أعلن رئيس الوزراء البريطاني كِير ستارمر عن
عزمه تعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، مستفيدًا من الاضطرابات التي أحدثتها
سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط، خاصةً في أعقاب الهجمات
الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ستارمر اعتبر أن الوقت الراهن يتطلب اتفاقية
أوروبية ـ بريطانية أكثر طموحًا، تُعزّز التعاون الاقتصادي والدفاعي في مواجهة ما
وصفه بـ "العالم الخطير الذي يجب أن نبحره معًا".
تصريحات ستارمر جاءت بالتزامن مع تهديد جديد
من ترامب بالانسحاب من حلف
الناتو، الذي وصفه بأنه "نمر من ورق"، مكررًا
انتقاداته المتكررة للولايات المتحدة لأوروبا وبريطانيا بسبب عدم دعمهما للضربات
على إيران، وانتقاداته للقدرات العسكرية الأوروبية.
وفي هجوم غير مباشر على ستارمر، قال ترامب
لصحيفة "ديلي تلغراف" إنه يعتقد أن الملك تشارلز كان سيدعم الضربات على
إيران، في وقت من المقرر أن يزور الملك الولايات المتحدة ويُلقي كلمة أمام
الكونغرس في 28 نيسان/أبريل الجاري.
خلال مؤتمر صحفي عقد أمس الأربعاء، شدد
ستارمر على أن تجديد العلاقات الوثيقة مع
أوروبا يعني إقامة "شراكة لعالم
خطير يجب أن نبحره معًا"، وهو أقوى مؤشر حتى الآن على نيته إعادة توجيه
السياسة البريطانية نحو أوروبا بعيدًا عن الولايات المتحدة. وأكد أن آثار خروج
بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ("بريكست") تسببت في "ضرر عميق"
للاقتصاد البريطاني، وأنه سيسعى للاستفادة من الفرصة لإصلاح هذا الضرر في قمة
مقررة في وقت لاحق من الصيف، مؤكدًا أن المصلحة الوطنية طويلة الأمد تتطلب علاقات
أوثق مع القارة.
وأوضح ستارمر أن فرص تعزيز الأمن وخفض
تكاليف المعيشة "كبيرة جدًا بحيث لا يمكن تجاهلها"، مضيفًا أن القمة
المقبلة لن تكون مجرد تقييم للوضع الحالي، بل ستسعى لتحقيق تعاون أعمق، بما في ذلك
في المجالات الاقتصادية والأمنية. وأكد أن بريطانيا لن تنجر تحت أي ضغوط ناتجة عن
تصريحات ترامب بشأن الناتو، وأن أي قرارات سيتخذها ستكون في "المصلحة الوطنية
البريطانية".
من الناحية الاقتصادية، ركّز ستارمر على
ضرورة تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي في الدفاع والأمن والطاقة والاقتصاد،
مشيرًا إلى أن هناك مجالًا كبيرًا لتطوير التعاون في سوق الوحدة الأوروبية لما فيه
مصلحة الاقتصاد البريطاني. وأوضح أن بعض الملفات العالقة، مثل رسوم التعليم
للأوروبيين في بريطانيا أو قيود التأشيرات، أبطأت المحادثات، فيما يشمل الإطار
المقترح للاتفاقية قطاعات أساسية مثل الغذاء والطاقة والصحة والعلوم، على غرار
نموذج سويسرا مع الاتحاد الأوروبي.
في الملف الدفاعي، تسعى الحكومة البريطانية
لإجراء مناقشات أعمق لتعزيز الدفاع الأوروبي المشترك، في قارة تعتمد غالبية دولها
على القدرات النووية الفرنسية، بينما تعتمد قدرات بريطانيا النووية على الولايات
المتحدة. وأشار مسؤولون إلى أن بعض الدول الأوروبية تشعر بالإحباط من استخدام
الحكومة البريطانية للغة خطابية غير محددة، لكنها تلقّت بشكل إيجابي من قبل بعض
الدبلوماسيين الأوروبيين فيما يخص التعاون الاقتصادي.
ورغم الانتقادات من حزب المحافظين وحزب
الإصلاح البريطاني "ريفورم يو كاي"، لم تتضمن هذه الانتقادات أي اعتراض
على طموحات ستارمر في إقامة شراكة أوروبية أوسع. أما الخبراء، مثل أناند مينون من
مؤسسة بريطانيا في أوروبا المتغيرة، فقد شددوا على وجود تحديات في تحديد ما يمكن
تحقيقه فعليًا من اتفاقيات ملموسة ضمن "أجندة إعادة الضبط" التي ينوي
ستارمر تنفيذها.
تأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه العالم
تصاعدًا في التوترات الدولية، ما يجعل تعزيز العلاقات الأوروبية البريطانية خطوة
استراتيجية قد تحدد مستقبل الأمن والاقتصاد في القارة، وتعيد صياغة دور بريطانيا
على الساحة الدولية بعد سنوات من الانعزال النسبي.