كشفت منظمة حقوقية عن تزايد حالات الاعتقال في دولة
الإمارات على خلفية نشر محتوى رقمي يتعلق بالهجمات
الإيرانية الأخيرة، في مؤشر جديد على القيود الصارمة التي تفرضها السلطات على حرية التعبير عبر الإنترنت.
وبحسب ما نقلته شبكة “
سي بي إس نيوز” عن منظمة “تم احتجازه في
دبي”، فإن عدداً متزايداً من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، بينهم أجانب وسياح، يواجهون اتهامات بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية في الإمارات بسبب نشر أو مشاركة محتوى يوثق آثار الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة المرتبطة بالحرب الإقليمية الجارية.
وفي السياق ذاته، أعلنت السلطات الإماراتية في دبي السبت٬ إلقاء القبض على عشرة أجانب، بينهم مواطن مصري، بتهمة
تصوير مقاطع فيديو حول آثار القصف الإيراني على الإمارة، متهمةً إياهم بتزييف بعض المقاطع وتصوير منظومات الدفاع الجوي.
حظر تصوير آثار الضربات
وتأتي هذه الاعتقالات في وقت تعرضت فيه الإمارات لعدة ضربات إيرانية وصفت بأنها انتقامية، وذلك منذ بدء الحملة العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي ضد إيران في أواخر شباط/ فبراير الماضي.
وأوضحت منظمة "محتجزون في دبي" أن السلطات الإماراتية فرضت حظرا صارما على تصوير أو نشر أي صور أو مقاطع فيديو تظهر آثار الضربات أو عمليات اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأكدت المنظمة أن القيود لا تقتصر على التصوير والنشر فحسب، بل تمتد أيضا إلى التعليقات أو إعادة نشر المحتوى أو التعبير عن الآراء المتعلقة بالهجمات، مشيرة إلى أن هذه الأفعال قد تؤدي إلى الاحتجاز والملاحقة القانونية.
توسع غير مسبوق في تطبيق القوانين
من جهتها، قالت رادها ستيرلينغ، الرئيسة التنفيذية لمنظمة "محتجزون في دبي" ومنظمة “الإجراءات القانونية الواجبة دوليا” المتخصصة في القضايا القانونية وتسليم المطلوبين في الخليج، إن السلطات الإماراتية توسع نطاق تطبيق قوانين الجرائم الإلكترونية بصورة غير مسبوقة.
وأضافت أن "مجرد نشر منشور بسيط أو إعادة نشر صورة أو التعليق على الهجمات قد يؤدي إلى الاعتقال، حتى إذا تم نشر المحتوى من خارج الدولة".
وأوضحت ستيرلينغ أن ما لا يقل عن واحد وعشرين شخصاً يواجهون حالياً اتهامات بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية في الإمارات حتى يوم الخميس الماضي.
ومن بين الحالات التي وثقتها المنظمة، سائح بريطاني يبلغ من العمر ستين عاماً نشر مقطع فيديو يوثق آثار إحدى الهجمات.وقالت ستيرلينغ إن السائح حذف الفيديو فور طلب السلطات منه ذلك، غير أن ذلك لم يمنع توجيه اتهامات رسمية إليه.
كما أشارت إلى حالة أخرى تتعلق بأحد المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ حقق مقطع فيديو نشره نحو 300 ألف مشاهدة.
وأضافت أن السلطات اكتفت في هذه الحالة بطلب حذف الفيديو ونشر تصحيح، وهو ما وصفته المنظمة بأنه مفارقة لافتة مقارنة بمعاملة أشخاص آخرين تم توقيفهم بسبب تصوير المشاهد نفسها.
وقالت ستيرلينغ إن "المشاهير والمؤثرين غالباً ما يتمتعون بمعاملة مختلفة في الإمارات مقارنة بالمستخدمين العاديين".
توقيف عاملة منزلية وبحار أجنبي
وقدمت المنظمة مثالاً آخر على ذلك، مشيرة إلى اعتقال عاملة منزلية فلبينية بالقرب من برج العرب في دبي بعد أن التقطت صورة أثناء انتظارها للعمل.
وأضافت أن عناصر الشرطة فتشوا هاتفها المحمول وعثروا على الصورة، قبل أن يقوموا باعتقالها فوراً.
كما كشفت المنظمة عن احتجاز بحار فيتنامي كان يعمل على متن سفينة شحن قرب ميناء الفجيرة.
وقالت إن البحار نشر مقطع فيديو يظهر نشاطاً صاروخياً بينما كان خارج المياه الإقليمية الإماراتية، مشيرة إلى أن خفر السواحل الإماراتي نقل البحار إلى الشاطئ وقام باعتقاله، ولا يزال محتجزاً حتى الآن وفقاً للمنظمة.
وترى منظمات حقوقية أن هذه الحالات تسلط الضوء على القيود المشددة التي تفرضها الإمارات على المحتوى الرقمي، خصوصاً في أوقات الأزمات الأمنية.
ويقول حقوقيون إن هذه السياسات تعكس نمطاً أوسع من التضييق على حرية التعبير في الدولة منذ سنوات طويلة.
وقد تعرضت الإمارات طوال نحو عقدين لانتقادات متكررة من منظمات دولية بسبب سجلها الحقوقي، بما في ذلك القيود على حرية التعبير واعتقال المعارضين والناشطين السياسيين.
كما انتقدت منظمات حقوق الإنسان استخدام قوانين الجرائم الإلكترونية بشكل واسع لمعاقبة منتقدي الحكومة أو المستخدمين الذين ينشرون محتوى تعتبره السلطات حساساً.
ويرى منتقدون أن هذه القوانين تمنح السلطات صلاحيات واسعة لمراقبة الإنترنت واعتقال المستخدمين بسبب منشورات أو تعليقات.
وتؤكد منظمات حقوقية أن عدداً من النشطاء والصحفيين في الإمارات يقضون فترات طويلة في السجن بسبب آرائهم السياسية أو نشاطهم على الإنترنت.
كما تشير تقارير دولية إلى أن السلطات تستخدم قوانين الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب، إلى جانب قوانين الجرائم الإلكترونية، لتقييد الحريات المدنية.
وتعكس الاعتقالات الأخيرة، وفق مراقبين، استمرار النهج الأمني الصارم الذي تتبعه الإمارات في التعامل مع المعلومات والفضاء الرقمي، وهو ما يبقي سجلها الحقوقي محل انتقاد واسع من قبل المنظمات الدولية.