تخارج حقيقي أم صوري؟.. تفاصيل مثيرة بصفقة بيع شركة مملوكة للجيش المصري

وطنية بيعت لشركة طاقة عربية- جهاز المشروع القومي بمصر
وطنية بيعت لشركة طاقة عربية- جهاز المشروع القومي بمصر
شارك الخبر
مثَّل توقيع "جهاز مشروعات الخدمة الوطنية" الذراع الاقتصادية للجيش المصري، اتفاقا مع شركة "طاقة عربية" المدرجة بالبورصة المصرية، يتم بموجبه نقل ملكية 10 بالمئة من حصصه بمحطات وقود "وطنية" التي تحتل 172 موقعا مميزا بجميع أنحاء البلاد، مفاجأة للسوق المحلي خاصة وأن الصفقة تعثرت لنحو 6 سنوات.

وبحسب موقع "وطنية" عبر الإنترنت، فإن الشركة تعمل منذ 33 عاما بسوق الوقود المحلي، وأسسها الجيش عام 1993م بهدف إنشاء وإدارة محطات خدمة وتموين السيارات وتسويق المنتجات البترولية والزيوت والشحومات.

الاتفاق الذي حضره رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ولم يُعلن عن قيمته المالية، ويمثل وفق محللين، خطوة لها دلالاتها وتبعاتها وتأثيراتها المستقبلية على إمبراطورية الجيش الاقتصادية، الذي يقوم على تأسيس شركة جديدة تحمل اسم "كويك فيول" لتجارة وتوزيع المنتجات البترولية.

اظهار أخبار متعلقة



الكيان الجديد، يكون محل شراكة بين "جهاز الخدمة الوطنية" و"طاقة عربية" التابعة لمجموعة "القلعة" التي يرأس مجلس إدارتها رجل الأعمال أحمد هيكل، والتي تحصل على 10 من أسهم "كويك فيول"، مع منحها حق شراء نسبة 15 بالمئة أخرى عند طرح الشركة بالبورصة.

من هو شريك الجيش؟


وبتلك الصفقة تكون "طاقة عربية" التي تأسست عام 2006، وتعمل بالسوق المحلي منذ عقدين وتشترك مالكتها المجموعة الأم "القلعة" في ملكية مصفاة تكرير مسطرد شمال القاهرة؛ قد نجحت بعد عامين من السعي للاستحواذ على جزء من حصص "وطنية"، وذلك في الوقت الذي يمتلك "جهاز الخدمة الوطنية" نسبة 20 بالمئة من "طاقة عربية" منذ منتصف 2023.

ووفق الاتفاق تقوم "طاقة عربية"، التي ارتفعت أرباحها بنسبة 65 بالمئة إلى 225 مليون جنيه خلال الربع الأول من 2026، بإدارة وتشغيل الشركة الجديدة، فيما تشير سابقة أعمال الشركة التي تم إدراجها بالبورصة عام 2023، إلى العمل في توصيل الغاز الطبيعي للمنازل والمصانع، وتملك حصة حاكمة بمراكز "ماستر غاز"، لتموين السيارات بالغاز الطبيعي، بجانب إدارة محطات وقود "طاقة"، مع دورها في مشروع "بنبان" للطاقة الشمسية بأسوان.

تطور غير مسبوق


ويأتي هذا التطور بسماح جنرالات الجيش المصري بطرح نسبة 10 بالمئة من إحدى شركات "جهاز مشروعات الخدمة الوطنية" إثر المراجعة السابعة التي أجراها الشهر الماضي، صندوق النقد الدولي لاقتصاد مصر في إطار قرض المليارات الثمانية في تمويل ينتهي الخريف القادم.

وفي حين طالب الصندوق مرارا بضرورة تخارج المؤسسة العسكرية من الاقتصاد وتقليص عدد شركات الجيش التي أكد أنها "97 شركة، بينها 73 تعمل في القطاع الصناعي وحده"، وقال في بيان المراجعة الرابعة في 16 تموز/يوليو 2025، إنها "تتمتع بمعاملة تفضيلية في شكل إعفاءات ضريبية والحصول على الأراضي المهمة والعمالة الرخيصة"، لم ينفذ الجيش أيا من تلك المطالبات.

وفي 10 كانون الأول/ديسمبر 2020، أعلن الصندوق السيادي المصري، طرح 10 شركات تابعة لـ"جهاز الخدمة الوطنية" بحصصها الكاملة بالبورصة المصرية وترويجها للمستثمرين، وبينها شركة "وطنية"، تأخر تنفيذ الصفقة نحو 6 سنوات.

