50 جنيهًا، بقرار من "المراكز الطبية المتخصصة"، وفق موقع "القاهرة 24".

وبينما تسيطر الإمارات على جزء كبير من قطاع الصحة في مصر، تتجه الدولة نحو منح القطاع الخاص المحلي والعربي والأجنبي إدارة وتشغيل المستشفيات العامة والحكومية، وفق قانون أقره مجلس النواب أيار/مايو 2024، برغم ما لاقته بنود القانون من اعتراضات، ووصف عضو مجلس النواب مها عبدالناصر له بأنه "يوم أسود"، محذرة من تبعاته على صحة ملايين الفقراء.

وفي حين نفى وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب الدكتور مجدي مرشد، وجود قرار حكومي برفع "الفيزيتا" بنسبة 25 بالمئة، إلا أنه أكد أن "الأطباء أحرار في التسعير داخل عياداتهم".

ولكنه، وفي محاولة لتدارك حالة الغضب الشعبي، قالت نقابة الأطباء الثلاثاء، إن "الحق في العلاج مسؤولية الدولة، ولا يجوز تحويل الصحة لسلعة"، موضحة أن "لجوء المرضى للقطاع الخاص نتيجة قصور الخدمات العامة، وأن الطبيب يعمل لتعويض ضعف الدخل الحكومي"، داعية لـ"تطوير المستشفيات الحكومية ورفع كفاءتها"، موضحة أن "أسعار كشوفات العيادات الخاصة تخضع لاعتبارات درجة التخصص والخبرة والإمكانيات".



تصريح يتجاهل الواقع


وتأتي تلك تصريحات في وقت تشهد الخدمة الصحية الحكومية تراجعا كبيرا بحسب شكاوى مصريين لـ"عربي21"، وفي ظل انتقادات اقتصاديين انخفاض مخصصات قطاع الصحة بالموازنة العامة، ووقوع نحو ثلثي المصريين تحت خط الفقر والفقر المدقع، ووضع صحي مذري لملايين المرضى، وزيادات مستمرة بأسعار الدواء وعجز ملايين المرضى عن توفيرها.

وأظهرت تقديرات الموازنة المصرية للعام المالي المقبل (2026/2027) تخصيص للصحة ما يعادل 1.72 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بالنسبة الدستورية البالغة 3 بالمئة، فيما بلغت مخصصات الصحة نحو (617.962 مليار جنيه) عن موازنة (2025/2026)، وهي النسب التي تشمل الأجور، والرواتب وبنود أخرى غير الصرف على المستشفيات والعلاج.

نقابة فقدت أدوارها


وفي رده على تصريح أمين، يؤكد الطبيب حمدي مطر، أن "هذا العجز والخلل في بنود الموازنة أدى إلى تدهور الخدمات الطبية وتراجع جودتها بالمستشفيات الحكومية والجامعية، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، مما يجعل البديل الذي تحدث عنه عضو النقابة غير منطقي".




ويضيف: "نقابة الأطباء الرائدة في العمل الإنساني والإغاثي لأكثر من 30 عاما، في مصر ومناطق المجاعات والحروب، فقدت أدوارها في دعم المجتمع المصري الفقير"، ملمحا إلى أن "تلك التصريحات والإصرار عليها كفيل باتخاذ أغلب الأطباء قرارهم برفع سعر (الفيزيتا) ما يزيد من الضغوط المالية على المصريين الذين تتحمل موازناتهم الضعيفة أكثر من 60 بالمئة من الإنفاق على العلاج".

ولـ3 عقود قاد أطباء مقربون من "الإخوان" النقابة العامة لأطباء مصر "دار الحكمة"، بداية من عام 1984، وحتى العام 2013، ليحل "تيار الاستقلال" المنتمي للتيار المدني محلها في كانون الأول/ديسمبر 2013، ليجري تدشين "قائمة المستقبل"، التي ينتمي لها أمين، والمدعومة من الحكومة المصرية، والتي أزاحت "تيار الاستقلال" المعارض من أهم النقابات المهنية في البلاد، تشرين الأول/أكتوبر 2023.

كشف بلا علاج


وفي حديثها لـ"عربي21"، سخرت طبيبة النساء شيماء علي، من حديث عضو النقابة عن إمكانيات المستشفيات الحكومية، قائلة: "المريض لا يحصل منها إلا على الكشف المجاني الذي ينتظره نصف يوم كامل، ولا يحصل على علاج حقيقي، فالموجود مجرد أدوية مسكنة لا تكفي لعلاج مريض".

مضيفة: "كأطباء نجلب كل متعلقاتنا من رواتبنا سواء قفازات أو كمامات أو حتى أدوات عندما تتلف الأدوات الموجودة، فلا يوجد بنود للصرف ومهما نطلب لا استجابة"، موضحة أن "عيادات النساء مثلا على أهميتها تعاني من عدم توريد أية أدوات، وكل طبيب يوفر أدواته"، مؤكدة أن "رفع الفيزيتا قرار يتخذه كل طبيب وفق حالة المنطقة وبما يناسب أوضاع مرضاه".

