أثار وقف كيان الاحتلال
الإسرائيلي غير محدد المدة لتوريد نحو 1.1 مليار قدم مكعب الغاز الطبيعي يوميا من حقلي
"تمار" و"ليفياثان"، إلى
مصر، غضبا بالشارع المصري، خاصة وأنه
يدفع بالبلد العربي الأفريقي نحو أزمة جديدة في ملف الطاقة تفاقم وضع اقتصاد يعاني
مع دين خارجي يفوق 163 مليار دولار.
ذلك الغضب جاء إثر
إعلان تل أبيب، السبت، أن وقفها إمدادات الغاز للقاهرة، يأتي تنفيذا لبند "القوة
القاهرة" المنصوص عليه في الاتفاقية التي أقرتها إسرائيل 17 كانون الأول/ ديسمبر
الماضي، لتصدير 130 مليار متر مكعب غاز حتى عام 2040، لمصر، بقيمة 35 مليار دولار،
كانت وقعت مسودتها في آب/ أغسطس الماضي، "أوشن إنرجي" المصرية، مع
"نيو ميد إنيرجي" الإسرائيلية وشريكتها الأمريكية "تشيفرون".
تعرض مصر مجددا لأزمة
وقف إمدادات الغاز من إسرائيل بعد أزمات مماثلة الصيف الماضي، يضع أكثر من 108.7 مليون
مصر أمام ضغوط اقتصادية بينها توقف الإنتاج الصناعي، وانقطاع التيار الكهرباء على القرى
والمدن والمحال والمشافي، ما قد يفاقم الأزمة مع قدوم شهور الصيف.
وتبلغ الفجوة المحلية
بين الإنتاج والاستهلاك نحو 30 بالمئة، فيما تعتمد 80 بالمئة من محطات توليد الكهرباء
على الغاز الطبيعي، ما دفع وزارة البترول للتوسع في التعاقدات طويلة الأجل لاستيراد
الغاز المسال، وزيادة الاعتماد على سفن التغويز النرويجية والألمانية "هوج"
و"إنيرجوس باور" و"إسكيمو"، المستأجرة بموانئ السخنة ودمياط والعقبة،
وتعمل بطاقة ملياري قدم مكعبة يوميا.
أزمة إدارة سيادية
للمخاطر
وفي قراءته للموقف
تحدث استشاري الإدارة الاستراتيجية الدكتور محمد زويل، عن أهم البنود ذات التأثير الكارثي
على أمن الطاقة والاقتصاد المصري، وحجم خسائر مصر من توقف الغاز من إسرائيل هذه المرة.
وقال لـ"عربي21":
"ليس أخطر ما في تبعات قرار إسرائيل وقف تصدير الغاز إلى مصر هو حجم الكميات المتوقفة،
ولا حتى أثرها المالي المباشر؛ فالأخطر هو أن أمن الطاقة لدولة بحجم مصر يمكن أن يتعطل
بقرار أحادي يُبرَّر ببند تعاقدي اسمه (القوة القاهرة)".
الباحث في الشئون السياسية
وإدارة الصراع، أضاف: "أن يُصبح 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز رهينة تفسير
قانوني من الطرف الآخر، فهذه ليست أزمة طاقة فقط، بل أزمة إدارة سيادية للمخاطر".
وأكد أن "أمن
الطاقة ليس صفقة تجارية فالدول قد تستورد، وقد تصدّر، وهذا طبيعي في عالم مترابط؛ لكن
ما ليس طبيعيًا هو أن يتحول الاستيراد إلى نقطة ضغط استراتيجية".
ولفت إلى أن
"الغاز ليس سلعة عادية"، موضحا أنه يشمل: "كهرباء المصانع، وتشغيل المستشفيات،
واستقرار البيوت، وصمام الأمان الاجتماعي"، مبينا أنه "حين يُربط هذا الملف
الحيوي بمورد خارجي واحد، دون شبكة أمان واضحة، فإن أي بند في العقد يتحول إلى أداة
ابتزاز محتملة".
