12 مليونا خارج الحسابات.. هل يهدم الدعم النقدي آخر حصون فقراء مصر؟

إشارات إلى فساد في منظومة الدعم لا سيما في المخابز - عربي21
بينما احتفل رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، بالذكرى الـ13 لـ"ثورة 30 يونيو"، أنهت حكومته في اليوم التالي منظومة "الدعم العيني" التي بدأت بالعهد الملكي عام 1941، لتقرر التحول إلى "الدعم النقدي"، في توجه اعتبرته حكومات الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، مخاطرة شعبية، وتراجعت عن تطبيقه.

وقبل أيام أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، تنفيذ القرار في تموز/يوليو المقبل، لتتكشف بعض الحقائق المثيرة لمخاوف نحو 68 مليون مصري يستفيدون من الدعم العيني.

وتشير الأنباء إلى أن قيمة الدعم الذي سيحصل عليه المواطن سيتراوح بين (300 و350 جنيها) للفرد، أي من 1200 جنيه إلى 1400 جنيه للأسرة المكونة من 4 أفراد.




ووفق المتاح حاليا من بيانات؛ سيجري تحويل بطاقة التموين المعتادة إلى بطاقة ذكية يتم تحميلها بالمبلغ النقدي ويتاح لها الشراء من بين 30 سلعة بينها اللحوم والدواجن لأول مرة، مع مراعاة حساب معدل التضخم حالة زيادته، وتقديم باقات للسلع.

وتؤكد الحكومة متمثلة في رئيس الوزراء، "أن الدعم العيني له مثالب منذ عقود، ومنظومة الخبز بها نسبة عدم كفاءة 25 بالمئة"، لكنه في المقابل يقول إن "الدعم النقدي سيصل للأسر المستحقة ولا نستهدف تقليله كرقم في الموازنة".

ويشير نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، الدكتور حسين عيسى، إلى دور صندوق النقد في الأمر، موضحا الشهر الماضي، أن "التحول للدعم النقدي طالما طالب به الصندوق، وأجلت الحكومة تطبيقه مرارا".

لهذا يتخوف الفقراء


ويتخوف أصحاب بطاقات التموين الذين تحدثوا إلى "عربي21"، من تآكل الدعم التمويني، خاصة مع استمرار ارتفاع معدلات التضخم ومواصلة القرارات الحكومية بزيادة أسعار الوقود والكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والمحررات الرسمية والسلع والخدمات.

وأكد المتحدثون على "أحقية الدولة في تسيير ما تراه مناسبا لملف الدعم؛ ولكن دون أن تظلم الفقير أو تزيد من معاناته"، ملمحين إلى "وجود فساد في منظومة الدعم وخاصة في المخابز"، ملمحين إلى "رداءة رغيف الخبز الذي تحسبه الدولة على دعم الفقير بينما المستفيد أصحاب المخابز".

وأعربوا عن مخاوفهم "من أن يكون علاج هذا الفساد أو الخلل الإداري على حساب الفقراء"، موضحين أن "قرارات الحكومة الحالية لم تكن يوما واحدا طوال 13 سنة في صفهم"، مشيرين إلى أنها "رفعت أسعار كل شيء من أنبوبة الغاز التي قامت لأجلها ثورة (30 يونيو)، والكهرباء، والسولار، والبنزين، وحتى رغيف الخبز، والأرز والدقيق، والزيت، والسكر، والدواء".

وبالحديث إلى الجزء الوسيط في المنظومة بين وزارة التموين والمواطن، اشتكى "بدالون" من "حالة الغموض التام حول القرار"، متسائلين: "كيف يتم تطبيق البرنامج النقدي دون أن تصلهم أية تعليمات حتى الآن، ولم يتم تغيير بطاقات التموين بالكروت الجديدة الموحدة".

وتوضح "نجلاء السيد"، وهو اسم مستعار، أن ما وصلهم من تعليمات بأنه "ستكون أسعار السلع حرة كما سعرها في السوق يوما بيوم"، ملمحة إلى "احتساب سعر زجاجة الزيت التمويني بـ30 جنيها، بينما أقل سعر حر لها 75 جنيها، والسكر التمويني بنحو 13 جنيها بينما يسجل بين 30 و35 حر، ورغيف الخبز المدعم 20 قرشا بينما في المخابز السياحية بين واحد جنيه و2.5 جنيه".

وتلفت إلى أنه "في المنظومة الجديدة إذا لم يوازن المواطن بين احتياجاته للسلع والخبز فسوف يحدث له أزمة كبيرة"، مبينة أن "أسرة من 4 أفراد تحتاج على الأقل 8 زجاجات زيت شهريا بسعر 600 جنيه، ونحو 6 كيلو سكر في حدود 200 جنيه، ولو اشترى خبزا بمعدل 5 أرغفة لكل فرد يوميا ما يعني 20 رغيفا يوميا يحتاج لنحو 600 جنيه، فهنا لن يكفي الدعم السلع الرئيسية الثلاثة، ولن يتبقى له لشراء المكرونة ومساحيق الغسيل والشاي، والأرز، والدواجن واللحوم، التي يجري الحديث عن ضمها للمنظومة".

