موريتانيا تتبنى المراجعات مع معتقلي السلفية.. نجاح التجربة والدروس العربية

أكدت اللجنة في بيان رسمي أن منهج الحوار أثبت فعاليته في معالجة الانحرافات الفكرية والسلوكية، وأن غالبية المعتقلين تجاوبوا مع النقاشات.. فيسبوك
أوصت لجنة العلماء المكلفة بالحوار مع السجناء السلفيين في موريتانيا بإطلاق سراح كل من ثبتت توبته وزال خطره، واعترف بخطئه، وتأكد صدقه في ذلك، بصرف النظر عن أفعاله السابقة.

وتأتي هذه التوصية ضمن جهود الدولة الموريتانية لمعالجة قضايا الغلو والتطرف بالطرق الحوارية والفكرية، بدل الاعتماد على الإجراءات القمعية فقط، في نهج يعكس خصوصية المقاربة الموريتانية للتعامل مع هذه الظواهر.

تعود قضية السلفيين المعتقلين في موريتانيا إلى سنوات سابقة، حيث شهدت البلاد حالات انضمام لبعض الشباب إلى جماعات متشددة، أفضت في بعض الأحيان إلى حمل السلاح ضد الدولة. وقد اتبعت السلطات نهجاً مزدوجاً: الجمع بين الإجراءات الأمنية والعقابية من جهة، والحوار التربوي والديني من جهة أخرى، بهدف إعادة دمج هؤلاء الأفراد في المجتمع بعد تصحيح أفكارهم ومواقفهم.

وفي هذا السياق، تشكلت لجنة العلماء برئاسة العلامة محمد المختار امبالة لإجراء حوارات مستمرة مع السجناء السلفيين، تهدف إلى تفكيك فهم الغلو الديني وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي دفعت البعض للتمرد على الدولة.

وأكدت اللجنة في بيان رسمي أن منهج الحوار أثبت فعاليته في معالجة الانحرافات الفكرية والسلوكية، وأن غالبية المعتقلين تجاوبوا مع النقاشات، وأقروا بأخطائهم، وأعلنوا توبتهم إلى الله، مع تقديم وثائق مكتوبة وفيديوهات تؤكد ذلك.

وقالت اللجنة: "الاستمرار في اعتماد نهج الحوار أسلوباً ومنهجاً لمعالجة كل الانحرافات الفكرية والسلوكية، يعد ركيزة من ركائز المقاربة الموريتانية المتميزة في مواجهة الغلو والتطرف."

وأضاف البيان أن اللقاءات التي جرت خلال شهر رمضان المبارك ركزت على توضيح الفهم الصحيح للأمور التي كان الخطأ فيها سبباً في التطرف، وأن الأغلبية العظمى منهم رجعت عن فكرها المتطرف واعترفت بخطئها بوعي ورضا كامل.

المراجعات الفكرية خارج موريتانيا.. تجربة إقليمية رائدة


تجدر الإشارة إلى أن فكرة المراجعات الفكرية والسلوكية لدى الجماعات المتطرفة ليست تجربة موريتانية فحسب، بل سبقتها تجارب مماثلة في عدة دول عربية، منها مصر وليبيا والمغرب.

في مصر، أطلقت الحكومة برامج لإعادة التأهيل الفكري والديني للأفراد المنخرطين سابقًا في جماعات متشددة، باستخدام الحوار الديني، والدروس التربوية، والإشراف النفسي والاجتماعي، وأسفرت هذه البرامج عن تخفيف الاحتقان الاجتماعي وتقليل الميل للعنف، وإتاحة الفرصة للشباب لإعادة التفكير في أفكارهم بما يتوافق مع الإسلام الوسطية.

وفي ليبيا، ركزت المبادرات المجتمعية والدينية على استيعاب المتطرفين العائدين من ساحات النزاع، من خلال مراجعات فكرية شخصية وجماعية، وأظهرت النتائج أن الحوار المدروس يمكن أن يقلل من الأزمات الأمنية، ويخفف التوترات بين الفئات المختلفة.

أما في المغرب، فقد اعتمدت الدولة برامج المراجعة الفكرية منذ سنوات، شملت مراجعات جماعية وفردية، وتدريب مؤسسات دينية على طرق الإصلاح الوقائي، وأسفرت عن تطوير خطاب ديني متزن، وتعزيز الانفتاح الفكري لدى الشباب، وتحسين العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.