زويل، عاد بذاكرة المصريين
إلى ما قبل 15 عاما مشيرا إلى أنه "حين توقفت إمدادات الغاز المصرية إلى إسرائيل
عقب اضطرابات 2011، لم يُقبل تفسير (الظروف الاستثنائية)، وانتهى الأمر بتحكيم دولي
وغرامات بالمليارات، واليوم، يُفعَّل بند (القوة القاهرة) من الطرف الآخر، ويُقال إن
التوقف خارج الإرادة".
دعوات لكشف بنود الاتفاقية
ويلفت مراقبون إلى
أن شروط الاتفاق الأخير قاسية، مشيرين إلى تجميد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
الاتفاق لنحو عامين لاعتراض وزارة الطاقة الإسرائيلية على سعر المتر المكعب بالصفقة،
وعلى أولوية توفير الغاز للداخل الإسرائيلي وقت الأزمات.
ويلمحون كذلك إلى رفض
نتنياهو التصديق على الاتفاق في أيلول/ سبتمبر الماضي، بسبب مزاعم زيادة انتشار الجيش
المصري في شمال سيناء، مع تهديده بتجميد الاتفاق أو إلغائه قبل أن يعلن بنفسه توقيع
الصفقة 18 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، مؤكدا أنها تاريخية وتصب لصالح إسرائيل.
وإلى جانب الغضب من
ربط السلطات المصرية أمن الطاقة المصري بإسرائيل، طالب سياسيون ومعارضون بالكشف عن
بنود اتفاقية الغاز، وتعديلها بفرض شروط جزائية على إسرائيل حال
وقف التوريد.
وانتقدوا بند
"القوة القاهرة" الذي يمنح إسرائيل حق وقف الإمدادات دون إيضاح هل لمصر الحق
في طلب التعويض أو المطالبة بفرض غرامات لقاء منع الإمدادات، أو حق اللجوء للتحكيم
الدولي دون قيود سرية تضعف موقف مصر، كما فعلت إسرائيل مع مصر مع توقف إمدادات الغاز
المصرية إليها عقب ثورة 2011.
السفير المصري فوزي
العشماوي، من جانبه، انتقد استناد إسرائيل على بند القوة القهرية أو الـ(force major).
وتساءل رئيس تحرير
موقع "International Investigative
Centre" الاستقصائي،
ناجي عباس، عبر "فيسبوك"، عن عدم نشر نصوص اتفاقية الغاز بين إسرائيل ومصر
والشروط الجزائية، وإخفاء مثالب الاتفاقية عن المصريين وعن عدم عرض تفاصيلها على البرلمان،
داعيا السلطات المصرية لنشرها.
وأكد أن ما نُشر عن
تلك الاتفاقية يكشف عن "هيكل تعاقدي فاسد يفتقر إلى التوازن بين الطرفين"،
مبينا أن "الجانب الإسرائيلي فرض شروطا أكثر تحيزا لصالحه، ووافقت مصر على تحمل
معظم الأعباء والمخاطر المالية".
وبين أن الاتفاق يعتمد
نظام (Take or Pay)، الذي يُلزم مصر بدفع قيمة كميات الغاز المتفق
عليها سنويا، تسلمتها أم لا، مشيرا لغياب الشروط الجزائية بحق إسرائيل عند إيقاف التصدير،
وملمحا إلى وجود قيود على حق مصر في تعديل الاتفاق والكميات، وفق قوله.
وتحدث عن قيود تشمل:
"إلزامية التقاضي أمام محاكم أجنبية"، و"ارتفاع سعر الغاز في العقود
الجديدة بقرابة 14.8 بالمئة مقارنة بالعقود السابقة"، و"تقييد إمكانية مصر
في التراجع عن كميات الاستيراد المتفق عليها"، واصفا الاتفاق بأنه "يتسم
بعدم التوازن بين الطرفين".