الحذف والأزمة الأكبر


وألزمت وزارة التموين المواطنين بتحديث بياناتهم (الدخل، الإنفاق، الحيازة) عبر منصة "مصر الرقمية" في 14 حزيران/يونيو الجاري، لغربلة البطاقات وتحديد الفئات المستحقة بدقة لبدء تطبيق منظومة الدعم النقدي.

وهنا يتخوف مستفيدو الدعم من الطبقة الوسطى التي تآكلت بالسنوات الماضية، وفق تأكيد التقارير الاقتصادية، وفق قول بعضهم لـ"عربي21"، من "الأزمة الأكبر في معايير البرنامج الجديد التي لم يتم الكشف عنها، والتي من أخطر نتائجها؛ استبعاد ما بين 10 إلى 12 مليون مواطن ليصل عدد المستفيدين من الدعم النقدي 58 مليون مواطن من حوالي 68 مليونا".




وهنا تشير البدالة الريفية، إلى أن "القادم هو الحذف"، موضحة أن "المؤشرات بدأت منذ الشهرين الماضيين حيث تم خلال نيسان/أبريل الماضي حذف بطاقات تموين كل من تم اتهامه في سرقة التيار الكهربائي، وفي أيار/مايو الماضي تم حذف كل من ثبت امتلاكه سيارتين أو سيارة موديل حديثة أو كل من استورد سيارة من الخارج".

وتوقعت "زيادة نسبة الحذف مع تطبيق النظام الجديد"، مبينة أنه "من بين 400 تم حذف 20 بطاقة لديها، مؤكدة أنها "لا تعرف معايير الحذف الجديدة"، كاشفة أن "إضافة بطاقات جديدة لمستحقين جددا وإضافة المواليد، متوقفة تماما".

هروب الدولة


وفي قراءته لأهداف ومكاسب الحكومة من تطبيق نظام الدعم النقدي، والخسائر المحتملة للفقراء ومستحقي الدعم التمويني من الطبقة الوسطى، وفقدان آخر حصون فقراء المصريين في مواجهة الغلاء، تحدث الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد خزيم، لـ"عربي21".

وقال: "في الوقت الذي تتفاقم فيه أزمات المنطقة العربية والعالم نتيجة (الحرب الأمريكية- الإسرائيلية) على إيران، للأسف الشديد ترتفع نسب الفقر في مصر؛ وفي المقابل تنظر الحكومة إلى جيب المواطن في الدعم وهو رقم لا يتجاوز فائدة أقل قرض من القروض الحكومية".

وأكد أنه "بالتالي التحول من الدعم العيني إلى النقدي أراه مزيدا من الإضعاف للمواطن، حيث سيتم تآكل ذلك الدعم مع عمليات طباعة الجنيه التي تتم على التوالي، وبالتالي فهذا الإجراء فيه زيادة لإفقار الطبقة المتوسطة في مصر دون رؤية ودون النظر للعجز في الإنفاق العام الناتج عن كثرة القروض التي استدانتها الحكومة ولم تدرس كيفية توفير عوائد لسداد الأقساط"، ملمحا إلى أن "مدفوعات خدمة الدين تلتهم 60 بالمئة من إجمالي الإيرادات العامة للدولة".

وخلص للقول إن "جيب المواطن أصبح الهدف هو وكل ما يخصه من كهرباء ومياه وغاز وأسعار سلع مع الكارثة الكبرى المستمرة في طبع النقد المحلي"، مبينا أن "الدعم النقدي مهما كانت قيمته فهو عبارة عن إلغاء، وببساطة لو تم تحريك سعر الصرف بقروش قليلة سيأكل هذا الرقم المسمى دعما ماليا للطبقة الفقيرة، وهذا للأسف هروب للدولة من التزاماتها تجاه الطبقة الفقيرة والمتوسطة".



ويأتي تطبيق الدعم النقدي إثر  قرارات حكومية برفع أسعار الوقود بجميع أنواعه (بنزين وسولار وغاز) 10 آذار/مارس الماضي بين 14 و30 بالمئة، ثم أسعار ركوب المواصلات في 27 من الشهر ذاته بين 12.5 و25 للقطارات، و2 جنيه لمترو الأنفاق، مع زيادة أيار/مايو الماضي بأسعار خدمات الاتصالات بين 9 و15 بالمئة، بفعل ارتفاع سعر الصرف، وارتفاع أسعار الكهرباء، والمحروقات.

خط أحمر لم يتجاوزه السادات ومبارك


ويعيد الحديث عن تحويل الدعم من عيني إلى نقدي ذاكرة المصريين لأزمة "انتفاضة الخبز" بعهد الرئيس أنور السادات، 18 و19 كانون الثاني/يناير 1977، حينما أعلنت حكومته وفق توجيهات صندوق النقد الدولي حينها، رفع أسعار الخبز، وبعض السلع التموينية تمهيدا لإلغاء الدعم العيني تدريجيا، لتندلع احتجاجات شعبية دعت السادات للدفع بالجيش، وإلغاء فكرة ظلت خطا أحمر.

