حذرت
منظمة "هيومن رايتس ووتش" من أن بطولة
كأس العالم 2026، التي تنطلق الخميس في
الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ستقام في أجواء يطغى عليها الخوف والقلق الحقوقي، في ظل تشديد سياسات الهجرة الأمريكية وتزايد الضغوط على حرية الإعلام، فضلا عن ما وصفته المنظمة بإخفاق الاتحاد الدولي لكرة القدم "
فيفا" والمدن المضيفة في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بحقوق الإنسان.
وجاء ذلك بالتزامن مع إصدار المنظمة "دليل الصحفيين لكأس العالم لكرة القدم 2026 في كندا والمكسيك والولايات المتحدة"، وهو تقرير من 79 صفحة يستعرض أوضاع حقوق الإنسان في الدول الثلاث المضيفة، ويرصد المخاطر التي قد تواجه الصحفيين والمشجعين واللاعبين ومجتمعات المهاجرين خلال البطولة.
وقالت مديرة المبادرات العالمية في هيومن رايتس ووتش، مينكي ووردن، إن البطولة كان يفترض أن تكون "أول كأس عالم يقام ضمن إطار شامل لحقوق الإنسان يضمن حماية العمال والمشجعين واللاعبين والمجتمعات المحلية".
وأضافت: "بدلا من ذلك، فإن القمع العنيف للمهاجرين من قبل الإدارة الأمريكية، والسياسات التمييزية، والتهديدات لحرية الصحافة، تعني أن البطولة قد تتسم بالإقصاء والخوف".
انتقادات لسياسات ترامب
وبحسب التقرير، فإن الولايات المتحدة التي تستضيف 78 مباراة من أصل مباريات البطولة، بما في ذلك مباراتا نصف النهائي والنهائي، شهدت منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة في كانون الثاني/ يناير 2025 سلسلة من السياسات والإجراءات التي استهدفت المهاجرين والمتظاهرين والمدافعين عن حقوق الإنسان وعابري النوع الاجتماعي ومؤسسات المجتمع المدني.
وأشار التقرير إلى أن مشجعين من عشرات الدول يواجهون قيودا أو حظرا على الحصول على التأشيرات، فيما قد يتعرض أفراد الجاليات المهاجرة الذين يحتفلون بمنتخباتهم الوطنية في الملاعب ومناطق المشجعين لمخاطر متزايدة نتيجة حملات إنفاذ قوانين الهجرة.
واستندت هيومن رايتس ووتش إلى بيانات حصلت عليها من "إدارة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك" الأمريكية "آيس" عبر طلبات حرية المعلومات، أظهرت أن السلطات اعتقلت ما لا يقل عن 167 ألف شخص بين 20 كانون الثاني/ يناير و10 آذار/ مارس 2025 في 11 مدينة أمريكية ستستضيف مباريات كأس العالم أو تقع بالقرب منها.
مخاوف على حرية الإعلام
ولفت التقرير إلى أن حرية الصحافة تواجه تحديات متزايدة في الولايات المتحدة، مستشهدا باعتقال الصحفي الحائز على جائزة إيمي ماريو غيفارا في مدينة أتلانتا خلال حزيران/ يونيو 2025 أثناء تغطيته مظاهرة سياسية.
وذكرت المنظمة أن غيفارا نقل لاحقا إلى عهدة وكالة "آيس" قبل ترحيله إلى السلفادور.
كما أشارت إلى اعتقال الصحفية ستيفاني رودريغيز في آذار/ مارس 2026 أثناء تغطيتها مداهمات نفذتها سلطات الهجرة، موضحة أن عناصر الأمن أوقفوها دون إبراز مذكرة توقيف.
وأكدت المنظمة أنها وثقت استخدام قوات الأمن الأمريكية الغاز المسيل للدموع وكريات الفلفل والرصاص الإسفنجي والقنابل الصوتية ضد متظاهرين وصحفيين ومراقبين، "غالبا من مسافات قريبة ومن دون تحذير كاف أو أي استفزاز مسبق".
