في وقت لا تزال فيه تداعيات سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب المالية والنقدية، من تشديد الفائدة وفرض
الرسوم الجمركية، تلقي بظلالها على أسواق المال العالمية وأزمات السيولة والتضخم، يواصل الدين العام الأمريكي ارتفاعه بلا توقف ليصل إلى 38.74 تريليون دولار حتى 19 شباط/فبراير من العام الجاري، وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، في مؤشر ينذر بتصاعد التحديات التي تواجه أكبر اقتصاد في العالم.
ومع هذا التصاعد المتواصل، تتجه تكاليف خدمة الدين في أمريكا إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقد المقبل، في مسار يجعل الدين العام تحت ضغط متزايد ويعيد إلى الواجهة مخاوف سيناريو ما يعرف بـ"حلقة الهلاك" في أسواق السندات، حيث تتغذى مدفوعات الفائدة المرتفعة على مزيد من الاقتراض.
وتستند هذه المخاوف إلى أحدث التقديرات الصادرة عن مكتب الموازنة في الكونغرس، والتي تناولتها وكالة "بلومبرغ" وأظهرت مسارا تصاعديا حادا لمدفوعات الفائدة مقارنة بحجم الاقتصاد والعجز الكلي.
وتتجاوز هذه النسبة بمفردها الهدف الذي حدده وزير الخزانة سكوت بيسنت لخفض العجز إلى 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية إدارة الرئيس دونالد ترامب في كانون الثاني/يناير 2029، كما أن نسبة 4.6 بالمئة ستشكل الجزء الأكبر من العجز الإجمالي المتوقع عند 6.7 بالمئة من الناتج بعد 10 سنوات، وفق التقديرات نفسها.
مسار مالي غير مستدام
وفي تحذير صريح، أكد مكتب الميزانية في الكونغرس الأربعاء أن الولايات المتحدة تسير على مسار مالي غير مستدام، بعدما رفع تقديره للعجز خلال العقد المقبل بمقدار 1.4 تريليون دولار، مرجعا ذلك جزئيا إلى قانون الضرائب لعام 2025 وسياسات الهجرة التي تبناها ترامب.
وقدر المكتب أن الحزمة المالية التي أقرت في تموز/يوليو الماضي، والتي مددت تخفيضات 2017 الضريبية وأضافت إعفاءات جديدة، سترفع العجز 4.7 تريليون دولار خلال عشر سنوات، إضافة إلى 500 مليار دولار نتيجة تشديد إنفاذ قوانين الهجرة.
وتوقعت التقديرات أن تفوق هذه التكاليف إيرادات الرسوم الجمركية التي رفعت متوسط التعرفة الفعلي إلى أكثر من 13 بالمئة، وهو الأعلى منذ أربعينيات القرن الماضي.
ورغم أن المكتب رجح أن تخفض هذه الرسوم العجز بنحو 3 تريليونات دولار إذا استمرت السياسات الحالية طوال العقد المقبل، إلا أنه أشار إلى أن الرسوم قد تتغير بفعل مراجعة المحكمة العليا لمدى قانونيتها أو بفعل تغيّر توجهات الإدارات المقبلة.
توقعات النمو والعجز حتى 2036
ورجّح مكتب الموازنة في الكونغرس أن ترتفع صافي مدفوعات الفائدة من تريليون دولار في 2026 إلى 2.1 تريليون دولار في 2036، مدفوعة بحجم الدين وارتفاع متوسط أسعار الفائدة، ما يرفع العجز إلى 5.8 بالمئة من الناتج المحلي في 2026 و6 بالمئة في 2028، وصولا إلى 6.7 بالمئة في 2036، وهو أعلى بكثير من متوسط 3.8 بالمئة خلال 50 عام.
كما توقع أن تتجاوز حالات العجز 5.6 بالمئة سنوياً بين 2026 و2036، في سابقة لم تسجل لأكثر من خمس سنوات متتالية منذ 1930.
وفيما يتعلق بالدين العام، من المتوقع أن يرتفع من 101 بالمئة من الناتج المحلي هذا العام إلى 108 بالمئة في 2030، وصولا إلى 120 بالمئة في 2036.
ومع تحسن النمو هذا العام، مدد المكتب موعد بلوغ نسبة الدين مستوى قياسيا إلى 2030 بدلاً من 2029، حين يتجاوز 107 بالمئة من الناتج المحلي، متخطيا ذروة 106 بالمئة المسجلة عام 1946.
أما بالنسبة للنمو الاقتصادي، فتوقع المكتب نمواً بنسبة 2.2 بالمئة في 2026 قبل أن يتباطأ إلى 1.8 بالمئة في 2027 و2028 ويستقر عند هذا المعدل حتى 2036، وهو دون هدف 3 بالمئة الذي يسعى إليه وزير الخزانة سكوت بيسنت.
