من الضاحية إلى المجهول.. لغز اختفاء متهم بالتجسس لصالح الاحتلال يربك لبنان

هروب غامض من قبضة حزب الله.. اختفاء متهم بالتجسس لصالح إسرائيل يثير عاصفة في لبنان - جيتي
كشفت وكالة "أسوشييتد برس" تفاصيل قضية غامضة تتعلق باختفاء شخص متهم بالتعاون مع جهاز الموساد الإسرائيلي من داخل لبنان، في حادثة قد تحمل تداعيات أمنية وسياسية حساسة، وسط تساؤلات بشأن كيفية تمكنه من الإفلات من قبضة حزب الله ومغادرة المشهد دون أثر واضح.

ووفقا لتقرير نشرته صحيفة "إسرائيل اليوم" نقلا عن وكالة أسوشييتد برس، فإن الفلسطيني السوري خالد العايدي، الذي يحمل أيضا الجنسية الأوكرانية، تمكن من الفرار خلال غارات إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في آذار/ مارس الماضي، بعدما كان محتجزا لدى حزب الله للاشتباه في تورطه ضمن شبكة تجسس مرتبطة بلالاحتلال الإسرائيلي.

وأشار التقرير إلى أن العايدي استغل حالة الفوضى التي رافقت الغارات الجوية الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية، وغادر موقع احتجازه متوجها إلى منطقة بعبدا، حيث يقع عدد من البعثات الدبلوماسية، قبل أن يختفي داخل السفارة الأوكرانية، بحسب الرواية الواردة في التقرير.

وتتهم السلطات اللبنانية العايدي بالمشاركة في مخطط استخباراتي إسرائيلي فاشل كان يهدف إلى تنفيذ عمليات اغتيال وهجمات داخل لبنان. 

وبحسب التحقيقات، كان أحد المباني التي استخدمت لاحتجاز مشتبهين بالتعاون مع الموساد قد تعرض لهجوم خلال آذار/ مارس الماضي.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أعلنت السلطات اللبنانية تفكيك شبكة قالت إنها كانت تخطط لتنفيذ اغتيالات وهجمات داخل البلاد، من بينها محاولة استهداف فعاليات مرتبطة بذكرى اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله.

وذكرت السلطات أنها عثرت على دراجة نارية مفخخة وسيارة مجهزة بمتفجرات، فيما وجهت الاتهامات إلى خالد العايدي وستة أشخاص آخرين يحملون الجنسية اللبنانية. وتمكن أحد المتهمين من الفرار، بينما لا يزال الآخرون موقوفين بانتظار المحاكمة.

وبحسب وثائق حكومية لبنانية اطلعت عليها وكالة أسوشييتد برس، طلبت السفارة الأوكرانية من السلطات اللبنانية السماح للعايدي بمغادرة البلاد بعد وصوله إليها، إلا أن جهاز الأمن العام اللبناني رفض ذلك، مستندا إلى مذكرة توقيف صادرة بحقه منذ أيلول/ سبتمبر 2025.

في المقابل، قال مسؤول أوكراني للوكالة إن العايدي لم يعد موجودا داخل السفارة الأوكرانية، لكنه رفض الكشف عن مكانه الحالي، كما امتنع عن توضيح ما إذا كانت السفارة قد ساعدته على مغادرة لبنان أو إن كان قد لجأ إليها بالفعل، مبررا ذلك بمخاوف أمنية تتعلق بالسفارة وموظفيها.

وأضاف التقرير أن المحكمة العسكرية اللبنانية وجهت استدعاء رسميا إلى السفارة الأوكرانية عقب اختفاء العايدي، إلا أنها لم تتلق أي رد.

ونقلت الوكالة عن مسؤولين أمنيين لبنانيين رفيعي المستوى اعتقادهما بأن العايدي غادر الأراضي اللبنانية، في حين أكد مسؤولون سوريون أنهم لا يملكون أي معلومات عن وجوده داخل سوريا.

من جهته، أقر مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا بوجود "محاولة فاشلة لتهريب العايدي من لبنان إلى سوريا"، لكنه امتنع عن تقديم مزيد من التفاصيل بشأن القضية.

ورأى التقرير أن اختفاء العايدي قد يضع الحكومة اللبنانية أمام تحديات سياسية وأمنية جديدة، خاصة إذا ظهرت معطيات تشير إلى حصوله على تسهيلات رسمية لمغادرة البلاد، الأمر الذي قد يثير غضبا داخل البيئة الشعبية المؤيدة لحزب الله.

وأشار إلى أن الحكومة اللبنانية تسعى في المرحلة الحالية إلى تعزيز سلطتها الأمنية ومتابعة ملف سلاح حزب الله، في وقت تشهد فيه الساحة اللبنانية توترات سياسية مرتبطة بالمفاوضات غير المباشرة مع الاحتلال.

وفي سياق متصل، سلطت وكالة أسوشييتد برس الضوء على ما وصفته باتساع شبكات التجسس الإسرائيلية داخل لبنان خلال السنوات الأخيرة، والتي ارتبطت بعدد من العمليات الأمنية والعسكرية البارزة ضد حزب الله، من بينها تفجيرات أجهزة النداء والاتصالات عام 2024، إضافة إلى عمليات استهدفت قيادات بارزة في الحزب.

وقال وفيق صفا للوكالة: "نجحنا في كشف العديد من شبكات التجسس، كما نجحت الدولة اللبنانية أيضا في هذا المجال، لكن الإسرائيليين يسعون باستمرار إلى تجنيد شبان لبنانيين من مختلف الفئات والانتماءات".

وأضاف التقرير أن نحو 50 شخصا أدينوا أو صدرت بحقهم أحكام بالسجن في قضايا مرتبطة بالتجسس لصالح إسرائيل، فيما لا تزال تحقيقات أخرى جارية مع عدد من المشتبه بهم.

كما تناول التقرير قضية محمد هادي صالح، المنشد الديني المعروف في أوساط حزب الله، والذي أوقف في أيار/ مايو 2025 بتهمة تزويد الموساد بمعلومات وخرائط تتعلق بمواقع تابعة للحزب استهدفت لاحقا في عمليات إسرائيلية، ولا يزال موقوفا بانتظار محاكمته.

من جانبه، قال الباحث مهند حاج علي من مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت: "من المفارقات أن حزب الله كان يتهم خصومه دائما بالعمالة لإسرائيل، لكن كثيرا من قضايا التجسس التي تم الكشف عنها جاءت من داخل المنظمة أو من بيئتها الداعمة".

وأضاف حاج علي أن الولايات المتحدة وأوكرانيا "تمتلكان القدرة على ممارسة ضغوط كبيرة إذا كانت السلطات اللبنانية تمنع خروج العايدي"، مشيرا في المقابل إلى أن أي إثبات لتورط جهات رسمية لبنانية في تسهيل فراره قد يؤدي إلى "غضب شعبي واسع، خصوصا في الأوساط الشيعية المؤيدة لحزب الله"، وقد يفاقم التوترات الداخلية في البلاد.