توضح هذه التجارب الإقليمية المشتركة أن المراجعات الفكرية لا تقتصر على معالجة الانحرافات السلوكية، بل تصبح أداة استراتيجية لإثراء الفكر الإسلامي وتصحيحه، وتعزيز السلام الاجتماعي، وتقليل اللجوء إلى القمع أو العقاب الطويل فقط.




البعد الشرعي للمراجعات.. جدلية الرأي والمصلحة العامة


لقد أثارت فكرة إجراء مراجعات فكرية ودينية مع المعتقلين نقاشاً واسعاً بين العلماء وأصحاب الرأي والفكر حول مدى شرعيتها وأحقيتها. التساؤل الأساسي كان: كيف يمكن الحديث عن مراجعات وإصلاح فكري بينما الأفراد المعنيون بهذه العملية ما زالوا رهن الاعتقال؟.

ناقش الفقهاء هذه القضية مؤكدين أن الهدف من المراجعات لا يقتصر على الجانب الفردي، بل يمتد ليشمل المصلحة العامة للدولة والمجتمع، وهو مبدأ معترف به في الشريعة الإسلامية. فالاعتبارات الشرعية تؤكد أن أي إجراء يحقق حفظ النفس، الأمن، النظام الاجتماعي، واستقرار الدولة، يمكن تبريره شرعاً، خصوصاً إذا كان هدفه تصحيح الفكر والوقاية من الانحراف أو التطرف.

وقد توصل القائمون على هذه التجربة في موريتانيا إلى أن المراجعات داخل السجون مشروعة، لأنها تأتي ضمن سياق مصلحة وطنية ودينية، تجمع بين حماية المجتمع من خطر التطرف وتصحيح المفاهيم الدينية الخاطئة لدى المعتقلين. وهذا يضفي على العملية مصداقية دينية، ويحولها من مجرد تدخل إداري أو أمني إلى ممارسة فقهية واجتماعية مقبولة، تجمع بين الرحمة والتأهيل من جهة، والضوابط الشرعية والحفاظ على الأمن من جهة أخرى.

كما أكدت اللجنة أن هذا النهج لا يتنافى مع أحكام الشريعة المتعلقة بالعدالة والعقاب، بل يضيف بعداً إصلاحياً يسمح بإعادة الدمج الاجتماعي للأفراد الذين ثبتت توبتهم، مع الاعتراف بما قاموا به سابقاً دون التفريط في العدالة، ليعكس توازناً فريداً بين الشرع، القانون، والأمن الاجتماعي.

توصيات اللجنة المستقبلية


أوصت اللجنة بإنشاء مركز أو هيئة دائمة للحوار، لتعزيز معالجة كل الأفكار المنحرفة، سواء كانت دينية أو عنصرية أو اجتماعية، بما يضمن استمرار تصحيح المواقف الفكرية دون اللجوء إلى القمع فقط.

كما شددت اللجنة على وجوب التعامل مع المعتقلين الذين ثبتت توبتهم وفق أحكام الشريعة، مؤكدة أن: "من خرج على السلطة متأولاً إذا زال خطره وعلمت توبته يجب إطلاق سراحه، ولا يؤاخذ بما صدر منه قبل ذلك".

وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس، إذ يواجه المجتمع الموريتاني تحديات أمنية مرتبطة بانتشار الفكر المتطرف في مناطق الساحل، ويُنظر إلى اعتماد الحوار والمقاربة التربوية كوسيلة فعالة لتقليل مخاطر التطرف وإعادة تأهيل الأفراد بدلاً من الاقتصار على الاعتقال الطويل أو الإجراءات القمعية.

وقد يشكل نجاح هذه التجربة في موريتانيا نموذجاً يمكن تعميمه على دول الساحل الأفريقي لمواجهة قضايا السلفية المتشددة، من خلال مزيج من الحوار الديني والوعظ الإصلاحي، وهو ما يعزز الأمن والاستقرار الاجتماعي ويحد من العنف السياسي.

وتعكس توصيات لجنة العلماء في موريتانيا رؤية شمولية لمعالجة التطرف والفكر المتشدد، تعتمد على تصحيح المفاهيم أكثر من العقاب، وتؤكد على ضرورة أن تكون الدولة والفقيه والمجتمع شركاء في بناء الأمن الفكري والاجتماعي.

كما تبرز هذه التجربة أهمية الدمج بين الدين والقانون والسياسة في صياغة حلول عملية للتحديات الفكرية والأمنية في منطقة الساحل، مع الاستفادة من التجارب الإقليمية السابقة، وتأكيد الشرعية الدينية للمراجعات الفكرية داخل السجون.