قانون جديد للأسرة يثير جدلا بالشارع المصري.. إنهاء للنزاعات أم فخ جديد؟

محللون قالوا إن بعض البنود سترفع نسبة الطلاق في مصر- عربي21
أثارت العديد من مواد مشروع "قانون الأسرة" المقدم من الحكومة المصرية إلى مجلس النواب الكثير من الجدل بالبيوت المصرية، خاصة مع ما تحمله من بنود يرى منتقدون أنها تفاقم من أزمات الأسرة والمجتمع وتخالف الشريعة الإسلامية.

تحميل الزوج الكثير من الأعباء المالية وتعريضه للحبس والغرامة، واشتراط موافقة الزوجة كتابيا على التعدد، مع حقها التقدم بطلب قضائي لفسخ عقد الزواج بعد ٦ شهور، إلى جانب العديد من المفارقات دفعت لانتقاد بنود القانون واعتباره خطرا على الأسرة المصرية.


إحدى الانتقادات جاءت تقول إن "القانون به محاولة التفاف من النظام لتمرير ملف (حظر الطلاق الشفوي)، الذي شهد سجالا واسعا عام 2017، بين شيخ الأزهر أحمد الطيب، ورئيس النظام عبدالفتاح السيسي"، إذ يقر القانون عدم الاعتداد بالطلاق الشفوي ويوجب توثيقه رسميا، وإلزام التسجيل أمام المأذون.

وضع الزوج


وعلى الرغم أن القانون وفي تحول يمنح الطرف غير الحاضن حق استضافة الطفل من يومين إلى 4 أيام شهريا، وجعل ترتيب أولوية حضانة الأب في المرتبة الثانية بعد الأم في تطور عن سابقه الذي كان يمنح الجدتين للأم وللأب الدرجة الثانية والثالثة بعد الأم، إلا أنه يقر استمرار الحضانة للأم حتى لو تزوجت من آخر إذا كان عمر الطفل لا يتجاوز 7 سنوات.

ومع أن القانون يمنح الأب الفرصتين السابقتين في الحضانة والاستضافة والرؤية، إلا أنه في المقابل وضع الزوج المطلق أمام أعباء مالية كبيرة قد تصعب عليه وفق البعض خطوة الزواج الثاني؛ إذ يلزم الزوج إخطار الزوجة الأولى عند الزواج مجددا، ويشترط موافقة الزوجة كتابيا مع حقها طلب الطلاق حال رفضها.

وتنص المادة (79) من مشروع القانون على ضرورة "إقرار الزوج أو وكيله في وثيقة الزواج بحالته الاجتماعية، وفي حال كونه متزوجا، يلتزم بذكر أسماء زوجاته القائمات في عصمته وعناوين إقامتهن، على أن يتولى المأذون أو الموثق إخطارهن بالزواج الجديد من خلال خطاب مسجل بعلم الوصول".

وضع الزوجة


وتمنح (المادة 104-105) للزوجة حق طلب فسخ الزواج قضائيا خلال 6 أشهر إذا تبين أن الزوج ادعى لنفسه ما ليس فيه (ماديا أو اجتماعيا) بشرط عدم وجود حمل أو إنجاب.

كما أضاف القانون ملحق عقد الزواج، الذي يسمح بأن يتفق الزوجان على تفويض الزوجة في تطليق نفسها، مع توقيع إقرار بالممتلكات والحقوق المالية من بداية الزواج.

وعقب الطلاق يجعل مشروع قانون الأسرة الجديد من مسكن الحضانة مكانا مخصصا للأم والأبناء فقط حتى بلوغ الأطفال 15 سنة، فيما يلزم الزوج بتقديم وثيقة تأمين لصالح الزوجة قبل توثيق عقد الزواج، تضمن لها مبلغا ماليا أو نفقة شهرية في حالات الطلاق.

وألغى مشروع القانون 5 قوانين أساسية، لتوحيد المرجعية القانونية، وتبسيط الإجراءات، وتقليل تضارب الأحكام، فيما استفاد من التكنولوجيا عبر تقنين "الرؤية الإلكترونية" لأول مرة للطرف غير الحاضن، إلى جانب إعلام الدعاوى القضائية من محكمة الأسرة إلكترونيا، وصولا إلى مرحلة التقاضي الإلكتروني.

عقوبات الزوج


ويشير البعض إلى جانب الأعباء المالية الناتجة عن القانون ومنها تدشين "صندوق دعم الأسرة"، لتوفير النفقات لضمان التزام الزوج، وتسهيل تنفيذ الأحكام، وهو ما قد يتبعه فرض قيود على المطلق، والتي تشمل منعه من استخراج الأوراق الثبوتية الحكومية مثل بطاقة الرقم القومي ورخصة القيادة وجواز السفر وغيرها من المحررات الرسمية، ملمحين إلى قرار وزارة العدل في آذار/مارس الماضي، بتعليق استفادة المحكوم عليهم في قضايا النفقة، من 34 خدمة حكومية ومهنية.

