نشرت صحيفة "
فزغلياد" الروسية تقريرا، سلط الضوء على التهديدات المحتملة التي تشكلها
دول البلطيق وشمال أوروبا على
روسيا بعد تسارع وتيرة التعاون العسكري بينها بدعم من
حلف الناتو.
وقالت الصحيفة في تقريرها الذي ترجمته "
عربي21"، إن إستونيا أعلنت استعدادها لنقل مسرح العمليات القتالية إلى الأراضي الروسية في حال وقوع "غزو" روسي على أراضيها.
وكان وزير الخارجية الإستوني مارغوس تساهكنا قد صرّح في مقابلة مع صحيفة "
ذا تلغراف" أن دول البلطيق الثلاث قادرة على صدّ أي هجوم روسي محتمل من موسكو، ويمكنها توجيه ضربة مضادة مؤثرة إلى الخصم.
وقال تساهكنا: "لهذا السبب تحديداً نُسرّع حالياً وتيرة الاستثمارات في قطاع الدفاع، وقد رفعناها إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي".
كما انتقد تساهكنا سيناريوهات الناتو السابقة التي كانت تتنبأ بـ"احتلال" روسي سريع لدول البلطيق وأكد قائلاً: "هذه مفاهيم عفا عليها الزمن، تفترض أن الإستونيين لن يقاوموا. لم تعد هذه التحليلات تهمنا. نحن على أهبة الاستعداد للرد".
تعزيز القدرات الدفاعية
وذكرت الصحيفة أن جمهوريات البلطيق تشهد تسارعاً ملحوظاً في تعزيز قدراتها الدفاعية. فقد اتخذت إستونيا قراراً بإنشاء مجمّع عسكري في مدينة نارفا الحدودية مع روسيا، ومن المقرر تشييد 12 مبنى على الموقع بما يتيح استيعاب نحو ألف عسكري.
ويُعدّ هذا المشروع -وفقاً للصحيفة- جزءًا من مبادرة واسعة النطاق تهدف إلى إنشاء خط دفاعي موحّد يمتد عبر دول البلطيق الثلاث. وحتى الآن لم تُحدَّد المواعيد النهائية لاستكمال المشروع، غير أن إستونيا تعتزم إنجاز الجزء الخاص بها بحلول نهاية سنة 2027، حسب ما أوردته وكالة "ريا نوفوستي".
وتُعَدُّ ليتوانيا قوة التدخل الرئيسية في المنطقة، إذ يبلغ قوام جيشها حالياً نحو 37 ألف جندي. وقد نشرت ألمانيا على الأراضي الليتوانية لواء دبابات، فيما تتمركز في ميدان "روكلا" للتدريب مجموعة قتالية تابعة لحلف الناتو تحت قيادة ألمانية.
أما إستونيا فقد اختارت دور "الدرع" الدفاعي لدول البلطيق -حسب الصحيفة-، حيث تستضيف أراضيها "مركز التميّز للدفاع السيبراني التعاوني" التابع لحلف الناتو. وبالتوازي مع ذلك، تخطط تالين لتعزيز منظومة الدفاع الجوي، وتدرس إمكانية شراء أنظمة صواريخ مضادة للطائرات من طراز "باتريوت" أو "سامب".
التعاون مع دول الشمال
وأوردت الصحيفة أن هذه الجهود العسكرية في دول البلطيق لا تجري بمعزل عن محيطها، بل تأتي في إطار تكامل وثيق مع دول
شمال أوروبا، وتحديدًا الدنمارك وآيسلندا والنرويج وفنلندا والسويد.
ومنذ سنة 1992، يجمع هذه الدول الثماني إطار "إن بي 8" (دول الشمال والبلطيق الثمانية)، وهو هيكل إقليمي يُعنى بتنسيق التعاون بين الحكومات في عدد من المجالات، بما في ذلك تنسيق السياسات الدفاعية.