شروط مجحفة وإذعان
مصري
وتكشف التقارير عن
بنود وتفاصيل تصب بمصلحة الاقتصاد الإسرائيلي، يقابلها فرض شروط "مجحفة"
على مصر، فبينما تحصد الخزينة الإسرائيلية 18 مليار دولار (أكثر من نصف قيمة الصفقة)،
أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن الاتفاق يتضمن بندا يضمن أولوية تزويد السوق
المحلي الإسرائيلي بالغاز أولا.
كما يمنح الاتفاق وزير
الطاقة الإسرائيلي سلطة خفض كميات التصدير لمصر بدءا من عام 2032، إذا اقتضت الحاجة
المحلية أو التنافسية الإسرائيلية ذلك، وذلك رغم أن السعر الجديد تضمن زيادة بنسبة
14.8بالمئة مقارنة باتفاقية العام 2019، ما وضع ضغطا هائلا على الموازنة المصرية.
وتفرض الاتفاقية كذلك
على الجانب المصري تحمل تكاليف ضخمة لتوسيع البنية التحتية وخطوط الأنابيب، بما في
ذلك خط "رمات هوفاف-نيتسانا" الجديد، الذي يمتد لمسافة 65 كم، بتكلفة تقارب
ملياري شيكل، وينقل 6 مليارات متر مكعب سنويا.
ووفق نص الاتفاق المرسل
من "نيو ميد إنرجي" للبورصة الإسرائيلية، ليس من حق مصر تقليل كمية الغاز
الإسرائيلي المستوردة إذا انخفض سعر نفط خام برنت عن 50 دولارا، مع الاعتماد على نظام (Take or Pay)،
والذي يلزم مصر بدفع قيمة كميات الغاز المتفق عليها سنويا، سواء تسلمتها بالفعل أو
لا.
وتعمد نتنياهو تأخير
توقيع الصفقة عدة أشهر لاستخدام ملف الغاز "ورقة ضغط" سياسية وأمنية، حيث
اشترط ضمانات تتعلق بالانتشار العسكري المصري في سيناء وتأمين الحدود قبل توقيعه النهائي
في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
وبموجب الاتفاق الممتد
حتى 2040، تعتمد مصر بشكل شبه كلي على الغاز الإسرائيلي لسد العجز المتزايد في إنتاجها
المحلي الذي انخفض بنسبة 40 بالمئة منذ 2022، مما يمنح إسرائيل سيطرة على أمن الطاقة
المصري 15 عاما قادمة.
السؤال المشروع؟
وأشار الخبير المصري
محمد زويل، إلى أن "السؤال المشروع الآن هو: هل بنود الاتفاق متكافئة؟، أم أن
صياغتها تمنح طرفًا مساحة حركة أوسع من الآخر؟"، مؤكدا أن "الشفافية وحدها
تجيب".
وتساءل مجددا:
"أين هي إدارة المخاطر؟"، ملمحا إلى أن "الدولة التي تخطط بعمق لا تبني
أمنها الطاقوي على افتراض حسن النية الدائم"، متابعا تساؤلاته: "أين: المخزون
الاستراتيجي الكافي؟، والتنويع الحقيقي للمصادر؟، والتوسع السريع في البدائل المحلية؟،
وخطط الطوارئ المعلنة؟"، مؤكدا أن "إدارة المخاطر ليست ترفًا بيروقراطيًا،
بل صميم الأمن القومي".
ولفت الخبير المصري
إلى أن "الأزمة أعمق من الغاز"، موضحا أن "القضية ليست فقط في الكميات،
بل في الرسالة السياسية"، مبينا أنه "حين يتوقف الغاز بقرار أحادي، فإن ميزان
التفاوض يتبدل".
وألمح إلى أن
"مصر كانت تُقدَّم كمركز إقليمي للطاقة؛ لكن المركز الحقيقي لا يعتمد على أنبوب
واحد، والمركز هو من يملك: فائضًا تفاوضيًا، وبدائل تشغيلية، وقدرة على امتصاص الصدمات".