وفي عهد مبارك (1981 - 2011) طُرحت فكرة الدعم النقدي عام 1991 كبالونة اختبار، ليتم التراجع عنها مع تقليص تدريجي لعدد السلع التموينية المدعومة وتحويل الدعم من دعم مطلق إلى مشروط ببطاقات حمراء وخضراء.

وفي عام 2005، أعلنت حكومة أحمد نظيف دراسة مشروع استبدال الدعم العيني بالنقدي، الأمر الذي لم يتم تنفيذه، ليعلن عام 2008 وزير التضامن علي المصيلحي، تجربة الدعم النقدي ببعض قرى الصعيد، في توجه أجهضته أزمة طوابير الخبز، ومظاهرات عمال المحلة الكبرى 6 نيسان/أبريل 2008.

وفي حين رأى نظامي السادات، ومبارك، في إلغاء الدعم العيني مغامرة غير مضمونة شعبيا، قرر السيسي خوض المغامرة بالتحول الكامل نحو "الدعم النقدي"، متجاهلا الغضب الشعبي من القرار.

من المستفيد؟


وبعيدا عن المخاطرة التاريخية واحتمالات تفاقم الغضب الشعبي، يتحدث مراقبون عن استفادة مالية ومادية لبعض الأجهزة السيادية وجهات مرتبطة بها وبشكل خاص "جهاز مستقبل وطن للتنمية المستدامة" التابع للقوات الجوية التابعة للقوات المسلحة والذي أنشأه السيسي عام 2022، ومنحه سلطات وصلاحيات وامتدت أذرعه إلى قطاعات الزراعة، واستصلاح الصحراء، والتجارة، والتموين، والصناعة، والاستيراد والتصدير، والبناء والتشييد، وتنمية البحيرات، وحتى قطاع التجزئة الذي نشط فيه العام الماضي بقوة.




وفي شباط/فبراير الماضي، أطلق السيسي، مشروع "كاري أون"، الذي يشمل ٤٠ هايبر ماركت تابعة لـ"مستقبل مصر" الذي افتتح 1405 منافذ ونشاطا تجاريا بمختلف المحافظات، باسم "سوبر توفير" ستصل إلى 2000 منفذ العام المقبل.

الأمر الذي تطور في 2 حزيران/يونيو الجاري، بتوقيع مجلس الوزراء، مذكرة تفاهم بين الشركة "القابضة للصناعات الغذائية"، وجهاز "تنمية المشروعات"، بموجبها تعمل منافذ مشروع "جمعيتي" البالغة نحو 850 منفذا، وبدالي التموين الذين يصل عددهم نحو 30 ألف منفذ، تحت مظلة "كاري أون".

كيف استقبل المصريون القرار؟


ومنذ أيلول/سبتمبر 2024، وتمهد حكومة السيسي لمغادرة الدعم العيني والدفع بالمصريين نحو النقدي، بالترويج بأن 30 بالمئة من الدعم العيني لا يصل إلى مستحقيه وأن الدعم النقدي سيصل مباشرة لجيوب الفقراء، وذلك وسط مخاوف من أن يكون هذا التوجه هو نهاية الدعم في مصر، مع رفع الأسعار وثبات قيم الدعم النقدي.

ولاقى تنفيذ منظومة الدعم النقدي، تأييد البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بدعوى أن "منظومة الدعم العيني تعاني من الفساد وهدر المنتجات والتلاعب"، مقللين من مخاوف البعض، وملمحين إلى "ارتفاع مخصصات السلع التموينية بموازنة (2026/2027) إلى 178 مليار جنيه مقابل 160 مليار جنيه بالعام المالي الحالي".

وعلى الجانب الآخر، يتخوف رافضو القرار من أن "يذهب الدعم النقدي مع ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم، ومن عدم رفع قيمة الدعم النقدي بشكل دوري، وتقليص الحكومة له مستقبلا، أو نزعه عن مواطنين بأية حجة أو عدم إضافة المواليد الجدد، أو اعتماد قرارات انفصال الأبناء المتزوجين في بطاقات جديدة ما يزيد ضغوط الأسرة المصرية".

وفي تحرك برلماني تقدم عضو مجلس النواب فريدي البياضي، بطلب إحاطة لمجلس الوزراء، مشيرا إلى "مخاطر هذا التحول في ظل معدلات تضخم قد تؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم بفترة قصيرة"، مبينا أن "دعم الخبز والسلع التموينية يمثل خط الدفاع الأخير لملايين الأسر بمواجهة الفقر وتراجع القدرة الشرائية".

وتساءل: "ما الضمانات التي تمنع تآكل قيمة الدعم النقدي بفعل التضخم؟، وما مصير دعم الخبز بعد تطبيق المنظومة الجديدة؟، وما المعايير التي سيتم على أساسها احتساب قيمة الدعم النقدي للمواطنين؟".