انتقادات حادة لـ"فيفا"
ووجه التقرير انتقادات مباشرة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، معتبرا أنه لم يتخذ خطوات ملموسة للتعامل مع المخاطر الحقوقية المرتبطة بالبطولة.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن جميع لجان المدن المضيفة، باستثناء لجنة واحدة، فشلت في تقديم خطط العمل الخاصة بحقوق الإنسان التي تعهدت بها مسبقا، أو قدمت خططا لا تعالج بشكل كاف المخاطر التي تواجه المهاجرين والصحفيين.
كما اتهمت المنظمة "فيفا" بعدم استخدام نفوذها للضغط على إدارة ترامب من أجل التراجع عن سياساتها المتعلقة بالمهاجرين، مشيرة إلى أن الاتحاد منح ترامب في كانون الأول/ ديسمبر 2025 "جائزة فيفا للسلام" الأولى.
ودعت المنظمة "فيفا" إلى الضغط من أجل إعلان ما أسمته "هدنة آيس"، تتضمن تعهدا من السلطات الأمريكية بعدم تنفيذ عمليات تتعلق بإنفاذ قوانين الهجرة داخل الملاعب أو مناطق المشجعين طوال فترة البطولة.
وقالت ووردن: "قد تكون بطولة كأس العالم 2026 فرصة ذهبية لإدارة ترامب لتلميع صورتها عبر الرياضة. ينبغي لفيفا اتخاذ خطوات أكثر فعالية لحماية الرياضيين والمشجعين والعاملين من السياسات التعسفية للحكومة الأمريكية".
تحديات عابرة للحدود
وأشارت المنظمة إلى أن نسخة 2026 ستكون الأولى في تاريخ كأس العالم التي تستضيفها ثلاث دول في آن واحد، ما يفرض تحديات لوجستية وقانونية إضافية أمام الصحفيين الذين سيضطرون إلى التنقل بين دول تختلف في قوانين الهجرة ومتطلبات التأشيرات ومستويات حرية الإعلام.
وفيما يتعلق بالمكسيك، وصف التقرير البلاد بأنها لا تزال من أخطر الدول في العالم بالنسبة للصحفيين.
واستشهد ببيانات منظمة "المادة 19" المعنية بحرية الصحافة، والتي أفادت بمقتل سبعة صحفيين في
المكسيك خلال عام 2025، وسط استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب.
كما أشار إلى إقرار الكونغرس المكسيكي خلال العام نفسه قانونا يمنح السلطات صلاحيات واسعة للوصول إلى بيانات المواطنين دون الحاجة إلى إذن قضائي، وهو ما اعتبرته المنظمة تهديدا إضافيا لحرية الإعلام.
أسئلة معلقة ورد مقتضب
وكشفت هيومن رايتس ووتش أنها وجهت رسالة إلى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو في 6 نيسان/ أبريل الماضي، تضمنت أسئلة تفصيلية بشأن الإجراءات التي اتخذها الاتحاد لحماية الصحفيين خلال البطولة.
وتساءلت المنظمة عما إذا كانت "فيفا" وضعت بروتوكولات واضحة للتعامل مع حالات اعتقال الصحفيين أو ترحيلهم أو منعهم من دخول الدول المضيفة، وما إذا كانت ستلتزم بعقد مؤتمرات صحفية مفتوحة لجميع وسائل الإعلام.
ورد الاتحاد الدولي، بحسب التقرير، بالقول إن لديه "آليات وإجراءات للتعامل مع أي حادث يتعلق بحقوق الإنسان أو السلامة، بما فيها تلك التي تشمل الصحفيين".
وختمت ووردن بالقول: "سيجد الصحفيون الذين يغطون كأس العالم الكثير من هذه القصص، إذا تمكنوا أصلا من الوصول إلى البطولة والعمل بحرية. وقد صمم دليل الصحفيين لضمان حصول وسائل الإعلام على المعلومات اللازمة لتغطية ما يجري داخل الملاعب وخارجها".