الغارديان: ترامب يجسد الشر في صورته الأكثر عبثية وقسوة

ترامب لا يلتزم بالنموذج الفاشي التقليدي - البيت الأبيض
في وقت تتصاعد فيه مشاهد العنف والدمار في عدة مناطق، من غزة إلى إيران وجنوب لبنان، تتزايد التحذيرات من نمط سياسي يوصف بالعبثي والخطير، تقوده سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط اتهامات بأن هذا النهج لا يستند إلى استراتيجية واضحة.

وأكدت الكاتبة نسرين مالك، في مقال رأي نشرته صحيفة الغارديان، أن رئاسة دونالد ترامب تمثل تجسيدًا للشر، ووصفتها بأنها حالة غريبة ومخيفة وقاسية في آن واحد.

واستهلت الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أن مجموعة من الصور تتابعت في ذهنها خلال الأسابيع الماضية، بعضها يعود إلى أفلام لم تشاهدها منذ طفولتها، وأخرى مستمدة من أعمال أدبية وفنية أيقونية، موضحة أن القاسم المشترك بين هذه الصور هو أنها تعكس شرًا مفرطًا يكاد يصل إلى حد الابتذال.

وأشارت إلى أن تلك الصور بدت وكأنها تحاول تجسيد واقع دموي قاسٍ يسعى عقلها إلى استيعابه، لافتة إلى مشاهد الجثث التي تُنتشل من تحت الأنقاض في غزة، وقصف مدرسة تضم تلاميذ صغارًا في إيران، فضلًا عن تهجير أكثر من مليون شخص من جنوب لبنان وطردهم من منازلهم.

وتابعت أن تأثير هذه الصور عليها يشبه مشهد أليكس في فيلم "البرتقالة الآلية" حيث يظهر بعينين مفتوحتين على اتساعهما، يقطر منهما سائل، وغير قادر على التخلص مما يحرق بصره، معتبرة أن ما يثير الحيرة في هذه القسوة ليس فقط حجمها، بل كيفية مرورها بشكل عرضي والتعامل معها باستخفاف، لتشبه في ذلك مشهدًا يقف فيه ترامب كأنه مهرج يحوم فوق سيرك من الموت والفوضى.

وأضافت أن هذا التصور يستدعي أيضًا صورة الدمية “بيلي” ذات الوجه المهرج في فيلم "المنشار"، وهي تقول بصوت أجش: “أريد أن ألعب لعبة”، موضحة أن مشكلة ترامب الأساسية تكمن في صعوبة ربط أفعاله بأي استراتيجية واضحة، سواء تعلق الأمر بالحروب أو بسقوط الضحايا الأبرياء أو حتى تهديده بإبادة حضارات كاملة، إذ تبدو هذه الأفعال وكأنها تعيد تشكيل العالم دون أن تستند إلى خطة محكمة، وإنما تحركها دوافع عابرة وأحقاد شخصية.

وأوضحت الكاتبة أن عددًا من المعلقين أساءوا فهم ترامب عندما اعتبروه غير خطير، استنادًا إلى كونه لا يتبنى رؤية أيديولوجية واضحة ولا يحمل سمات المستبدين التقليديين الذين ارتبطت صورهم تاريخيًا بالشر المطلق، مشيرة إلى الجدل الدائر حول ما إذا كان ترامب فاشيًا بالفعل أم لا.

وفي هذا السياق، لفتت إلى ما كتبه الكاتب بارتون سويم في صحيفة وول ستريت جورنال، حيث اعتبر أنه لا يمكن وصف شخص بأنه فاشي دون قصد، مضيفًا أن ترامب قد يكون شخصية غير مناسبة ومتناقضة ومثيرة للغضب، لكنه ليس فاشيًا بأي حال.

وتابعت أن ترامب لا يلتزم بالنموذج الفاشي التقليدي، فهو لا ينظم تجمعات جماهيرية ضخمة، ولا يرتدي زيًا عسكريًا، ولا يلقي خطابات حماسية من شرفات أمام حشود تلوح بالأعلام، كما أنه لم يقم حتى الآن بإلغاء الدستور أو تقويض الديمقراطية، واصفة إياه بأنه شخصية فوضوية أقرب إلى الكوميديا، تنكشف حقيقتها في نوبات الغضب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في خطاباته الطويلة المتشعبة التي تفتقر إلى الوعي الذاتي.

وأضافت أنه قد يتحدث عن الحرب على إيران وهو يقف بجوار أرنب عيد الفصح العملاق، وينشر صورًا لنفسه في هيئة السيد المسيح، لكنه في النهاية يتراجع في اللحظة الأخيرة، مشبهة سلوكه بشخصية "ويلر" في فيلم "العودة إلى أوز" ، التي تصرخ وتضحك وتطارد ضحاياها ثم تنسحب عندما تتعرض للألم.

وتساءلت الكاتبة عما إذا كان هذا النمط هو جوهر الشر ذاته، موضحة أن هذا الشر لا يعكس طموحات عظيمة أو مشاريع كبرى، بل يعبر عن ضيق أفق وخوف عميق، حيث تصبح عواقب العنف ثانوية مقارنة بالشعور بالرضا الذي ينتج عن ممارسته.

