نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" مقالاً
ليوناتان توفال، المحلل في الشؤون الخارجية بتل أبيب، قال فيه إن دعم الولايات المتحدة لدولة الاحتلال هو نقطة ضعفها وجعلها ترفض الحلول الدبلوماسية.
وقال إن هناك حالة قد تصيب الدول الصغيرة التي تحظى بحماية طويلة من دولة عظمى. فعندما تكون الحماية سخية جداً، تصبح هذه الدول قوية عسكرياً وتفتقر إلى الانضباط الاستراتيجي وتصبح بارعة في استخدام القوة وبدون حكمة سياسية.
وأضاف "تكتسب الدولة المحمية مظاهر السيادة دون قيودها، لأن تكاليف هذه السيادة تُدفع في أماكن أخرى، في شحنات الأسلحة والضمانات وحق النقض في مجلس الأمن الدولي ودبلوماسية الدولة الراعية. ومع مرور الوقت، تضعف الاستراتيجية، ويحل محلها الاعتقاد بأن القوة يمكن أن تحل محل الحكمة السياسية".
ويقول توفال إن دولة الاحتلال تعاني من هذه الحالة، فقد كان هجومها على إيران، الذي نُفِّذ بالتعاون مع الولايات المتحدة، يهدف إلى استعادة سيطرة "تل أبيب" على المنطقة. وبدلاً من ذلك، بات هذا الهجوم يُذكر لأنه كشف عن حدود قوتها.
فقد تعرضت إيران للضرب، لكنها لم تتغير. وتضرر برنامجها النووي، لكنه لم يُفكَّك. ولا يزال نظامها قائماً. وبدلاً من إيران جديدة، قد تواجه "تل أبيب" الآن ما هو أسوأ: إيران القديمة، الملطخة بالدماء التي صقلتها تجارب البقاء.
وتسعى مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي إلى وقف الأعمال العدائية بشروط تحددها الدولتان، مما يكشف عن حدود ما يمكن لدولة الاحتلال تحقيقه. فبإمكان "تل أبيب" خوض حرب إلى جانب الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع فرض نهايتها.
ويضيف توفال قائلاً إن هذه هي الكارثة الكامنة وراء نجاحات الاحتلال العملياتية. لقد أثبتت "تل أبيب" قدرتها على الوصول إلى إيران ومعاقبتها، لكن الوصول لا يعني الحل. وما تبقى هو انحراف استراتيجي وتهميش دبلوماسي واعتماد على الولايات المتحدة أعمق مما يستطيع قادة الاحتلال الاعتراف به، وربما حتى لأنفسهم.
وأردف: "على مدى عقود، تحدثت
إسرائيل بلغة الاعتماد على الذات بينما ظلت تعيش في كنف الحماية الأمريكية. وكرر قادتها وعدهم بأن إسرائيل ستكون قادرة دائماً على الدفاع عن نفسها بنفسها".
ووراء هذا المبدأ، تقف الأسلحة الأمريكية والتعاون الاستخباراتي والإمدادات العسكرية في زمن الحرب و3.8 مليار دولار سنوياً من المساعدات العسكرية الأمريكية، وكلما ازداد هذا الاعتماد، ازداد إصرار دولة الاحتلال على وقوفها وحيدة.
ويقول توفال إن المشكلة لم تكن في "العلاقة الخاصة" بحد ذاتها، بل في مدى تحولها إلى علاقة غير مشروطة. وهكذا، أصبح بالإمكان إدارة الاحتلال بدلاً من إنهائه، وأصبح بالإمكان تأجيل المطالب الوطنية الفلسطينية وتخفيف حدتها وإعادة صياغتها في النهاية كتهديد وجودي يجب دحره بدلاً من كونها مطلباً سياسياً يجب تلبيته.
وفي الضفة الغربية، قد تتوسع المستوطنات وتُشن المذابح على سكان القرى الفلسطينية، ليس فقط خارج نطاق سيطرة الدولة بل وبدعم متزايد منها. وقد تُحاصر غزة وتُترك في فقر مدقع دون أي أفق سياسي، لأن واشنطن قد تساعد في تحمل التكاليف الدبلوماسية، حتى مع ارتفاع هذه التكاليف. وقد يُنظر إلى هذا النظام بأنه استقرار وسيظل قائماً حتى ينهار.
وقال: "صحيح أن إسرائيل ردت في 7 تشرين الأول/أكتوبر على الهجمات بالحرب. وحجم الدمار الذي أعقب ذلك وطبيعته جعلا تهمة الإبادة الجماعية جزءاً من لائحة الاتهام العالمية ضدها. ومهما كان الحكم القانوني النهائي، لم يعد بإمكان تل أبيب تجاهل هذه التهمة بزعم أنه مجرد افتراء".
