كشفت صحيفة "نيويورك
تايمز" تفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت الإعلان عن الاتفاق الأمريكي
الإيراني،
مشيرة إلى أن أربعة أشهر من الحرب وعقوداً من العداء بين البلدين انتهت بمفاوضات شاقة
شهدت أزمات متلاحقة وتهديدات بانهيار التفاهمات في أكثر من محطة قبل الوصول إلى الصيغة
النهائية.
وبحسب الصحيفة، بدأت
إحدى أكثر اللحظات حساسية في وقت متأخر من الليل بطهران، عندما توقف موكب يقل مسؤولين
قطريين كانوا في طريقهم إلى المطار بصورة مفاجئة بسبب خلاف جديد ظهر في اللحظات الأخيرة
بشأن صياغة البيان النهائي للاتفاق.
وأوضحت أن الوسطاء
القطريين تلقوا تعليمات واضحة من قيادتهم بعدم مغادرة إيران قبل التوصل إلى اتفاق معلن،
ما دفعهم إلى إجراء اتصالات عاجلة استمرت لبعض الوقت قبل استئناف طريقهم نحو المطار.
وفي نهاية المطاف،
أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف التوصل إلى الاتفاق عند الساعة 12:45 بعد
منتصف ليل الاثنين بتوقيت طهران، قبل أن يؤكد الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب الأمر بعد
دقائق، معلناً خطوة وصفها بأنها بادرة حسن نية تتمثل في رفع الحصار البحري الأمريكي
المفروض على الموانئ الإيرانية بشكل فوري.
وقالت الصحيفة إن عطلة
نهاية الأسبوع الماضية مثلت ذروة أربعة أشهر من الحرب و47 عاماً من الصراع بين واشنطن
وطهران، حيث تداخلت الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية مع الحسابات السياسية الداخلية
في
الولايات المتحدة.
وأضافت أن ترامب كان
يسعى إلى إبرام اتفاق يمكن تقديمه داخلياً باعتباره وفاءً بوعده بمنع إيران من امتلاك
سلاح نووي، رغم تأجيل وضع الضمانات النووية التفصيلية إلى جولات تفاوضية لاحقة.
في المقابل، كانت إيران
تتمسك بما تصفه بحقها في تخصيب اليورانيوم، وتسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب
مقابل إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
وأشارت "نيويورك
تايمز" إلى أن تقريرها استند إلى مقابلات مع مسؤولين في الولايات المتحدة وأوروبا
وعدد من دول الشرق الأوسط، تحدث معظمهم بشرط عدم الكشف عن هوياتهم بسبب حساسية المفاوضات.
وذكرت الصحيفة أن الاتفاق
يواجه بالفعل انتقادات داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك من بعض حلفاء ترامب، بسبب
ما اعتبروه تنازلات كبيرة لصالح إيران.
ويتضمن الاتفاق إعادة
فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية، إلى جانب إطلاق خطة بقيمة 300 مليار دولار
لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني، فيما جرى ترحيل الملف النووي إلى مفاوضات مستقبلية،
الأمر الذي أبقى القضية الأكثر تعقيداً دون حسم.
وأضافت أن إيران أظهرت
خلال الأيام الأخيرة استعداداً لمواصلة الضغط من أجل انتزاع مزيد من التنازلات الأمريكية،
رغم استمرار تهديدات ترامب بشن غارات جديدة إذا اقتضى الأمر.
وفي الوقت ذاته، أبدى
مسؤولون إسرائيليون قلقاً متزايداً من فشل جهودهم في إقناع واشنطن بأن الاتفاق يحمل
مخاطر كبيرة على أمن إسرائيل ويترك الملف النووي الإيراني مفتوحاً.
ولعبت قطر دوراً محورياً
في المراحل الأخيرة من المفاوضات، حيث كثفت اتصالاتها مع طهران من أجل دفعها إلى منح
موافقتها النهائية قبل موعد إقامة نزال بطولة الفنون القتالية المختلطة "يو إف
سي" المقرر في حديقة البيت الأبيض.
وبحسب الصحيفة، كان
ترامب متحمساً لإنجاز الاتفاق، وهو ما لم يغب عن الوسيط الباكستاني أيضاً، إذ قال خبراء
مطلعون على جهود إسلام آباد إن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير كان يفضل توقيع الاتفاق
بالتزامن مع عيد ميلاد الرئيس الأمريكي.
وقال رئيس معهد أبحاث
مقره إسلام آباد، قمر شيما، إن اختيار هذا التوقيت كان محاولة لكسب رضا ترامب.
في المقابل، نفى مصدر
مطلع وجود علاقة بين عيد ميلاد ترامب وتوقيت التوقيع، فيما قال مسؤولان إيرانيان إن
طهران تعمدت الانتظار إلى ما بعد منتصف الليل حتى لا يتزامن الإعلان مع عيد ميلاد الرئيس
الأمريكي.
وأشارت الصحيفة إلى
أن فارق التوقيت بين واشنطن وطهران، والبالغ سبع ساعات ونصف، سمح لكل طرف بتقديم روايته
الخاصة حول توقيت إتمام الاتفاق.
وفي سياق آخر، كشفت
"نيويورك تايمز" أن ترامب ظل منذ إعلان وقف إطلاق النار في نيسان / أبريل
الماضي يتأرجح بين التلويح بقرب اتفاق السلام وبين التهديد بشن ضربات عسكرية جديدة.
