في صباح هادئ بقلب العاصمة
المغربية،
الرباط، كان عادل يقف أمام بوابة مؤسسة عمومية، يحمل في يده قفازا بلاستيكيا وأوراقا تثبت حضوره، لم يكن موظفا، ولا متطوعا بالمعنى التقليدي، بل شابا يقضي
عقوبة "العمل للمنفعة العامة" عقب إدانته في قضية جنحية، حيث يراقب المارة بنوع من الحذر، كأنه يستفسر: هل هو داخل العقوبة أم خارجها؟.
قبل أشهر قليلة، كان اسمه ضمن لائحة متابعين قضائيا وكان احتمال السجن قائما.
اليوم، يقضي عقوبته وسط المجتمع في إطار العمل للمنفعة العامة؛ يخرج كل صباح، يوقّع حضوره، يعمل لساعات، ثم يعود إلى منزله، ويعيد ترتيب علاقته بنفسه أيضا، ويقول: "كنت على وشك الدخول للسجن، الآن أحاول تصليح غلطي أمام الناس".
في الجهة الأخرى، يعيش عمر قصّة تكاد تكون متطابقة في بدايتها، لكنها انتهت بشكل مختلف تماما، داخل زنزانة مكتظة، حيث تختلط الأصوات والوجوه، يقضي أيامه في انتظار نهاية عقوبة حبسية قصيرة، وتقول أخته: "تمنّينا لو طُبّقت عليه العقوبات البديلة، ولكنّه في حالة عود".
العقوبات البديلة.. بين وعد الإصلاح وحدود الواقع
حين دخل
القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة حيز التنفيذ في آب/ أغسطس 2025، لم يُقدَّم فقط كإجراء قانوني جديد، بل كتحول في فلسفة العدالة الجنائية في المغرب، الفكرة الأساسية التي حملها القانون كانت بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في جوهرها: "ليس كل خطأ يجب أن يؤدي إلى السجن، وليس كل عقاب يجب أن يكون عزلا".
القانون، آنذاك، فتح الباب أمام بدائل متعددة، مثل العمل للمنفعة العامة، والغرامة اليومية، وتقييد بعض الحقوق، والمراقبة الإلكترونية.
وهي بدائل تقوم على منطق مختلف: بدل إبعاد الجاني عن المجتمع، يتم إبقاؤه داخله، لكن بشروط، وبمسؤوليات، وبنوع من "العقوبة المفتوحة" التي لا تُمارس خلف القضبان، بل أمام أعين الجميع.
هذا التحول، وفقا للدليل الإرشادي لقضاة النيابة العامة حول تنفيذ العقوبات البديلة، الذي اطّلعت عليه "عربي21" يعكس توجّها عالميا في السياسات الجنائية، إذ لم يعد السجن يُنظر إليه دائما كالحل الأكثر فعالية.
بل على العكس، بحسب الدليل نفسه، فإنّ تجارب عديدة تشير لكون السجن، في بعض الحالات، قد يعمّق المشكلة بدل حلّها، عبر خلق قطيعة مع المجتمع، وفقدان العمل، وتفكك العلاقات الأسرية.
لكن في المغرب، كما يظهر من خلال الأشهر الأولى للتطبيق، لم يتحول هذا الطموح بعد إلى ممارسة واسعة.
وفي كلمة له خلال مراسم افتتاح السنة القضائية 2026 بالرباط، وعقب مرور أربعة أشهر على تنزيل العقوبات البديلة، قال الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب، محمد عبد النباوي، إن "المحاكم أصدرت منذ انطلاق العمل بالقانون الجديد للعقوبات البديلة في 8 آب/ أغسطس الماضي وحتى نهاية سنة 2025، نحو 1001 حكم بعقوبات بديلة شملت 1077 مدانا".
وأضاف أنّ: "هذه العقوبات توزعت بين 490 عقوبة بالغرامة اليومية (45 بالمئة)، و330 حكما بالعمل للمنفعة العامة (31 بالمئة)، و245 عقوبة بتقييد الحقوق أو تدابير رقابية وعلاجية (23 بالمئة)، بينما لم تتجاوز المراقبة الإلكترونية 12 حالة (1 بالمئة)".
وفيما يخص الالتزام بالتطبيق، أوضح عبد النباوي أنه تم تسجيل 20 إخلالا في التنفيذ؛ منها 13 حالة تتعلق بالعمل للمنفعة العامة، وحالة واحدة بالقيد الإلكتروني، وحالات أخرى بخرق تدابير رقابية. مبرزا أنّ: "5 أشخاص ارتكبوا جرائم أخرى خلال فترة قضائهم للعقوبات البديلة".
