يسود الحزن والمرارة الشديدة لدى العائلات
الفلسطينية في قطاع
غزة الذي يعيش الإبادة، منذ 3 سنوات لعدم تمكنهم من استكمال
شعائر العيد بالحصول على أضحية كما تعودوا في الأعوام التي سبقت حرب الإبادة التي
أتت على كل شيء في القطاع.
وأدى أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف مناطق
القطاع ومخيمات النزوح والمناطق المدمرة صلاة
عيد الأضحى المبارك، وحث الخطباء المصلين
على أهمية إحياء شعائر العيد بالتزاور وصلة الأرحام رغم عدم تمكنهم من ذبح الأضاحي
بسبب عدم سماح
الاحتلال الإسرائيلي إدخالها للعام الثالث على التوالي.
العيد ما قبل الإبادة
العائلات الفلسطينية قبل حرب الإبادة كانت
لديها العديد من محطات السعادة قبيل قدوم عيد الأضحى، فكان البعض يربي أضحيته في
حظيرة منزله ويوليها راعية واهتمام كبير ويسمنها، وتكون مصدر فرح وسعادة لدى
الأبناء والأحفاد الذين يداعبون تلك الأضحية قبل ذبحها.
والبعض الآخر، كان يذهب بصحبة أفراد العائلة من
أجل أن يبتاع أضحية خاصة به أو أن يشترك مع آخرين في عجل، يأتون به ليلة العيد
ويجتمعون مع زوجاتهم وأطفالهم في صباح العيد ليشهدوا ذبح أضحيتهم وهم في بهجة
غامرة رغم المنغصات العديدة التي يرجع سببها إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأرض
فلسطين ومواصلة ارتكابه الكثير من الجرائم بحق الفلسطينيين في كافة المناطق وخاصة
في القدس المحتلة.
أما اليوم، فالأوضاع انقلبت رأسا على عقب في
القطاع عقب الإبادة الجماعية التي تعرض لها، وهذه المحطات الجميلة التي كانت تصاحب
عيد الأضحى لم يعد لها أي وجود، فالكل في القطاع إما حزين أو مكلوم؛ هناك من فقد
بيته الذي كان يحتضن ذكرياته الجملية، وهناك من فقد عائلته وماله، فالفقد بأنواعه
الموجعة طال معظم سكان القطاع البالغ عددهم نحو 2.2 مليون نسمة.
المعلم عطية محمد أبو شعر (67 عاما) الذي أمضى
أكثر من 37 عاما في السلك التعليمي في مدراس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين
"الأونروا"، لم يترك شعيرة الأضحية في السنوات التي سبق حرب الإبادة،
دائما كان على موعد مع الأبناء والأحفاد لخلق أجواء السعادة والفرح في عيد الأضحى،
لكنه كما ذكر لـ"عربي21"، لم يتمكن منذ بداية الحرب من تجديد مراسم
الأضحية التي ذهبت مع الكثير من الذكريات الجملية التي عاشها مع أسرته في مدينة
رفح جنوب القطاع.
"حزن عميق وألم وحسرة ومرارة" تسكن
قلب الرجل المسن الذي لم يعد قادرا على جلب الأضحية لعدم توفرها في الأسواق
المحلية مع استمرار حرب الإبادة، وقال: "أشعر بضيق كبير، فالعيد يمر كأي يوم
عادي وليس كيوم معظم لديه نسك خاصة وله تقدير كبير في قلوبنا، صحيح أننا ما زلنا
نعظم هذا اليوم، لكنه يمر علينا بحزن وألم، لقد أصبح يوم كئيب".
فراغ مع غياب الأحباب
وذكر أن "عيد الأضحى اليوم يمر بصعوبة جدا
على نفوسنا، نشعر بالفراغ، لا نستطيع أن نعمل ما كنا نعمله في السابق، كنا نذهب
ونحضر أضحيتنا قبل العيد بقليل، وكان الأطفال والكبار والنساء يشعرون بسعادة
كبيرة، فهذا يوم معظم لدينا، وكنا لا ننام ليلة العيد ونحن في انتظار الصلاة ومن
ثم ذبح الأضاحي، الكل سعيد ومبتهج ومسرور في هذا اليوم، منهم من يشارك في عملية
الذبح ومنهم من يشاهد ويراقب وهو سعيد، لكن هذا اليوم يمر علينا اليوم بحزن وآسى
ومرارة".
وبحديث يعكس مدى المرارة والألم الذي يسكن
وجدان الرجل، أعرب عن أمله بالعودة القريبة إلى منزله المدمر وسط مدينة رفح التي
مسحها الاحتلال ودمرها، وقال المعلم: "كلنا أمل أن نعود إلى ديارنا وأن نتمكن
من ذبح الأضاحي كما كنا في السابق وتوزيعها على الأهل والأقارب والجيران، وإدخال
السرور والفرحة على قلوب الأطفال والنساء والأبناء، ونتمكن من التكبير كما كنا
نكبر سابقا، وتمتلئ الأجواء فرحة وسرور بعيدا عن الاحتلال، أملنا في الله كبير أن
يدحر قريبا عن أرضنا هذا العدو اللعين، كي نتمكن من أداء النسك بطريقة طيبة ومشرفة
لنا وللجميع".
معظم سكان القطاع يشاركون الحاج أبو شعر في
حزنه وألمه، حيث أكد مشهور المشهرواي من سكان مدينة غزة، أنه يعيش مع عائلته في
أجواء من الحزن نظرا لعدم تمكنه من جلب أضحية لأسرته، وقال: "الأوضاع صعبة
للغاية عندنا، في الماضي كانت الفرحة الكبيرة وتعم بيوت القطاع، الكل يشعر
بالسعادة؛ الأطفال والنساء وجميع أفراد العائلة والجيران والأصدقاء".
وأضاف في حديثه لـ"عربي21":
"أما اليوم، لا جيران ولا أضحية ولا بهجة للعيد، الأوضاع الإنسانية
والاقتصادية صعبة للغاية"، منوها أن "أطفال الجيران كانوا يصعدون إلى
السيارة لمشاهدة ذبح الأضحية قبل أولادنا، ونذهب سويا نذبح أضحيتنا ومن ثم نوزع
على الأقارب والجيران والأصدقاء ونأكل منها مع أطفالنا ونجلس على مائدة واحدة".
وتابع المشهرواي: "أجواء عيد الأضحى قبل
حرب الإبادة كانت جميلة جدا، أما اليوم بعد فقدان الكثير من الناس أحبابهم
وأقاربهم ومنازلهم، مرارة الفقد أصابت الجميع والكل حزين وموجوع، الناس لا تستطيع
أن تفرح من شدة المرارة"، متسائلا باستهجان: "من منا اليوم يستطيع أن
يشتري أضحية؟، فمتوسط سعر الخروف قد يصل لـ7 آلاف دولار، وهذا مبلغ كبير جدا ومن
الصعب جدا على أناس لا مصدر دخل عندهم".
وعن أفكاره لتعويض أسرته هذه فرحة العيد التي
سلبها الاحتلال، نوه الفلسطيني الذي فقد بيته ونزح أكثر من مرة، أن "الفرحة
في العيد عبادة، لكن ماذا يمكننا أن نفعل في مثل هذه الظروف؟!، ربما نحضر لهم بعض
اللحوم المجمدة وهذا أقل ما يمكن فعله، فالأوضاع في القطاع لا توصف".