ما يطرح التساؤل: هل تنفذ الحكومة المصرية ما أعلنت عنه مرارا من صفقات لطرح شركات: "صافي" و"سايلو فودز"، و"شيل أوت"، والوطنية للطرق"، أم تكتفي بطرح 10 بالمئة فقط من "وطنية"؟.

وفي هذا الإطار يرى محللون أن مجرد قبول الجيش بطرح نسبة 10 بالمئة من "وطنية"، يمثل خطوة لافتة قد يتبعها خطوات مماثلة، مشيرين إلى أن الحضور العسكري اللافت خلال توقيع الصفقة، يعني وجود قبول داخل الجيش بالأمر.

ووقع الاتفاقية مدير عام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية اللواء مجدي أنور، وحضره رئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة اللواء خالد عبدالله، ونائب رئيس الهيئة اللواء أيمن مطر، ومساعد رئيس الهيئة اللواء خالد حمدي، ورئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية للبترول اللواء ياسر وادي.

وأشارت التحليلات السابقة لمراقبين للملف المصري، إلى أن جنرالات الجيش المصري يقفون حجر عثرة أمام أي مساس بشركات وممتلكات الجيش، ويرفضون رفضا قاطعا تعليمات صندوق النقد الدولي بتخفيف حصة الجيش في الاقتصاد.

وفي آب/ أغسطس 2024، وتحت عنوان: "السيسي يخسر الجولة"، أشار تقرير للباحث في "مركز مالكوم كير-كارنيغي"، يزيد صايغ، لـ"هزيمة السيسي أمام قادة الجيش" بملفات: "بيع شركات الإمبراطورية العسكرية"، و"دخول المستثمرين الأجانب للمنطقة الاقتصادية بقناة السويس"، و"تهجير الفلسطينيين لشمال سيناء"، مؤكدا على إقدام "القوات المسلحة بصورة مستمرة على عرقلة عملية بيع الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية".

تلاعب لاستمرار الهيمنة


وفي رؤيته قال السياسي المصري الدكتور عمرو عادل، إن "الأزمة في مصر متجاوزة للنصوص القانونية والإجراءات المصاحبة؛ فالقانون والتشريعات واللوائح موجودة للحفاظ على التوازن الدقيق بين السلطة وبين المجتمع، ومن المهم أن تكون السلطة مؤمنة بضرورة ذلك للحفاظ على المجتمع والحفاظ على نفسها".

ضابط الجيش المصري السابق أكد لـ"عربي21"، أن "المؤسسة العسكرية في مصر تجاوزت كل هذه الخطوط، وتحولت لسلطة انفصلت تماما عن المجتمع، وهذا الانفصال يزداد عمقا وصلابة، وله أسباب وتراكمات طويلة على مدى ما يقرب من 80 عاما".

ويرى رئيس المكتب السياسي بالمجلس الثوري المصري أنه "من الحتمي أن تمتلك الطبقة الحاكمة ليس فقط السلطة والتشريع كما في الأنظمة الاستبدادية الكلاسيكية القديمة؛ بل تطورت وأصبحت تحاول احتكار أدوات الإنتاج والثروة وفائض القيمة لتؤمن نفسها، وكذلك تؤمن دوائر الحماية التي تحيطها، والتي تزداد كتلة وقوة مع الوقت لحماية هذه الطبقة الحاكمة من المجتمع".

وأوضح أنه "لذلك فعند وصول الأمور لهذا المستوى من الاحتكار يصبح من الصعب إن لم يكن مستحيلا أن تتنازل الطبقة الحاكمة وهي المؤسسة العسكرية عما حصلت عليه من ثروة متراكمة في صورة أصول وحتى ثروات سائلة".

ولفت إلى أنه "عند احتكار الطبقة الحاكمة للتشريع وإصدار القوانين تتحول التشريعات والقوانين ويتحول القانون لوسيلة لفرض الهيمنة وتقنين الاحتكار؛ وهذا ربما ما يفسر ما تفعله المؤسسة العسكرية من تلاعب لاستمرار سيطرتها على الثروة، فهي ليست فقط مصدرا للأموال ولكنها أصول للسيطرة والهيمنة على المجتمع".

وفي نهاية حديثه يرى أنه "لا حل إلا بانتزاع كل أدوات السلطة من المؤسسة العسكرية، وهذه هي أزمة مصر التي نحاول البحث عن حل لها، كيف يحدث ذلك بأقل الخسائر الممكنة".