وأشار الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب إلى تسجيل امتناع 31 محكوما عليهم عن تنفيذ العقوبة البديلة، بينهم 21 محكوما بغرامة يومية، و10 أحكام بتقييد الحقوق.
أيضا، في تقريرها السنوي، بيّنت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج استمرار التحديات المرتبطة بالاكتظاظ، رغم الجهود المبذولة في تطوير البنيات التحتية وتحسين ظروف الإيواء والخدمات.
غير أن المعطى الأكثر دلالة هو استمرار ارتفاع عدد المعتقلين الاحتياطيين، إلى جانب تسجيل نسب مهمة من العود إلى الجريمة.
اعتراف رسمي.. وأرقام تطرح الأسئلة
"وتيرة تنزيل العقوبات البديلة لا ترقى إلى المستوى المطلوب" بهذه الجملة صرّح وزير العدل المغربي، عبد اللطيف وهبي، ليعكس بذلك صورة غير متفائلة بالكامل؛ في سياق تقييم أولي لتطبيق القانون.
كما أشار وزير العدل إلى وجود فجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي، تعكس الأرقام هذا التعثّر بوضوح؛ إذ لم يتجاوز عدد المستفيدين من الغرامة اليومية 926 شخصا، بينما بلغ عدد المستفيدين من العمل للمنفعة العامة 794 شخصا، و385 حالة لتقييد بعض الحقوق، كما لم تتجاوز العقوبات المرتبطة بالجرائم الإلكترونية 18 حالة فقط.
هذه الأرقام، رغم أهميتها، تبدو محدودة جدا إذا ما قورنت بحجم القضايا الجنحية المعروضة على محاكم المملكة المغربية، أو بعدد الأشخاص الذين يدخلون السجون سنويا، وهو ما يطرح السؤال: إذا كان القانون يتيح هذه البدائل، فلماذا لا تُستخدم بشكل أوسع؟.
قانون لتخفيف الاكتظاظ.. دون أثر واضح
هذه المفارقة وفقا للمعطيات التي اطّلعت عليها "عربي21" تجعل من الصعب الحديث عن أثر فعلي للعقوبات البديلة على المدى القصير (ما يناهز 8 أشهر). فحتى لو استمرت وتيرة التطبيق الحالية، فإنها لن تكون كافية لإحداث تغيير ملموس في بنية الاكتظاظ السجني.
ولفهم أسباب هذا البطء، لا يكفي النظر إلى الأرقام فقط، بل يجب العودة إلى طبيعة المنظومة الجنائية ككل. فحسب رئيس شعبة القانون العام والعلوم السياسية، سعيد خمري، فإن: "المشكلة لا تتعلق فقط بنوع العقوبة، بل بغياب مقاربة شاملة للإدماج".
وأوضح خمري، في مداخلة له خلال الجلسة الافتتاحية لمشروع "تأهيل نحو عدالة بديلة للشباب بالمغرب"، أنّ: "عدد المعتقلين الاحتياطيين مرتفع، وحالات العود في تكرار الجريمة مرتفعة أيضا، ما يعني أن هناك فشل في الإدماج، لكونها مرتبطة بعوامل كثيرة من بينها الاجتماعي والاقتصادي والنفسي وأيضا الديني".
وتابع: "ينبغي العمل بدراسات ميدانية سوسيولوجية واقعية لتكشف لنا على أرقام وبيانات، وهذا دور الباحثين من أجل تقريب العدالة الجنائية وسياسة الإدماج في المغرب لجعلها ذات بعد تصالحي أكثر من كونه زجري".
حين يصبح السجن الخيار الأسهل
من منظور علم النفس، يوضح المختص محمد حبيب أنّ هناك ميلا عاما نحو العقوبات التقليدية، لأنها واضحة ومألوفة، مردفا في حديثه لـ"عربي21" أنّ: "السجن يعطي انطباعا فوريا بأن العدالة تحققت، بينما تتطلب العقوبات البديلة ثقة أكبر في النظام، وفي آليات التتبع، وفي قدرة الجاني على التغيير".
وأكّد حبيب أنّ العقوبات البديلة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عقوبة مخففة أو شكلا من التساهل، بل هي مقاربة مختلفة في التعامل مع السلوك الإجرامي، تقوم على الربط بين المحاسبة والإصلاح وإعادة الإدماج، في مقابل السجن الذي يعزل الجاني عن المجتمع.