ويضيف: "إن هذه الكارثة أدت لإحداث شرخٍ كان قد بدأ بالفعل في الولايات المتحدة. وبدأ الإجماع حول الدعم غير المشروط لدولة الاحتلال يضعف قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، تحت ضغط التغيرات الجيلية واليسار المتشكك واليمين الانعزالي".
وقد جعل عدوان الاحتلال على غزة من الصعب احتواء هذا الانفصال عن الدعم غير المشروط. وعندما يشير نائب الرئيس الأمريكي إلى حسابات الدعم، مذكراً تل أبيب بمن يدفع جزءاً كبيراً من تكاليف دفاعها ومحذراً إياها من عزل حليفها القوي الوحيد، فإنه لم يكن يفتعل شرخاً. بل كان يعلن، على الأرجح، ما كانت واشنطن تخفيه طويلاً في غرفها المغلقة.
وحتى الآن، بدا أن الخطر في هذه العلاقة يقع في معظمه على عاتق أمريكا: الانجرار إلى حروب بدأها حليفها أو صعدها، أو التورط في أعمال نُفِّذت تحت غطاء الأسلحة والأموال والدبلوماسية الأمريكية. لكن المسؤولية تقع على عاتق الطرفين. فبالنسبة لتل أبيب، لا يكمن الخطر فقط في احتمال تراجع حليفها، بل في أن الحماية قد أعفتها طويلاً من الانضباط الذي ينبغي أن يصاحب القوة.
ويقول توفال إنه يحق (للإسرائيليين) أن يشعروا بالخوف من احتمال التخلي عنهم. فأعداؤهم حقيقيون، والوحدة ليست دليلاً على النضج. ولن يجعل البعد الأمريكي دولة الاحتلال أكثر حكمة أو أماناً في حد ذاته، بل قد يزيد من حدة شعور الحصار الذي يسعى لتخفيفه.
ويرى أن نتيجة الاستمرار في هذا النهج باتت واضحة للعيان: دولة حصينة مسلحة تسليحاً لا حدود له، تشن هجمات واسعة النطاق وتعتمد على حلفائها بشكل غير محدود وتستند إلى جهة يشكك شعبها في العلاقة التي تعتبرها إسرائيل مضمونة، وهذه ليست سيادة، بل تبعية معلنة.
وأشار توفال إلى أن الصهيونية بدأت برغبة إعادة اليهود إلى التاريخ، وجعلهم فاعلين لا متلقين، ومسؤولين عن السلطة لأنهم نالوها أخيراً.
ومنذ البداية، أثار بعض النقاد اليهود للصهيونية احتمال أن الدولة، التي تهدف إلى إلغاء الغيتو، قد تعيد إنتاجه في صورة دولة. وقد أعطت تل أبيب المعاصرة هذا التحذير شكلاً مأساوياً: دولة مسلحة كقوة إقليمية، لكنها عاجزة بشكل متزايد عن تصور مستقبل سياسي يتجاوز القوة، وحصرت الوعد الصهيوني في حامية عسكرية، وظنت خطأً أن هذا الفهم الضيق هو الأمن.
ويقول إنه لو حدث الابتعاد عن أمريكا، فلن يكون بالضرورة مجرد تخلي، بل قد يكون أيضاً اللحظة التي يجب على دولة الاحتلال فيها أن تتحمل مسؤولية ما تفعله وبالكامل.
وبالنسبة (للإسرائيليين) الذين لا يرون الدعم الأمريكي مجرد معاملة خاصة، بل ضماناً ضد أعداء حقيقيين، سيبدو هذا الكلام ساذجاً بشكل خطير. لكن السذاجة الأعمق تكمن في الاعتقاد بأن الوضع الراهن يمكن أن يستمر إلى الأبد، وأنها قادرة على حكم ملايين الفلسطينيين بلا هوادة، وشن غارات في المنطقة متى شاءت، وتفتيت السياسة في الدولة الراعية لها، مع استمرارها في الاعتماد على واشنطن لتحويل القوة الغاشمة إلى شرعية، وهذا غير ممكن.
ويختم بالقول إن إنهاء تبعية دولة الاحتلال لأمريكا سيكون مؤلماً، فالتبعيات غالباً ما تنتهي بهذه الطريقة. لكن المأساة لا تكمن في فقدان التسامح، بل في فقدانه دون استخلاص أي دروس من هذه الخسارة.
وإذا كانت أمريكا تسحب الآن ضمان الإنقاذ غير المشروط، فقد تكون هذه آخر هدية تقدمها. وما سيأتي لاحقاً لن يختبر قوة إسرائيل، التي لا شك فيها، بل سيختبر قدرتها على تعلم الانضباط الذي تتطلبه السيادة.