وشهد الأسبوع الماضي
جولة جديدة من التصعيد بدأت بإسقاط مروحية أمريكية وانتهت بإلغاء ترامب هجوماً كان
مخططاً له ضد إيران.
وقالت الصحيفة إن أجهزة
الاستخبارات الأمريكية كانت تشكك في استعداد إيران لتقديم تنازلات حقيقية، بعدما أظهرت
المعلومات الاستخباراتية وجود اختلاف بين الخطاب الإيراني العلني وما كان يُناقش داخل
دوائر صنع القرار في طهران.
بل إن وكالة الاستخبارات
المركزية الأمريكية قدرت الأسبوع الماضي أن المرشد الإيراني آية الله مجتبى خامنئي
لن يوافق على الاتفاق، وهو تقدير ثبت لاحقاً عدم صحته.
ورغم ذلك، ظل ترامب
متفائلاً بإمكانية التوصل إلى اتفاق، وقال للصحيفة إن الضربات الأمريكية الأخيرة كانت
عنيفة للغاية، وإن الهجوم الذي تم إلغاؤه كان سيحمل آثاراً أشد.
وأضاف ترامب:
"لقد أوضحنا لهم أنهم لا يملكون أي وسيلة لمواجهتنا، فقالوا: رجاءً لا تفعلوا
ذلك، وسنبرم اتفاقاً، وبالفعل أبرمنا الاتفاق بعد ذلك مباشرة".
وفي طهران، وافق خامنئي
يوم السبت على النص النهائي للاتفاق، وكلف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بعرضه على
المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
واجتمع المجلس في موقع
سري وصادق على الاتفاق، رغم اعتراض عضوين متشددين على الأقل.
وقال الرئيس الإيراني
مسعود بزشكيان إن بعض الخلافات البسيطة كانت لا تزال قائمة بشأن عدد محدود من القضايا.
وفي صباح الأحد، وصل
كبيرا المفاوضين القطريين علي الذوادي وحمد الكبيسي إلى طهران لوضع اللمسات الأخيرة
على الاتفاق، بعدما أمضت الدوحة أسابيع طويلة في التنقل بين واشنطن وطهران.
وأشارت الصحيفة إلى
أن رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني كان قد استضاف مسؤولين إيرانيين
في جلسة استمرت 12 ساعة بالدوحة في 25 أيار / مايو الماضي.
ورغم طلب واشنطن وطهران
من قطر لعب دور الوسيط منذ بداية الحرب، فإن الدوحة رفضت القيام بهذا الدور طالما كانت
أراضيها عرضة لهجمات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، قبل أن تنخرط بقوة في الوساطة
منتصف مايو الماضي.
لكن الأزمة الأخطر
وقعت يوم الأحد عندما شنت إسرائيل غارة على إحدى ضواحي بيروت أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص
من دون تنسيق مسبق مع واشنطن.
وأوضحت الصحيفة أن
إيران كانت تعتبر استهداف ضاحية بيروت خطاً أحمر، كما كانت تطالب بأن يتضمن الاتفاق
إنهاء الصراع في لبنان.
في المقابل، لم تعتبر
إسرائيل نفسها ملزمة بأي تفاهمات أمريكية إيرانية، رغم استبعادها من المفاوضات.
وأبلغ مستشارون عسكريون
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الضربة قد تدفع إيران إلى إطلاق صواريخ
باليستية نحو إسرائيل، كما حذروا من أن العالم قد يفسر العملية باعتبارها محاولة لإفشال
الاتفاق.
وسرعان ما تأكدت هذه
المخاوف، إذ وضعت إيران صواريخ باليستية على منصات إطلاق قرب حدودها الغربية، وصدرت
أوامر بإطلاقها نحو إسرائيل قرابة الساعة الواحدة صباحاً، بحسب مسؤولين إيرانيين.
كما أبلغ مسؤولون إيرانيون
الجانب القطري بنيتهم تعليق توقيع الاتفاق والرد على إسرائيل.
لكن قطر كثفت ضغوطها
على طهران، وأجرت اتصالات متواصلة مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير
الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب مسؤولين أمريكيين بينهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ونائب
الرئيس جي دي فانس.
وأوضحت الصحيفة أن
انقسامات برزت داخل القيادة الإيرانية، حيث اعتبر كل من بزشكيان وعراقجي وقاليباف أن
نتنياهو يحاول استدراج إيران إلى مواجهة تؤدي إلى انهيار الاتفاق.
ومع اقتراب موعد نزال
"يو إف سي" في حديقة البيت الأبيض، حذر القطريون الإيرانيين من استنفاد صبر
ترامب، بينما أبدى الرئيس الأمريكي حرصاً كبيراً على إنجاز الصفقة.
وكتب ترامب على منصة
"تروث سوشيال" أن الضربة الإسرائيلية على بيروت "ما كان ينبغي أن تحدث"،
قبل أن يعلن لاحقاً موافقته على الرفع الفوري للحصار الأمريكي عن إيران.
ورغم أن نص الاتفاق
ينص على إنهاء الحصار خلال 30 يوماً، قال مسؤولون في الإدارة الأمريكية إن قرار التنفيذ
الفوري جاء في إطار ما وصفوه بـ"بادرة حسن نية".
وختمت الصحيفة بالإشارة
إلى أن ترامب أجرى لاحقاً اتصالاً هاتفياً مع أحد مراسلي "نيويورك تايمز"
لشرح تفاصيل الاتفاق، بينما كانت أسرته تنتظره لبدء حفل عشاء عيد ميلاده.