وأشارت إلى أن سلوك ترامب، من تضخيم مستمر لذاته، إلى ضغائنه تجاه خصومه السياسيين، وغضبه من تحدي وسائل الإعلام له، ووعوده بالانتقام من النظام الإيراني، يعكس محاولة دائمة لمحو شعور داخلي بالإذلال والخوف من التراجع، مشبهة ذلك بلوحة "زحل يلتهم ابنه" التي تجسد أسطورة التهام الأب لأبنائه خوفًا من الإطاحة به.

وأكدت أن الشر لا يشترط أن يكون ضخمًا أو مهيبًا، بل قد ينبع من أشياء تبدو صغيرة أو تافهة، مستشهدة بما حدث عام 1932 عندما أجرت الصحفية دوروثي طومسون مقابلة مع أدولف هتلر، حيث اعتقدت في البداية أنها أمام ديكتاتور ألمانيا المستقبلي، لكنها خلال أقل من دقيقة أدركت ضآلة هذا الرجل رغم صعوده.

وأضافت كذلك ما كتبته الصحفية باربرا غريزوتي هاريسون في صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” عن بينيتو موسوليني، عندما وصفته بالمهرج الذي يستعرض قوته بخطابات متكلفة وحركات مبالغ فيها، مؤكدة أن كون الشيء سخيفًا لا يعني أنه غير خطير.

وتابعت مالك أن البشر يميلون إلى التعامل مع التاريخ بجدية وتماسك، وهو ما يجعل من الصعب تطبيق النظرة نفسها على الحاضر، موضحة أن العقل البشري يجد صعوبة في استيعاب الشر عندما يأتي في صورة هزلية، وهو ما يسمح له بالتسلل تدريجيًا، ويجعل الناس يتساءلون لاحقًا كيف سمح بحدوث جرائم كبرى في الماضي.

وأشارت إلى أن الشر نادرًا ما يأتي في الصورة النمطية للشرير، بل يظهر في أشخاص محطمين تكمن قوتهم في رغبتهم الجامحة في إصلاح أنفسهم مهما كانت العواقب، لافتة إلى أن خطورة ترامب لا تنفصل عن امتلاكه أدوات قوة هائلة، بينها قدرات تدميرية كبرى، إلى جانب نزعة واضحة نحو التصعيد.

واستشهدت في هذا السياق بقول الشاعر جون ميلتون: “خير لي أن أملك في الجحيم من أن أخدم في الجنة”، معتبرة أن الشر يتشكل من مزيج معقد يجمع بين العبث واللامبالاة والهشاشة من جهة، والإصرار والنهم والوحشية من جهة أخرى.

وتطرقت الكاتبة إلى مثال آخر من الثقافة الشعبية، وهو سلسلة أفلام" التطهير" ، التي تدور حول إقرار قانون يسمح بارتكاب جميع الجرائم لمدة 12 ساعة سنويًا بهدف “تنفيس” العنف، موضحة أن الناس في هذه السلسلة لا يكتفون بالقتل، بل يحولونه إلى طقس احتفالي عبر ارتداء أزياء وأقنعة ووضع موسيقى صاخبة.

ورأت أن الرسالة التي تقدمها هذه الأفلام هي أن الجريمة لا تشبع النفس إلا إذا اقترنت بالأداء والاستعراض، وأن القوة أثناء ارتكابها تنبع من التعامل معها باستخفاف، وكأنها لعبة، بحيث لا يكون الفعل ذاته هو الأهم، بل الإذن الممنوح بارتكابه.

وأضافت أن هذا النمط يظهر في سياسات مثل ممارسات وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، حيث لا يقتصر الأمر على تفريق العائلات وتدمير حياتهم، بل يتم تقديم ذلك في صورة احتفالية، مع صور دعائية لترامب، من بينها ظهوره بجوار تماسيح ترتدي قبعات الوكالة، وإشارات ساخرة مثل “ألكاتراز التمساح” المكتوبة بأسلوب يشبه ملصقات الأفلام.

واختتمت الكاتبة بالتأكيد على أنه لا يوجد ما يبرر أو يخفف من هذا النوع من “الشر المبهج”، مشددة على أنه لا يمكن التقليل من خطورته بدعوى أنه غير أيديولوجي أو يفتقر إلى هدف استراتيجي واضح، محذرة من أن القسوة والعنف اللذين يطلقهما ترامب، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، يستندان إلى سوابقه ويترسخان بمرور الوقت، ولا يمكن مواجهتهما إلا بحزم وإلحاح، وإلا فإنهما قد يقضيان على كل شيء.

واستشهدت في ختام مقالها بعبارة لشخصية باتريك بيتمان، التي جسدها كريستيان بيل في فيلم "مريض نفسي أمريكي" ، حيث يقول: "ألمي دائم وحاد، ولا أتمنى عالما أفضل لأحد، بل أريد أن يلحق ألمي بالآخرين، ولا أريد أن ينجو منه أحد".