ويقر مشروع قانون الأسرة الجديد توقيع عقوبة تصل إلى الحبس ببعض الحالات، حيث ينص على معاقبة من يمتنع عن تقديم بيان الدخل الحقيقي خلال 15 يوما من طلب المحكمة بالحبس أو غرامة تتراوح بين 10 و20 ألف جنيه، أو بإحدى العقوبتين.

كما يعاقب المطلق أو من ينوب عنه بالحبس لمدة تصل إلى 6 أشهر أو غرامة، إذا لم يتم توثيق الطلاق خلال 15 يوما أو تم تقديم بيانات غير صحيحة عن محل إقامة المطلقة.

وفي حال خالف الزوج إلزام القانون له بالإقرار في وثيقة الزواج عن وجود زوجة أخرى يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز 3 أشهر وغرامة من 10 إلى 30 ألف جنيه عند الامتناع أو التزوير.

وفي تعليقه قال محامي قضايا الأسرة عبد السلام محمد: "هناك نقاط لصالح الزوج تعوضه عن أزمات سابقة، كمنحه حق الاستضافة، والحضانة بعد الزوجة، لكن القانون كما عالج الجانبين، كان أقل حرصا على تمساك الأسرة ودفع إلى انفراط عقدها".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أوضح أن "أغلب بنود القانون تأتي لصالح الزوجة، بداية من منحها حق فسخ عقد الزواج بعد 6 شهور، وحتى تنفيذ جميع قضايا الأسرة مجمعة، وجعل مسألة الحصول دخل الزوج الحقيقي في يد النيابة العامة، وإلزامه بالدفع الإجباري للنفقات وغيرها، ما يقابله حرمان الزوج من استخراج المحررات الرسمية، وتعرضه للحبس بالعديد من الأحوال".

ليس بالتشريعات والتعديلات


وفي حديثه لـ"عربي21"، توقف السياسي والبرلماني المصري ممدوح إسماعيل، حول التشريع الجديد، في عدة نقاط، أولها أن "قانون الأحوال الشخصية يخضع تماما للشريعة الإسلامية؛ وبالتالي كان يجب إن كانت هناك حاجة ملحة وضرورية لتعديل أو تشريع أن يكون الأزهر هو صاحب التشريع طبقا للمادة (٧) من الدستور التي تمنحه حق المرجعية في الشؤون الإسلامية".

وثانيا تساءل المحامي المصري: "ما الداعي لتشريع جديد وقد اكتظت منظومة تشريعات الأحوال الشخصية بمئات القوانين والتعديلات؟"، مجيبا بقوله: "الإجابة: كثرة المشاكل بطريقة مفزعة رغم كثرة القوانين؛ لذلك يقول العقل والمنطق والحكمة إن الحل ليس بقوانين جديدة".

وأشار إلى أن "الأسرة المصرية تعانى من انهيار داخلي، وظروف خارجية من ضغوط اقتصادية وفساد قيمي هما سبب كثرة المشاكل؛ وعلى ذلك يجب أن يتم الحل بمعرفة سبب الداء، وليس بكثرة الأدوية التي فشلت في العلاج".

يفسد العلاقة ويحرق الأسرة


عضو مجلس الشعب المصري سابقا، لفت ثالثا إلى أن "المشروع الجديد يمتلئ بتشريعات كلها تهدم الوجود المهيمن للشريعة، وتجعله علاقة مدنية خاضعة لاتفاق الأطراف؛ والأخطر أنها تفسد العلاقة الزوجية ولا تصلحها مثال: المادة (32)، تنص على أن يُرفق اتفاق على ما يجب في حالة الطلاق من نفقة وخلافه".

وتساءل مجددا: "كيف يستقر زواج بذلك؟"، مضيفا: "والأسوأ هو تفويض الزوجة بتطليق نفسها، وألا يتزوج الزوجة الثانية إلا بإذن كتابي من الزوجة الأولى وإلا يحق لها الطلاق".

وأضاف: "ويستمر هدم العلاقة الزوجية القائمة على المحبة بالنص في المادة (٣٣) على الذمة المالية المستقلة للطرفين"، مؤكدا أنه بهذه الطريقة "هذه شركة وليست زواجا".

وخلص للقول إن "هذا المشروع بإيعاز من السيسي الذى طالب شيخ الأزهر منذ سنوات بجعل الزواج مدنيا، وبرفض شيخ الأزهر التف السيسي عليه وجعل منه مشروع قانون يتم عرضه على برلمان تم اختياره وتعيينه من أجهزة السيسي الأمنية".

