إجابة عن السؤال المستحيل.. موقع بيتك في عصر الديناصورات أصبح معروفا

البيانات تساعد الباحثين مستقبلا على فهم أفضل لأحداث الانقراض - جيتي
أتاحت أداة علمية تفاعلية جديدة للناس فرصة غير مسبوقة لمعرفة الرحلة الجيولوجية التي قطعتها منازلهم ومدنهم عبر مئات الملايين من السنين، بعدما نجح باحثون في إعادة رسم تحركات قارات الأرض منذ زمن الديناصورات.

وكشفت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية أن العلماء أصبحوا قادرين أخيرا على الإجابة عن سؤال طالما أثار فضول كثيرين حول العالم: أين كان يقع منزلك الحالي عندما كانت الديناصورات تجوب الأرض؟، وذلك بعد تطوير خريطة تفاعلية مذهلة ترصد التحركات الهائلة التي شهدتها قارات الكوكب خلال الـ320 مليون سنة الماضية.

وأشارت الصحيفة إلى أن باحثين من جامعة أوتريخت الهولندية ابتكروا أداة علمية جديدة تحمل اسم "باليو لاتيتيود"، وهي منصة رقمية تعتمد على واحد من أكثر النماذج الجيولوجية تعقيدا في العالم، وتتيح للمستخدمين تتبع الرحلة التاريخية لأي موقع على سطح الأرض منذ زمن القارة العملاقة "بانجيا" وحتى يومنا هذا.

وتابعت "ديلي ميل" أن المستخدم يستطيع ببساطة اختيار أي نقطة على الخريطة، سواء كانت منزله أو مدينته، ثم العودة عبر ملايين السنين ليشاهد كيف تحركت الصفيحة التكتونية الموجودة أسفل هذا الموقع، والمسافات التي قطعتها عبر العصور المختلفة حتى استقرت في مكانها الحالي.

وأضافت الصحيفة أن الأداة لا تعرض مجرد خريطة ثابتة، بل تقدم رسما بيانيا تفصيليا يكشف خطوط العرض التي كان يقع عندها هذا الموقع في فترات زمنية متباعدة، وهو ما يمنح صورة أوضح عن طبيعة المناخ والبيئة التي كان يعيش فيها هذا الجزء من الأرض في الأزمنة السحيقة.

ولفتت "ديلي ميل" إلى أن النتائج جاءت مدهشة بشكل كبير، إذ أظهرت البيانات أن الصخور التي تقوم عليها مدينة لندن حاليا كانت قبل 320 مليون سنة تقع عند خط عرض 6 درجات جنوب خط الاستواء، ما يعني أن العاصمة البريطانية كانت أقرب كثيرا إلى المناطق المدارية.

وفي مثال آخر أكثر غرابة، كشفت الخريطة أن سريلانكا التي تعرف اليوم بطقسها شبه الاستوائي الدافئ، كانت في الماضي البعيد تقع قرب المياه المتجمدة المحيطة بالقارة القطبية الجنوبية، في دلالة واضحة على الرحلات الجيولوجية العنيفة التي قطعتها بعض مناطق الأرض.

ونقلت الصحيفة عن البروفيسور داوي فان هينسبرغن، الباحث الرئيسي في المشروع، قوله إن الصخور التي يعود عمرها إلى نحو 250 مليون سنة في إنجلترا وهولندا تشير إلى أن هاتين المنطقتين كانتا تقعان داخل بيئة صحراوية تحيط بها بحار استوائية ضحلة، وهو مناخ يشبه إلى حد بعيد مناخ شبه الجزيرة العربية والخليج الفارسي في الوقت الحالي.

وأوضح أن هذا يعني أن إنجلترا وهولندا لم تكونا فقط أكثر حرارة، بل كانتا موجودتين عند خطوط عرض مماثلة تقريبا للمناطق العربية اليوم، وهو ما يفسر طبيعة الرواسب الصحراوية التي اكتشفها العلماء داخل تلك الصخور القديمة.