وتابع المتحدّث نفسه لـ"عربي21" بكون فعالية العقوبة لا تُقاس بمدى قسوتها، بل بقدرتها على الحد من تكرار الفعل الإجرامي، وهو ما يجعل العقوبات البديلة ذات أهمية خاصة، لأنها تضع الجاني أمام مسؤولية مباشرة داخل المجتمع، وتدفعه إلى مواجهة نتائج أفعاله عبر آليات عملية مثل العمل لفائدة المجتمع أو الخضوع لبرامج علاجية أو تكوينية أو اجتماعية.
غير أنّه يستدرك بالتأكيد على ضرورة الحذر في التعميم، موضحا أنّ هذه العقوبات لا تناسب جميع الحالات ولا كل الجرائم، وأن نجاحها يظل مرتبطا بحسن اختيار المستفيدين، وتوفر تقييم نفسي واجتماعي دقيق، إضافة إلى مواكبة فعلية ومستمرة، وليس مجرد استبدال شكلي لعقوبة السجن بعقوبة أقل حدّة.
وأكّد المختص النفسي في ختام حديثه لـ"عربي21" أنّ: "العقوبة البديلة تنجح عندما تكون جزءا من مسار إصلاحي، لا مجرد إجراء إداري لتعويض السجن؛ لكن بطء التطبيق لا يفسر نفسيا فقط. هناك عوامل أخرى، منها الحاجة إلى تكوين القضاة والمهنيين، وإعداد مؤسسات الاستقبال، ووضع آليات التتبع، وتوفير موارد بشرية متخصصة، وبناء ثقة المجتمع في هذه العقوبات".
الفجوة الصامتة..
"كل يوم آتي إلى هنا، أشعر أنّ أشياء كثيرة تتغّير بداخلي" بهذه الجملة، اختصر عادل جوهر العقوبة البديلة؛ إذ أنّها بالنسبة إليه لم تكن مجرد بديل عن السجن، بل تجربة مختلفة تماما. حيث لم ينفصل عن أسرته، لكنه لم يُعف من المحاسبة.
في مقابل هذه الحالات، توجد فئة أخرى لا تظهر كثيرا في الأرقام الرسمية: أولئك الذين كان يمكن أن يستفيدوا من العقوبات البديلة، لكنهم لم يفعلوا.
قصص هؤلاء تُروى غالبا داخل البيوت، بعيدا عن التقارير الرسمية. أب يتساءل في حديثه لـ"عربي21": لماذا لم يُمنح ابنه نفس الفرصة، وشاب آخر يخرج من السجن دون أن يفهم لماذا كان مصيره مختلفا عن غيره.
إلى ذلك، هذه الفجوة بين الإمكانية القانونية والتطبيق الفعلي لا تزال تطرح سؤال العدالة في أعمق معانيها: هل الجميع متساوون في فرص الاستفادة؟؛ كما أنّه بالنسبة لمن استفادوا من العقوبات البديلة، لا تنتهي القصة عند تنفيذ العقوبة. فالتحدي الأكبر ينطلق بعدها، وهو ما يعرف قانونيا باسم: "إعادة الإدماج".
وبحسب عدد من الشباب، تحدّثوا لـ"عربي21" فإنّه: "في حالات كثيرة، يواجه الأشخاص رفضا في العمل، أو قيودا قانونية، أو نظرة اجتماعية سلبية. ما يجعل العقوبة، بشكل غير مباشر، تمتد إلى ما بعد نهايتها الرسمية". بينهم محمد الذي نجح في اجتياز امتحان المحاماة قبل أن يُرفض طلبه بسبب سوابقه، تعكس هذا الإشكال بوضوح: "انتهت العقوبة.. لكنّ الاعتبار لم يُردّ، والوصم المجتمعي قائم".
وبحسب تصريحات الشباب أنفسهم، فإنّه يبدو أنّ: "تعثر العقوبات البديلة في المغرب لا يمكن تفسيره بعامل واحد. هو نتيجة تداخل عوامل قانونية، مؤسساتية، نفسية، واجتماعية؛ إذ القانون موجود، لكن التنفيذ لا يزال في بدايته".
جرّاء ذلك، ومع نهاية اليوم، يغادر عادل مكان عمله، يمرّ بين الناس دون أن يلتفت إليه أحد. يبدو عاديا، لكنه يعرف أنه ليس كذلك تماما. حصل على فرصة، ويحاول أن يستحقها. في مكان آخر، يواصل عمر انتظار نهاية عقوبته السّجنية.