وختم مؤكدا أن "هذا المشروع سيحرق الأسرة المصرية كما حرق السيسي، اقتصاد مصر ومكانة مصر".

خارج منظومة الفطرة


وفي قراءته للقانون، قال الأمين العام لمؤسسة "منارة" للتعليم والثقافة محمد عوف: "من أكبر الجرائم أن يستبدل الإنسان منظومة الفطرة التي أنزلها الله - التي تناسب الإنسان وتتوافق مع طبيعته وتحقق سعادته- بمنظومات بشرية قاصرة ومنحرفة، ثم يأتي يشتكي الأزمات تلو الأزمات ويدخل دوامة البحث عن علاج لا تنتهي إلا بمزيد الألم والإرهاق".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أشار إلى استبدال الأنظمة العلمانية الحاكمة لبلادنا العربية المسلمة، المنظومة الإسلامية في الحياة العامة، والتي تقوم على الأخلاق وتجعل الرادع الأول للإنسان داخليا وهو الخوف من الله، وليس القانون هو الرادع الأول".

وأكد أن "الزواج في الإسلام ينجح وفق تلك المنظومة الروحية الأخلاقية، من بدايته التي تؤكد على اختيار الزوج التقي والزوجة الصالحة، ثم هي تُقر أن علاقة الزوجين هي المودة والرحمة في المقام الأول وليست الحقوق والقوانين والتي تأتي في النهاية".

ويرى أن "سن النظام المصري قوانين جديدة للحد من مشكلات الزواج ليس إلا إصرارا على السير بطريق الهاوية"، مؤكدا أن "القوانين المقترحة تتعامل مع الأسرة وكأنها مؤسسة حكومية أو ماكينة صماء تضبطها قوانين الفيزياء والرياضيات الجافة وليس باعتبارها أرواح وأنفس تجمعها الألفة والمودة والرحمة والسكينة".

ويعتقد عوف، أن "تلك القوانين ستكون عواقبها وخيمة على المجتمع والأسرة معًا"، موضحا أننا "أمام محاولة لاستنساخ التجربة التركية القديمة التي أدت لتفكك الأسرة وشيخوخة المجتمع وانحراف الشباب، بينما تحاول تركيا اليوم بكل قوتها الهروب منها والعودة للمنظومة الإسلامية لعلاجها؛ ومصر اليوم تستورد بضاعة فاسدة لفظها الآخرون، لتعالج بها أعراض المشكلات لا منبتها".

وأعرب عن مخاوفه من أن "تصرف تلك القوانين الشباب عن الزواج فلا أسرة من الأساس، وأن تعمل على انتشار الجرائم الأسرية وزيادة العنف ضد المرأة، وانحراف الأطفال وتعرضهم للأذى المادي والنفسي".

ولأسرة مستقرة سعيدة، قال الداعية المصري: "علينا العودة لمنظمومة الإسلام في الحياة العامة، فالأسرة ليست جزيرة منعزلة داخل الدولة، وعلينا أن ندرك أن سعادة الأسرة تبدأ من تربية الإنسان (الرجل والمرأة ) على فهم رسالة الزواج وتحمل مسؤولياته وإحياء قيم السكن والمودة والرحمة التي جاء بها الإسلام".

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي رفض مراقبون وكتاب ومهتمون بشأن الأسرة بعض بنود التشريع الجديد، معتبرين أنها تهدم الأسرة وليست لصالح المجتمع.

وبينما أكد السياسي محمد عوض، أن إعطاء المرأة حق فسخ عقد الزواج خلال ٦ أشهر يعني مطلقات لا حصر لهن، قال الباحث الإعلامي خالد الأصور، إن مشروع قانون الأسرة "تخريب ممنهج للعلاقات الأسرية".


وتحت عنوان: "بلاها زواج"، قال الكاتب والأكاديمي أحمد سالم: إذا تم إقراره سيؤدى لعزوف الشباب عن الزواج، ويضرب مؤسسة الزواج من المنبع، ويضرب قيم الأسرة.

وكتب رئيس تحرير موقع "حوارات الشريعة والقانون" حازم علي ماهر: "في وقت تتهاوى فيه الأسرة على مستوى العالم بمخطط إبستيني، لا بد من التحوط عند إصدار قانون جديد للأحوال الشخصية حتى لا يتحول إلى قانون (أهوال) شخصية، يسرّع بشدة من تصدع الأسرة وتفكيكها".

ودعا إلى "طرح مشروع القانون لمدة عام للمناقشة المجتمعية؛ الشرعية والقانونية والقضائية"، مؤكدا أن "البوادر غير مطمئنة حتى الآن، وأرجو ألا تتم الموافقة على المشروع كما هو وإلا فالطامة الكبرى... ".