في
الوقت الذي تحتفي فيه الأوساط السياسية والإعلامية داخل الاحتلال الإسرائيلي
بالسيطرة على مواقع داخل جنوب
لبنان، تتصاعد أصوات تحذر من تكرار أخطاء الماضي،
معتبرة أن الانشغال بالانتصارات المعنوية يخفي واقعا ميدانيا أكثر تعقيدا.
رأت
صحيفة هآرتس العبرية أن موجة الاحتفاء الواسعة التي رافقت سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي
مجددا على
قلعة الشقيف في جنوب لبنان طغت على نقاشات أكثر إلحاحا تتعلق بمسار الحرب
الدائرة على الجبهة الشمالية، محذرة من أن استحضار الرموز التاريخية والمشاهد العسكرية
قد يحجب إخفاقات ميدانية واستراتيجية ما تزال قائمة.
وقال
الكاتب والمحلل العسكري عاموس هرئيل، في مقال نشرته الصحيفة، إن صورة أعلام إسرائيل
ولواء جولاني فوق القلعة كانت كافية لإثارة حالة من الحنين في وسائل الإعلام الإسرائيلية،
على حساب التساؤلات المتعلقة بجدوى العمليات العسكرية الحالية ومستقبلها، وكذلك بشأن
التهديد المتزايد للطائرات المسيّرة الانتحارية التي يستخدمها
حزب الله، والتي باتت
تشكل تحديا يوميا للقوات الإسرائيلية المنتشرة داخل الأراضي اللبنانية.
وأشار
هرئيل إلى أن النقاش الإعلامي والسياسي تجاهل إلى حد كبير الثمن الذي دفعته إسرائيل
في هذه المنطقة خلال العقود الماضية، لافتا إلى أن شريحة واسعة من الإسرائيليين لم
تعايش معركة السيطرة الأولى على القلعة عام 1982، حين قُتل ستة من مقاتلي لواء جولاني
خلال العملية التي قادها الرائد جوني هارنيك.
وأضاف
أن كثيرا من الإسرائيليين لم يشهدوا كذلك سنوات التسعينيات، عندما تحولت المنطقة الأمنية
في جنوب لبنان إلى ساحة استنزاف مستمرة للقوات الإسرائيلية بفعل الهجمات والعبوات الناسفة
التي نفذها حزب الله ضد الدوريات والقوافل العسكرية.
وبحسب
الكاتب، فإن الخطاب الذي رافق عملية السيطرة الجديدة على القلعة أوحى وكأن استعادة
الموقع تمثل تحولا استراتيجيا حاسما أو خطوة كفيلة بإنهاء تهديد حزب الله، في حين أن
التجارب السابقة لا تدعم مثل هذه الاستنتاجات.
وأكد
هرئيل أن ما ارتبط بقلعة الشقيف من بطولات وتضحيات لا يمكن أن يشكل، برأيه، مبررا لإرسال
المزيد من الجنود إلى ساحات القتال أو تكرار تجارب أثبتت تكلفتها البشرية الباهظة،
مشيرا إلى أن بعض المقاتلين المشاركين اليوم قد يكونون من أحفاد الجنود الذين خاضوا
المعركة نفسها قبل أكثر من أربعة عقود.
واعتبرت
هآرتس أن الحماس الإعلامي والسياسي المحيط بالعملية يخفي واقعا أكثر تعقيدا، يتمثل
في تداخل اعتبارات أيديولوجية وسياسية وعسكرية. وأشارت إلى أن أوساطا في اليمين الإسرائيلي
المتشدد تنظر إلى جنوب لبنان من منظور يتجاوز الاعتبارات الأمنية، فيما تواجه الحكومة
صعوبات في التعامل مع ملف المستوطنات الشمالية قبل الانتخابات المقبلة، إلى جانب الانتقادات
الموجهة للمؤسسة العسكرية بشأن إدارة المواجهة الحالية.
وتطرقت
الصحيفة إلى زيارة رئيس الوزراء بنيامين
نتنياهو لمقر الفرقة 36 على الحدود اللبنانية،
حيث ظهر إلى جانب الجنود وأكد أن الجيش الإسرائيلي ينفذ عمليات على امتداد الجبهة ويستهدف
حزب الله بشكل مباشر.
لكن
هرئيل أشار إلى أن هامش التحرك الإسرائيلي في لبنان لا يزال مرتبطا بالاعتبارات الأمريكية،
لافتا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفرض قيودا على تنفيذ غارات واسعة في بيروت
لأسباب تتعلق بحسابات واشنطن الخاصة.
