أثار الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب خلال الأيام الماضية، غضبا داخل الكنيسة الكاثوليكية، عقب انتقادات علنية وجهها لبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (أول بابا أمريكي).
ولم يأت الخلاف بين البابا وترامب مفاجئا، إذ سبقه تباين كبير في وجهات النظر بين الرئيس الأمريكي، والأساقفة في عدة قضايا سياسية ومجتمعية هامة.
ترامب الذي قال في تصريحات سابقة إنه قدّم للمسيحية ما لم يقدمه أي رئيس أمريكي أسبق، يجد نفسه اليوم في صدام مباشر مع الكنيسة الكاثوليكية.
شرارة الصدام.. حرب إيران
انطلقت شرارة الصراع المباشر في أعقاب الحرب على إيران بمشاركة الاحتلال الإسرائيلي في 28 شباط/ 2026. حيث انتقد
البابا ليو الرابع عشر العملية العسكرية بشدة، واصفاً الإنفاق العسكري الضخم بأنه عمل "طغاة" يدمرون العالم، داعياً من رحلته الأفريقية (التي شملت الجزائر والكاميرون وأنغولا في نيسان/ 2026) إلى وقف ما أسماه "دوامة الموت والخراب".
رد الرئيس ترامب بهجوم شخصي حاد، واصفاً البابا بأنه "ضعيف في مواجهة الجريمة" و"سيء في السياسة الخارجية"، ومتهماً إياه بتبني أجندة "ليبرالية متطرفة".
صورة "المسيح" والانتفاضة الأسقفية
تفاقمت الأزمة عندما نشر ترامب صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهره بملامح "السيد المسيح" وهو يضع يده على رأس رجل، مما أثار غضباً كنسياً عارماً.
ورغم قيام البيت الأبيض بحذف الصورة لاحقاً مع الادعاء بأنها كانت تصور "طبيباً"، إلا أن الأوساط الدينية اعتبرتها تدنيساً للمقدسات وتوظيفاً سياسياً رخيصاً للإيمان.
أدى هذا الهجوم إلى توحد "تاريخي" للأساقفة الأمريكيين؛ حيث أصدر المطران بول س. كواكلي، رئيس مؤتمر الأساقفة (USCCB)، بياناً حازماً أكد فيه أن البابا ليس "خصماً سياسياً" بل هو خليفة المسيح الذي يتحدث بصدق الإنجيل.
وطالب المطران روبرت بارون باعتذار رسمي، متسائلاً بلهجة تحدٍّ: "هل سيختار الكاثوليك في أمريكا البابا أم الرئيس؟".
كما انتقد الكاردينال بليس كوبيتش (شيكاغو) تهميش صوت البابا، معتبراً إياه "هجوماً على الكنيسة نفسها"، وهو ما عززه الكاردينال جوزيف توبين بوصف التصرفات الرئاسية بأنها "نقص مبرح في الاحترام" لإيمان الملايين.
ملفات أشعلت المواجهة
بالعودة إلى الوراء، رصدت "عربي21" 10 ملفات أشعلت العلاقة بين ترامب والكنيسة، بعضها حدث في الولاية الأولى للرئيس الجمهوري المثير للجدل (2017-2021).
الهجرة والترحيل الجماعي
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أصدر مؤتمر الأساقفة الكاثوليك الأمريكيين (USCCB) "رسالة رعوية خاصة" هي الأولى من نوعها منذ 12 عاماً، أدان فيها بشدة "الترحيل الجماعي العشوائي" الذي تنفذه إدارة ترامب.
جاء القرار بتصويت كاسح بلغ 216 صوتاً مقابل 5 أصوات فقط، حيث اعتبر الأساقفة أن هذه السياسة تنتهك الكرامة الإنسانية التي منحها الله لكل شخص، وتخلق مناخاً من الخوف الشديد يمنع المهاجرين والعائلات من حضور القداس والشعائر الدينية داخل الكنائس.
استهداف الكنائس والمرافق الحساسة
في كانون ثاني/ يناير 2025، ألغت إدارة ترامب التوجيهات السابقة التي كانت تحمي الكنائس والمدارس والمستشفيات من مداهمات وكالة الهجرة والجمارك (ICE).
انتقد الأساقفة هذا الإجراء بشدة، معتبرين إلغاء الحماية تهديداً مباشراً لحرمة العبادة وحرية الدين، وتقويضاً خطيراً للبعد الإنساني للرعاية الدينية والصحية، إذ يمنع الناس من اللجوء إلى أماكن العبادة والعلاج خوفاً من الاعتقال.
فصل العائلات على الحدود
ظلت قضية فصل الأطفال عن ذويهم جرحاً غائراً في علاقة الكنيسة الكاثوليكية بإدارة ترامب، خاصة بعد تطبيق سياسة "صفر تسامح" في عام 2018.
وصفت القيادات الكنسية هذه السياسة بأنها "غير أخلاقية" و"منافية للفطرة البشرية"، مؤكدة أن حماية الحدود لا يمكن أن تبرر تمزيق العائلات وإلحاق الضرر النفسي الدائم بالأطفال.
خفض أعداد اللاجئين
عارض الأساقفة الكاثوليك بقوة قرارات ترامب المتكررة بتقليص سقف استقبال اللاجئين إلى أدنى مستوياته التاريخية.