مشاهد مؤلمة


واقتحمت "عربي21"، عالم إحدى المستشفيات الحكومية، أكثر من مرة، وكان التكدس حول شباك التذاكر أولى المشاهدات المؤلمة لدفع من 10 جنيهات إلى 30 جنيها -كانت فقط جنيه واحد ثم 5 جنيهات- هي قيمة الكشف بالعيادات الخارجية الملحقة بالمستشفى المركزي القريب من الطريق الدائري الإقليمي وجرى تجهيزها بشكل خاص لتقديم خدمة الإسعاف حال وجود حوادث على الطريق.

المشهد الثاني، كان تكدس عشرات المرضى وقوفا وأغلبهم من النساء والأطفال حيث لا توجد إلا بعض مقاعد خشبية متهالكة وغير كافية للتجمعات أمام العيادات الطبية بين أمراض الأطفال، والنساء، والباطنة، والصدر، والعظام،  والأنف والأذن، ومعامل الأشعة والتحاليل، القابعة في مباني قديمة متهالكة جرى دهانها مع بعض التجديدات التي لم تطال الأجهزة الطبية ولا حجرات الكشف، وفق رصد "عربي21".

المشهد الثالث، هو البحث عن الصيدلية والوقوف في صف ثالث دون وجود أي تندات واقية من الشمس أو المطر لصرف الدواء، وذلك بعد معاناة انتظار الطبيب الذي يخرج المريض من حجرته حاملا ورقتين إحداهما تتبع المستشفى ومدون بها فقط صنفين من الدواء حيث لا يُسمح للطبيب بكتابة أكثر من ذلك ولا يمكن للصيدلي صرف 3 أصناف وفق تأكيد الأطباء والمرضى لـ"عربي21"، لكن الورقة الأخرى بيضاء ومقتطعة من ورقة أكبر دون بها الطبيب عدة أصناف أخرى ليشتريها المريض من الصيدليات الخاصة.

إهانة بلا علاج


وتؤكد أم عمر، أن "الكشف في المستشفى الحكومي يمثل إهانة كبيرة، فالمعاملة من بداية شباك التذاكر الذي يغالط موظفه في الحساب ولا يعيد الباقي، وتعنيف الأمن للمرضى، وسوء معاملة الممرضات إلا من له واسطة، وتأخر الأطباء وتعامل بعضهم مع الحالات دون اهتمام".

وإلى جانب "المكوث لساعات في الشمس"، تضيف لـ"عربي21": "وعدم وجود أي مستلزمات طبية حتى السرنجات والبلاستر والحقن أبسط الأشياء وطلب شرائها من الصيدليات الخاصة المواجهة للمستشفى والتي يتسابق ممرضين على جلبها لمرضى العمليات الجراحية وفي الرعاية الخاصة للحصول على عمولة من الصيدلي وابتزاز المرضى".

وتوضح أن الكشف المهين، لا ينتج عنه الحصول على علاج شافي، فنضطر لشراء الدواء من الخارج، أو الكشف عند طبيب خاص".

وعلى الجانب الآخر، تحدث مصريون راصدين إنسانية قدامى الأطباء، بتقديم خدمات مجانية للفقراء واعتماد تذكرة كشف رمزية لا تتعدى 50 جنيها و100 جنيه، عاقدين مقارنة بين خبرتهم الطويلة وبين فيزيتا أطباء حديثي التخرج تصل 200 و250 جنيه.




وتشير أم أحمد، إلى "فوضى أسعار التذاكر، في العيادات والمستشفيات الخاصة"، موضحة أن المستشفيات الحكومية بها قوائم انتظار لا تنتهي، ما يضطر المرضى اللجوء إلى القطاع الخاص"، مبينة أن "الأسعار متضاربة عن نفس الجراحة، فالولادة القيصرية بمستشفى تبلغ 10 آلاف جنيه وفي آخر قريب منه بـ20 ألف جنيه، وعمليات الحقن المجهري في مراكز من 20 إلى 60 ألف جنيه وتختلف عند نفس الطبيب من عيادة القاهرة إلى عيادة المدن بالمحافظات".

سخرية وانتقادات


وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، انتقد أمين حزب "التجمع" ببنى سويف، مطالبات أمين برفع تذكرة العيادات الخاصة، وسخر مدير مركز "الحق في الدواء" الدكتور محمود فؤاد، بقوله: "السلخ قبل أم بعد الذبح".

وأشار متابعون إلى أن "ملايين المصريين أجورهم لا تصل 7 آلاف جنيه شهريا وأن الملايين من أصحاب المعاشات لا يتعدى دخلهم 3 آلاف جنيه"، متسائلين: "كيف يدفعون تذكرة طبيب 1000 جنيه دون أشعة أو علاج ونفقات إيجار وطعام وشراب"، مؤكدين أنها "دعوة لأن يكون العلاج فقط للأثرياء".



وخاطبه الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني، موضحا أن "هناك 4.5 مليون صاحب معاش تكافل وكرامة و600 ألف من أصحاب المعاشات الحكومية وأكثر من مليون في القطاع الخاص يحصلون على أقل من هذا المبلغ في الشهر، إلى جانب عمال النظافة والتشجير أجورهم أقل من 1000 جنيه، ولا يمكنهم الكشف بمستوصف بـ100 جنيه ولا تحمل تذكرة مستشفى عام بـ40 جنيه، موضحا أن  65 بالمئة من الإنفاق الصحي يتم بشراء أدوية من الصيدليات بدون كشف أو روشتة.