كما توقع عودة التضخم إلى 2 بالمئة في النصف الثاني من العقد، مع بقائه عند 2.7 بالمئة هذا العام و2.3 بالمئة في 2027، وارتفاع البطالة إلى 4.6 بالمئة في 2026.
العوائد تحت السيطرة رغم التحذيرات
ومع ذلك، لا يتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس تحقق الجزء الأكثر قتامة من سيناريو "حلقة الهلاك"، إذ لا تظهر التقديرات قفزة حادة في عوائد السندات، فمن المتوقع أن ترتفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات من 4.1 بالمئة هذا العام إلى 4.4 بالمئة فقط في 2036، وهو تغير وصفته "بلومبرغ" بأنه "ليس صادما"، مع افتراض استمرار استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
ورغم غياب قفزة حادة في العوائد، نقلت "بلومبرغ" عن جيم ريد، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي والاستراتيجية الموضوعية في دويتشه بنك، قوله إن "الحجم الهائل للدين القائم" واستمراره في الارتفاع قد يقيّد السياسة المالية في الإدارات الأميركية المقبلة.
وأضاف أن واشنطن قد تلجأ في نهاية المطاف إلى أدوات سياسية لخفض عوائد السندات لأجل 10 سنوات، مثل إعادة تصميم بعض القواعد التنظيمية المصرفية.
وفي المحصلة، ترسم التقديرات صورة لا تصل إلى حد الأزمة الحادة، لكنها لا تعكس أيضا ارتياحا كاملا، إذ ترتفع تكلفة خدمة الدين بوتيرة سريعة بينما تبقى العوائد مستقرة نسبيا، في توازن دقيق يضع السياسة المالية الأميركية تحت مجهر الأسواق خلال السنوات المقبلة.
تراجع حيازات الأجانب من السندات الأمريكية
وفي تطور لافت، أظهرت البيانات الرسمية المنشورة على موقع وزارة الخزانة الأمريكية انخفاض حيازات الأجانب الإجمالية من سندات الخزانة الأمريكية إلى 9270.9 مليار دولار بنهاية كانون الأول/ديسمبر 2025.
وسجلت حيازات اليابان تراجعاً من 1202.7 مليار دولار في تشرين الثاني/ نوفمبر إلى 1185.5 مليار دولار في كانون الأول/ديسمبر، كما انخفضت حيازات المملكة المتحدة من 889.0 مليار دولار إلى 866.0 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
وفي بيان صحفي رسمي صدر في 18 شباط/فبراير 2026 بشأن بيانات TIC لشهر كانون الأول/ديسمبر 2025، أوضحت وزارة الخزانة الأمريكية أن الرقم الإجمالي لصافي مشتريات الأجانب من الأوراق المالية طويلة الأجل وغيرها بلغ تدفقا صافياً قدره 44.9 مليار دولار.
وأشارت البيانات إلى أن حيازات المقيمين الأجانب من الأوراق المالية الأمريكية طويلة الأجل ارتفعت بصافي مشتريات قدره 62.9 مليار دولار، كما زادت حيازاتهم من أذون الخزانة الأمريكية بمقدار 9.7 مليار دولار.
تحذيرات من انكسار الدولار وتصاعد مخاطر سوق الدين الأمريكي
وفي تقرير سابق لصحيفة "وول ستريت جورنال" في نهاية العام الماضي، رأت الصحيفة أن ملامح الأزمة بدأت تظهر في الولايات المتحدة، لكنها لم تبلغ "لحظة الحقيقة" بعد، لأن الدولار لا يزال يشكل السد الذي يمنع "صدمة في سوق الدين".
ومع ذلك، حذرت الصحيفة من انكسار هذا الدرع، مستشهدة بأحداث نيسان /أبريل الماضي، حين ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية فجأة عقب مخاوف من "دوامة بيع ذاتية" مشابهة لما حدث في بريطانيا خلال فترة رئاسة ليز تراس للحكومة.
وذكرت الصحيفة أن الفدرالي اضطر في عام 2020 إلى شراء أكثر من تريليون دولار من السندات لمنع انهيار السوق خلال الإغلاقات.
ويأتي هذا في وقت حذر فيه رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول من أن المشكلة تكمن في استمرار العجز الكبير رغم اقتراب الاقتصاد من التوظيف الكامل، مؤكداً أن المسار غير مستدام، في إشارة إلى التحديات العميقة التي تواجه أكبر اقتصاد في العالم في ظل تصاعد الدين وتكاليف خدمته.
وفي ظل هذه المؤشرات المتراكمة، يقف الاقتصاد الأمريكي بين احتواء العجز وضبط ميزانية الاقتراض والحفاظ على ثقة الأسواق العالمية، ما يجعل مسار الدين وتكاليف خدمته أحد أبرز التحديات التي ستحدد ملامح الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات المقبلة.