في الوقت الذي يتواصل فيه الجهد العسكري العملياتي، الإسرائيلي والأمريكي، على
إيران، لكن هناك ساحة وحيدة ما زالت تخفقان فيها، وهي القنوات المدنية والشعبية، التي تسجل فيها طهران نقاطا واضحة.
الرئيس السابق لاستخبارات سلاح البحرية، الجنرال عاميت ياغور، ذكر أن "مرور الأسبوع الخامس على الحرب مناسبة للكشف عن الفجوة الهائلة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في المنطق الذي يُسيّر الحرب، فالولايات المتحدة على يقين بأن الساحة العسكرية هي المفتاح، وإن تجريد إيران من جميع قدراتها العسكرية سيؤدي إلى اعترافها بالهزيمة، واستسلامها، وهو ما تبنّته إسرائيل حتى وقت قريب في غزة ولبنان، ويتجلى ذلك بوضوح في الحديث عن بنك الأهداف، واغتيال المسؤولين الكبار، وحجم المتفجرات التي أُلقيت".
وأضاف في مقال نشرته صحيفة
معاريف، وترجمته "عربي21" أن "إيران تخلّت عن الساحة العسكرية، ولا تطمح لهزيمة الطرف الآخر فيها، بل على العكس، تُقرّ بضعفها، وعلى استعداد لدفع ثمن باهظ عسكريًا في الساحة المركزية التي تُنافس فيها، وهي ساحة الوعي، لأن هدفها الرئيسي هو البقاء الوجودي في مواجهة أقوى قوة في العالم، مما يعني أن النصر من وجهة نظرها يعني الاستمرار، وضمان القدرة على إعادة البناء، ووسيلتها الأساسية خلق أزمة طاقة عالمية، مع إلحاق الضرر بالحلقة الأضعف، وهم حلفاء الولايات المتحدة في الخليج".
وأوضح أن "مهمة إيران هذه لن تنجح إلا إذا تمكنت من الحفاظ على صورتها الداخلية القوية أمام مواطنيها الذين يُقيّمون الوضع بشكل خاطئ، وينظرون إليه بنظرة متفائلة، وحتى لو نفّذ ترامب تهديده، فإن الضرر الذي قد يُلحقه بـ"الحلقة الأضعف" في نظرهم، دول الخليج، وبالاقتصاد العالمي، سيدفعه للتوقف عن مهاجمة البنية التحتية قبل موافقتهم على فتح مضيق هرمز".
وأشار أن "التحكم في مضيق هرمز يُعدّ الوسيلة الوحيدة المتبقية لإيران، بجانب الصواريخ، بهدف الردع نظرًا لاحتمالية تعرضها لهجوم آخر في المستقبل، كما أن فتحه لضمان وقف إطلاق النار قد يؤدي لتجدد الهجمات، في حال عدم استجابتها للمطالب المطروحة، لذا، فهي تُفضّل المخاطرة بتوسيع نطاق الهجمات على الرضوخ لهذا المطلب، ومواجهة إنذار نهائي آخر".
وأكد أنه "من أجل تحقيق ذلك، تسعى إيران للحفاظ على صورة قوية قدر الإمكان، وهو عامل يصعب زعزعته، خارجيًا: من خلال استنزاف الصواريخ، ومعادلات رد الفعل، ونقل الأضرار، والتغريدات المستمرة التي تُشير لوجود آلية فعّالة، أو داخليًا من خلال حجب الإنترنت، والانتشار الواسع للمسلحين في الشوارع، ورغم ذلك فإنها ليست بقوة الصورة التي تُحاول إظهارها، فقد تضررت قواتها الأمنية، بما فيها الباسيج، وقد تُعاني من ضعف الانضباط، وعدم الاستقرار، لذا فهي بحاجة إلى ميليشيات خارجية، أفغانية وغيرها، تتدفق حاليًا إليها".
وأضاف أنه "بدون إنترنت فعال في إيران، يصعب تشويه صورتها، كما أن التغطية الإعلامية للحرب غير متوازنة، فهي في جوهرها، حتى دون قصد، تُضعف صورة الجانب الغربي من حيث سقوط الصواريخ، والتقارير الميدانية، والنفوذ الاقتصادي، والاستوديوهات، والانتقادات، ولا تُؤثر فعليًا على الجانب الآخر المتمثلة في التغطية التقنية "الباردة" من بعيد، ومن الجو، وتُركز على الأهداف، وضرباتها، وصور الانفجارات".
واعتبر أن "من يريد هزيمة إيران عليه أن ينطلق من عدة خطوات، أولها أن يُضعف منطقها الذي يحركها بانتزاع مضيق هرمز منها، جوهر استراتيجيتها في الحرب، وثانيها إحداث شرخ كبير في صورة النظام أمام الشعب، عبر فتح الإنترنت فورًا بآلاف أجهزة ستارلينك، وثالثها التدمير العلني والواسع النطاق للقضاء، وهو ذراع الحرس الثوري، وأداة رئيسية في آلة الأمن، وإنشاء شخصية إعلامية باللغة الفارسية لإعادة إشعال الاحتجاجات".
ودعا الكاتب إلى "تقويض قدرة النظام على تلبية احتياجات نخبته، التي لم تتأثر حياتها اليومية بشكل كبير حتى الآن، مثل شنّ هجمات على البنوك لمنع دفع الرواتب، وإحداث صراعات وانقسامات داخل النظام وبين عائلات من هم في مواقع السلطة، من خلال عروض علنية وواضحة للجوء السياسي، ودفع آلاف الدولارات لأفراد كل عائلة، وتوفير الحماية من الهجمات، مما سيُسهم ببدء حوار داخلي".
وأوضح أن "ما سيحدث في الساحة المدنية الداخلية لإيران ليس مجرد جزء من الخطاب حول انهيارها، أو الإطاحة بها، بل جزء من الخطاب حول موافقتها على الشروط المفروضة عليها، وقبولها "شرب الكأس المسمومة" الآن، وكل ذلك يستدعي التوقف عن اعتبار العمل في الساحة الداخلية هي المرحلة الأخيرة، والبدء بالعمل في هذه الساحة الآن، وبكثافة أكبر".
وختم بالقول إن "خلاصة كل ما تقدم تعني أن التهديد الوجودي الحقيقي، والحصري تقريبًا، للنظام في إيران، يمر عبر المستوى المدني، وإن التركيز عليه سيؤدي حتماً لانخراط النظام فيه، وسيأتي على حساب تركيزه شبه الكامل حالياً على الساحة الخارجية ودول الخليج، بعد أن أحبطت إسرائيل بشكل شبه كامل قدرة النظام على إعادة بناء نفسه في اليوم التالي عقب ضرب جميع محطات سلسلة الإنتاج العسكري لجميع أنواع الأسلحة، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية المدنية التي يُفترض أن تكون ركيزة أساسية لإعادة إعمار البلاد".
تكشف هذه القراءة الإسرائيلية عن ساحة لم تأخذ حقّها في العمليات العسكرية طوال الشهر الماضي، وهي الساحة المدنية، المتمثلة في المصانع وخطوط الأنابيب والبنية التحتية للنفط والغاز، والمنتجات الكهربائية، التي تُشكل أساس آلاف المنتجات اليومية المستخدمة في إنتاج البلاستيك والمطاط الصناعي والوقود والزيوت والأسمدة ومواد التنظيف والدهانات والألياف لصناعة النسيج، وغيرها.