واعتبر الأساقفة هذا الإجراء تخلياً عن القيم المسيحية الأساسية في حماية الضعفاء والفارين من الحروب والاضطهاد، وانتهاكاً للتقاليد الأمريكية طويلة الأمد في إيواء المستضعفين.
عقوبة الإعدام الفيدرالية
في عام 2020، احتج الأساقفة الكاثوليك بقوة على استئناف تنفيذ الإعدامات الفيدرالية بعد توقف دام 17 عاماً.
وأكدوا أن عقوبة الإعدام تتنافى مع قدسية الحياة التي تؤمن بها الكنيسة، ولا تتوافق مع مبادئ العدالة الرحيمة، مطالبين بوقفها فوراً.
العنصرية وأحداث شارلوتسفيل
في آب/ أغسطس 2017، شهدت مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا مسيرة مثيرة للجدل تحت عنوان "وحّدوا اليمين"، نظمها ناشطون من اليمين المتطرف وأنصار "سيادة البيض" والنازيين الجدد، احتجاجًا على قرار إزالة تمثال الجنرال الكونفدرالي روبرت إي. لي.
وخلال المسيرة المضادة، دهست سيارة يقودها أحد المشاركين في المسيرة اليمينية المتطرفة امرأة ما أسفر عن مقتلها وإصابة عشرات آخرين. وفي مؤتمر صحفي عقده بعد يومين من الحادث، قال الرئيس دونالد ترامب إن "هناك أشخاصًا جيدين جدًا في كلا الجانبين"، وهو ما اعتُبر من قبل العديد من القيادات الكنسية الكاثوليكية فشلاً في إدانة العنصرية وسيادة البيض بوضوح.
استخدام الرموز الدينية سياسياً
في حزيران/ يونيو 2020، أثار الرئيس ترامب جدلاً واسعًا عندما زار كنيسة سانت جون الأسقفية في واشنطن، بعد فض احتجاجات "حياة السود مهمة" بالقوة، وهو يحمل الإنجيل بيده أمام الكاميرات.
وتكرر الجدل في نيسان/ أبريل 2026 عندما نشر ترامب الصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي، حيث اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية هاتين الحادثتين إساءة استخدام صارخة للرموز الدينية المقدسة لأغراض انتخابية وسياسية، مما دفع عدداً من الأساقفة إلى وصفها بـ"تدنيس للمقدسات" و"توظيف رخيص للإيمان".
الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية
اصطدم الأساقفة الكاثوليك مع إدارة ترامب مراراً بسبب محاولات إلغاء قانون الرعاية الصحية المعروف بـ"أوباما كير" دون تقديم بديل يضمن التغطية للفقراء والمحتاجين.
أكد مؤتمر الأساقفة الكاثوليك الأمريكيين (USCCB) أن الوصول إلى الرعاية الصحية ليس امتيازاً، بل "حق أساسي من حقوق الإنسان"، وأن أي محاولة لتقليص هذه التغطية أو إلغائها تمثل تهديداً مباشراً للعدالة الاجتماعية وقدسية الحياة، خاصة للفئات الأكثر ضعفاً.
التوترات العسكرية
بلغ الخلاف ذروته مع الحرب ضد إيران، إذ رفضت الكنيسة الكاثوليكية "منطق الدمار الشامل" الذي اعتمدته الإدارة، وطالبت بالدبلوماسية والحوار بدلاً من التصعيد العسكري.
وأكدت التزامها بنظرية "الحرب العادلة" التي تفرض شروطاً أخلاقية صارمة قبل اللجوء إلى القوة، معتبرة أن الإنفاق العسكري الضخم والخسائر البشرية يمثلان "دوامة موت وخراب" يجب وقفها فوراً.
وحاول ترامب والبيت الأبيض ربط الحرب على إيران بنبوءات توراتية، حيث روّج البيت الأبيض لتصريحات مثيرة للجدل أطلقها قساوسة مؤيدون للرئيس الأمريكي، ربطوا الحرب التي شنها قبل نحو شهرين بخطابات مسيحية متطرفة.
"القومية المسيحية" وتسييس الدين
في السنوات الأخيرة، حذر عدد متزايد من الأساقفة الأمريكيين، وعلى رأسهم المطران جون ستاو أسقف ليكسينغتون، من خطر "القومية المسيحية" التي يروج لها تيار ترامب.
وصف ستاو هذا الفكر بأنه "تشويه للإنجيل" و"أكسيمورون" (تناقض في المصطلحات)، مؤكداً أن "القومية المسيحية" لا يمكن أن تكون جزءاً من الإيمان الحقيقي لأنها نقيض للمحبة الإنجيلية الشاملة، وأنها تحول الدين من رسالة عالمية للسلام والكرامة الإنسانية إلى أداة سياسية إقصائية.
التأثير على الخارطة الانتخابية
يمثل الكاثوليك في الولايات المتحدة كتلة حرجة تتراوح بين 25 بالمئة و27 بالمئة من إجمالي الناخبين.
وتاريخياً، كانت هذه الكتلة تنقسم بين الحزبين (الجمهوري والديمقراطي)، إلا أن معطيات شباط/ 2026 تشير إلى تراجع ملحوظ في دعم أجندة ترامب، خاصة بين الكاثوليك من أصل إسباني والكاثوليك البيض في الولايات المتأرجحة.