وأكدت "ديلي ميل" أن ما يمنح هذه الأداة أهمية استثنائية هو أنها لا تعتمد على تصور تقريبي فقط، بل تستند إلى إعادة بناء دقيقة لتحركات سلاسل الجبال والصفائح التكتونية والقارات التي اختفت من الوجود منذ ملايين السنين.

وأشارت إلى أن العلماء تمكنوا من إعادة رسم مسارات قارات مفقودة بالكامل مثل "أدريا الكبرى" و"تيثيس هيمالايا" و"أرغولاند"، وهي كتل قارية لم يعد لها وجود واضح حاليا لكنها تركت بصماتها داخل الصخور المطوية في سلاسل جبلية معقدة.

وتابعت الصحيفة أن الفريق البحثي استخدم تقنيات جيولوجية متقدمة تقوم على "فرد" الصخور المطوية وإعادتها إلى وضعها القديم قبل اصطدام الصفائح، ثم مقارنة ذلك بالبصمات المغناطيسية المحفوظة داخل الصخور، والتي تعمل كسجل طبيعي يكشف اتجاه المجال المغناطيسي للأرض وقت تكوّنها، ومن ثم يحدد خط العرض الذي نشأت عنده.

وأضافت "ديلي ميل" أن دمج هذه البيانات سمح للعلماء بتتبع الرحلة الكاملة التي قطعتها تقريبا كل صخرة على سطح الأرض منذ أيام القارة العملاقة بانجيا حتى العصر الحديث.

وكشفت الصحيفة أن الهند كانت من أكثر المناطق التي شهدت تحولات دراماتيكية، إذ تشير الحسابات إلى أن شمال شرق الهند كان قبل مئات الملايين من السنين قريبا جدا من القارة القطبية الجنوبية، قبل أن يبدأ اندفاعه شمالا بسرعة وصلت إلى نحو 20 سنتيمترا سنويا، وهي سرعة وصفها العلماء بأنها صاروخية بمقاييس الحركة الجيولوجية.

وفي المقابل، أوضحت أن منطقة البحر الكاريبي ظلت مستقرة نسبيا عند خطوط العرض المدارية نفسها طوال نحو 150 مليون سنة، وهو ما جعلها من أقل مناطق العالم تغيرا من حيث الموقع المناخي.

وأكدت "ديلي ميل" أن أهمية هذه الخريطة لا تقتصر فقط على إشباع فضول المستخدمين لمعرفة أين كانت تقع منازلهم في زمن الديناصورات، بل تمتد أيضا إلى منح العلماء أداة بالغة الأهمية لفهم تاريخ المناخ والتنوع البيولوجي والحياة القديمة على سطح الأرض.

فمن خلال معرفة خط العرض القديم لأي منطقة، يصبح بالإمكان تحديد مقدار الطاقة الشمسية التي كانت تصل إليها، وبالتالي تفسير نوع الكائنات التي عاشت فيها، وطبيعة الحفريات المكتشفة هناك، وكيفية تحرك الحيوانات القديمة وعلى رأسها الديناصورات بين القارات المختلفة.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه البيانات ستساعد الباحثين مستقبلا على فهم أفضل لأحداث الانقراض الجماعي التي شهدها الكوكب، وكيف تفاعلت الكائنات الحية مع التحولات المناخية الكبرى، بل وقد تمنح تصورا أوضح لكيفية تأقلم الحياة مع التغيرات المناخية المنتظرة مستقبلا.

واختتمت "ديلي ميل" بالإشارة إلى أن الفريق العلمي يخطط لتوسيع هذا النموذج خلال الفترة المقبلة بحيث لا يتوقف عند حدود 320 مليون سنة، بل يعود إلى نحو 550 مليون سنة، أي إلى المراحل الأولى التي شهدت الانفجار الكبير للحياة المعقدة على سطح الأرض.