كيف قرأ مصريون الصفقة؟


وثمن مراقبون "الخطوة" ووصفوها بأنها "غير مسبوقة"، وأكدوا أن "الطرح يعني أن الفكرة صارت مقبولة من حيث المبدأ لدى الجنرالات"، لكنهم في المقابل انتقدوا "طريقة التطبيق وحجم الحصص المعروضة".

وأوضحوا أنها "لا تمثل إلا جزء يسيرا من إمبراطورية الجيش، فقط 10 بالمئة من حجم أعمال وممتلكات ومقرات وأراضي شرطة (وطنية) التي تقدم خدمات تموين السيارات بالوقود والغاز الطبيعي إلى جانب مئات المحلات التجارية والخدمات الملحقة بالمحطات"، مطالبين بـ"انتقال حقيقي لشركات الجيش وليس صوريا، وعودة المؤسسة العسكرية لدورها في حماية البلاد".

اظهار أخبار متعلقة



ولفتوا إلى أن "شركة طاقة عربية صاحبة الشراكة مع الجيش في الشركة الجديدة التي ستدير محطات وقود وطنية، يمتلك فيها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية نسبة 20 بالمئة، ما يعني أن محطات (وطنية) لم تخرج بعد من عباءة الجيش، وأنه تم تفصيل الصفقة على الورق بمقاسات تسمح باستمرار تحكم الجيش فيها دون خسارة ذلك الأصل العسكري على الأرض".

ويشير هيكل المساهمين في "طاقة عربية" إلى حضور شركات أجنبية بينها: "ريمكو إي جي تي إنفستمنت" التابعة لمجموعة "راشد الراشد" السعودية، بنسبة 14.48 بالمئة، و"فايننشال هولدنجز إنترناشونال إل تي دي" التي تأسست بجزر العذراء البريطانية وتمتلك حصة 17.83 بالمئة.

إلى جانب تملك الشركة البريطانية "ترايمستون أستس هولدنجز المحدودة" نسبة 5.52 بالمئة، والشركة الأوغندية "النيل للطاقة المحدودة" 7.50 بالمئة، والشركة البحرينية "هناء للاستثمار" 5 بالمئة، إلى جانب المصرية "سيلفرستون كابيتال إنفستمنت المحدودة" 17.68 بالمئة.

ذلك الحضور الأجنبي يثير مخاوف المصريين، مع ما تشهده السوق المحلية من الانتقالات واسعة في سوق الطاقة المصرية إلى شركات إماراتية، وخاصة مع ما شهده الأسبوع الماضي من صفقتين كبيرتين مثيرتين للانتقادات.

أولها: استحواذ شركة "أركيوس إنرجي" الإماراتية على 5 امتيازات بحرية للغاز الطبيعي في البحر المتوسط من حصص أعمال شركة "بي بي" البريطانية في مصر، والتفاوض حول امتياز "شمال الإسكندرية" الهام.

ثاني الصفقات، كان إبرام شركة "ألكازار إنرجي" الإماراتية وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة المصرية الأربعاء، صفقة بقيمة 420 مليون دولار للاستحواذ لمدة 25 عاما على حق تشغيل وإدارة وتطوير محطة "رياح جبل الزيت"، التي تبلغ طاقتها 580 ميجاوات.

لكن، على الجانب الآخر، ذهب آخرون في إشادتهم بالصفقة، للقول إن "القصة ليست نسبة الملكية فقط، بل من سيدير الشبكة ويرفع كفاءتها ويطورها"، ملمحين إلى أن "طاقة عربية من أنجح استثمارات مجموعة القلعة"، مشيرين إلى أن "الصفقة تمثل نموذجًا جديدًا: دولة تمتلك الأصول، وقطاع خاص يدير ويطور، وتجهيز مستقبلي لطرح أكبر بالبورصة"، متوقعين أن تعيد الصفقة "رسم خريطة قطاع الطاقة والتوزيع في مصر".

وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، اعتبر الخبير الاقتصادي مصطفى عادل، الاتفاقية "خطوة إيجابية"، مشيرا إلى أن "تخارج الجهات العامة وفتح المجال للشراكة مع القطاع الخاص والتوسع في هذا الملف خطوة ينتظرها الاقتصاد والاستثمار المصري منذ سنوات"، وموضحا أن "نقلها لشركة مدرجة في البورصة يعني أنها شركة عامة فيها مساهمين قطاع خاص، ويمكن شراء أسهم فيها"، ملمحا إلى أنها "بعدما كانت شركة مغلقة أصبحت ملزمة بتقديم ميزانيات معلنة كل ٣ أشهر".
التعليقات (0)