وأضاف
أن نتنياهو احتفى بعملية السيطرة على القلعة وقدمها باعتبارها إنجازا عسكريا جديدا،
مؤكدا أن إسرائيل عادت إلى الموقع "أقوى من أي وقت مضى"، كما استعرض أرقاما
تتعلق بخسائر حزب الله منذ اندلاع الحرب.
غير
أن الكاتب رأى أن الخطاب الرسمي ركز على الإنجازات المعلنة وأغفل أرقاما أخرى تتعلق
بالخسائر الإسرائيلية، مشيرا إلى مقتل 13 جنديا منذ إعلان وقف إطلاق النار الذي رعته
الولايات المتحدة قبل نحو شهر، فضلا عن تجاوز إجمالي القتلى الإسرائيليين منذ اندلاع
الحرب في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر حاجز ألفي قتيل.
وفي
السياق ذاته، لفتت الصحيفة إلى مقتل الرقيب أول مايكل تيوكين، أحد مقاتلي دورية جفعاتي،
خلال المواجهات الأخيرة في جنوب لبنان. وأوضحت أن الجندي البالغ من العمر 21 عاما كان
قد هاجر مع والدته من أوكرانيا قبل ست سنوات واستقرا في مدينة عسقلان.
ورأى
هرئيل أن الجيش الإسرائيلي يشارك، بشكل أو بآخر، في ترسيخ رواية رسمية تحاول تصوير
الوضع الحالي باعتباره نجاحا عسكريا، رغم وجود مؤشرات متزايدة على تعقيدات ميدانية
واستراتيجية لم تُحسم بعد.
وأشار
إلى أن العمليات الإسرائيلية الواسعة التي نُفذت ضد حزب الله عام 2024 حققت نتائج ملموسة
وألحقت أضرارا كبيرة بالبنية العسكرية للتنظيم، إلا أن طبيعة المواجهة الحالية تختلف
عن تلك المرحلة.
وأوضح
أن حزب الله لم يعد يعمل بالهيكلية المركزية نفسها، بل عاد إلى نمط حرب العصابات، مع
منح القادة الميدانيين صلاحيات أوسع لاتخاذ القرارات العملياتية، والتركيز على استنزاف
القوات الإسرائيلية وإيقاع الخسائر في صفوفها بدلا من تنفيذ خطط هجومية واسعة.
كما
تناول الكاتب الأبعاد العسكرية للسيطرة على قلعة الشقيف، مشيرا إلى أنها تأتي ضمن خطة
أوسع تهدف إلى تعزيز السيطرة على منطقة النبطية والمناطق المحيطة بها، حيث تنتشر مجموعات
تابعة لحزب الله وتوجد مواقع عسكرية للتنظيم.
إلا
أنه أكد أن هذه العمليات، رغم أهميتها التكتيكية، لا تبدو قادرة على إنهاء تهديد الطائرات
المسيّرة أو وقف إطلاق الصواريخ بشكل كامل، خاصة مع اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مناطق
أبعد داخل إسرائيل خلال الأيام الأخيرة.
واعتبرت
هآرتس أن الجبهة اللبنانية تبدو حاليا مشكلة تكتيكية قابلة للإدارة من ناحية، لكنها
قد تتحول إلى أزمة استراتيجية أوسع من ناحية أخرى، خصوصا مع استمرار قدرة حزب الله
على تعطيل الحياة في المناطق الحدودية وإيقاع خسائر بشرية بصورة متواصلة.
وأضافت
الصحيفة أن تصريحات نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بشأن السيطرة على أراض جديدة
داخل لبنان قد تمنح حزب الله فرصة لاستعادة جزء من شرعيته الشعبية عبر تقديم نفسه مجددا
باعتباره قوة تدافع عن لبنان في مواجهة التوغلات الإسرائيلية.
وفي
ختام المقال، طرحت هآرتس تساؤلات بشأن العلاقة بين التطورات الجارية على الجبهة اللبنانية
والمواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، متسائلة عما إذا كان نتنياهو يسعى إلى
استثمار أي اتفاق محتمل مع طهران للوصول إلى تفاهمات على الجبهة الشمالية، أم أنه يفضل
استمرار المواجهة مع حزب الله حتى موعد الانتخابات المقبلة.
وختم
هرئيل بالقول إن الإجابة عن هذه الأسئلة ما تزال غائبة، في ظل استمرار الغموض بشأن
الأهداف النهائية للحرب والمسار الذي تنوي الحكومة الإسرائيلية اتباعه خلال المرحلة
المقبلة.