هل تحقق هدف مصر من
الاتفاق؟
تعاني مصر من فجوة
كبيرة بين إنتاجها المحلي من الغاز الطبيعي البالغ 47.5 مليار متر مكعب وبين معدلات
الاستهلاك التي تتعدى نحو 60 مليار متر مكعب، بعد سنوات من الاكتفاء الذاتي في عهد
حسني مبارك وتصدير الغاز لإسرائيل وفق اتفاقية 2005، وبعد اكتشاف حقل "ظهر"
بالبحر المتوسط عام 2015، وما أثير عن حجم إنتاج واحتياطيات تضع مصر بقائمة مصدري الغاز.
لذلك فالاتفاقية جاءت
على خلفية تراجع إنتاج مصر المحلي من الغاز، ما أدى لانقطاعات بشبكة الكهرباء
وتخفيف الأحمال أعوام (2022 و2023 و2024 و2025)، واضطرار القاهرة إلى رصد مليارات الدولارات
وسط شح كبير منها لاستيراد الغاز المسال، لتشغيل محطات توليد الكهرباء، وضخه بالشبكة
القومية للغاز المرتبطة بملايين المساكن وآلاف المصانع وخاصة الصناعات كثيفة الاستخدام
للطاقة وبينها الأسمدة والبتروكيماويات.
هدف آخر روجت القاهرة
له بقوة عقب ذلك الاتفاق، وهو تحويل مصر إلى "مركز إقليمي لتصدير الغاز"،
بضخ الغاز المستورد لتشغيل محطي الإسالة المصريتين في "دمياط" و"إدكو"
بساحل البحر المتوسط، وتصدير المنتج إلى أوروبا وفقا لاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي
وإسرائيل، منتصف 2022.
وهي الأهداف التي يؤكد
مراقبون أنها لم تتحقق، وأنها على النقيض جعلت مصر أمام اضطرار العودة إلى سوق الطاقة
الدولية لتوفير نقص الغاز وتلبية احتياجاتها بأسعار أعلى في زمن الحرب، ملمحين إلى
أن الاتفاق الجديد كبل مصر بقيود وشروط لم تكن موجودة في اتفاق الجانبين عام 2019.
من يصنع الأزمات؟
وعن دور السلطات المصرية
في صناعة الأزمات، قال زويل، إن "السؤال الذي يتردد في الشارع ليس عاطفيًا بقدر
ما هو عقلاني"، متسائلا: هل المشكلة في المورد؟، أم في بنية القرار؟"، مؤكدا
أنه "حين تُدار ملفات استراتيجية بعقلية رد الفعل، لا بعقلية الاستباق، تتحول
كل أزمة خارجية إلى أزمة داخلية".
ويرى الخبير المصري
أنه "ليس المطلوب خطابًا دفاعيًا، والمطلوب كشف الحقائق، والاجابة على تساؤلات:
ما هي بنود الاتفاق كاملة؟، وما تعريف (القوة القاهرة) في النص؟، وما هي حقوق مصر التعويضية؟،
وما خطة الطوارئ الفعلية؟"، ملمحا إلى أن "الدولة القوية لا تخشى الشفافية،
لأنها تُحصّن نفسها بها".
وخلص للقول:
"الغاز قد يعود غدًا أو بعد شهر؛ لكن السؤال الأكبر سيبقى: هل تعلمت إدارة القرار
أن أمن الطاقة لا يُدار ببنود تعاقدية فقط، بل برؤية سيادية شاملة؟"، مؤكدا أن
"الأزمات لا تُصنع دائمًا من الخارج؛ وأحيانًا، نصنعها حين نُهمل قواعد الحذر،
ونستبدل التخطيط طويل المدى بالحلول السريعة، وفي عالم لا يعترف إلا بالمصالح، من لا
يُحكم إدارة مصالحه يُحكم عليه بها".