وأكدت الصحيفة أن مسار هذا التكامل كان يسير بوتيرة بطيئة نسبياً حتى 2022، غير أن الوتيرة تسارعت بشكل ملحوظ عقب بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
فبعد انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي في 2024، احتلت
السويد وفقًا لمعهد أبحاث السياسات العامة المرتبة الرابعة من حيث الوجود العسكري في لاتفيا، حيث نشرت 550 جنديًا.
كما وتحتل الدنمارك المركز الثاني بحوالي 850 جنديًا، بينما تمثل دول الشمال مجتمعةً حوالي ثلث قوات الناتو الأجنبية المتمركزة في لاتفيا، والبالغ عددها 3500 جندي.
وأوضحت الصحيفة أن التعاون العسكري بين دول البلطيق ودول الشمال بدأ يشهد تحوّلا نحو بناء منظومة موحّدة للمشتريات الدفاعية.
ويُعدّ برنامج اقتناء مركبات المشاة القتالية السويدية من طراز "سي في 90" مثالاً بارزاً على هذا التعاون. وقد كشف موقع "ديفنس إندستري" أن إستونيا وفنلندا وليتوانيا والنرويج والسويد وقعت اتفاقية لتعزيز أسطولها المشترك من هذه المركبات.
ويرى خبراء أن هذا التعاون من شأنه تحسين التوافق والفعالية العملياتية للوحدات القتالية في
الدول الإسكندنافية ودول البلطيق.
الصمود أسبوعين
ترى الصحيفة أن إجمالي القدرات الهجومية للدول الثماني يعدّ مرتفعًا للغاية، وهو ما يعني أن عملية التسلح في المنطقة تمثّل تحديًا كبيرًا لروسيا.
وتنقل عن الخبير العسكري يوري كنوتوف قوله إن مستوى تسليح دول البلطيق الثلاث يضاهي معايير أواخر القرن العشرين.
ويضيف كنوتوف أن ليتوانيا، إلى جانب استضافة لواء مدرع ألماني، تحتضن أيضا كتيبتين ألمانيتين، هما كتيبة الدبابات 203، وكتيبة المشاة الآلية 122.
كما تم خلال الشهر الجاري دمج المجموعة القتالية متعددة الجنسيات التابعة لحلف الناتو ضمن اللواء 45 لتصبح الكتيبة القتالية الثالثة المنتشرة في البلاد، وتشمل وحدات الدعم كتيبة مدفعية، وكتيبة إمداد، وسرية استطلاع، وسرية هندسية، وأخرى للاتصالات.
وأوضح كنوتوف أن "لاتفيا تعتمد كلياً على تدخل حلف الناتو. وكما يقول جنرالات الحلف، فإن هدف دول البلطيق هو الصمود لمدة أسبوعين، ريثما تصل القوة الرئيسية".
تهديد المدن الروسية
ويرى فاسيلي كاشين، مدير مركز الدراسات الأوروبية والدولية في المدرسة العليا للاقتصاد أن "دول البلطيق لا تمتلك قدرات هجومية كبيرة، إلا أن وجودها بالقرب من أكبر المدن الروسية يجعلها حساسة.
ففي حال استخدامها كقاعدة لطائرات مسيرة هجومية أو مدفعية أو صواريخ، قد تشكل تهديدا مباشرا. ويمكن لحلف الناتو نشر قوات كبيرة في المنطقة، لكن هذه الجمهوريات وحدها ليست قادرة على مواجهة الجيش الروسي".
وأشار كاشين إلى أن المهمة الأساسية لجيوش دول البلطيق تتمثل في حماية البنية التحتية العسكرية لحلف شمال الأطلسي، لكنه أوضح أن "عدة مدن روسية كبرى، من بينها سانت بطرسبرغ، تقع ضمن نطاق الاستهداف"، لا سيما أن هذه الدول أبرمت عقوداً لشراء منظومة صواريخ "هيمارس" المزودة بصواريخ "أتاكمز".
من جانبه، أكد كنوتوف أن الجيشين السويدي والفنلندي يتمتعان بتدريب عالٍ على العمليات الشتوية، مضيفا أن "الأسلحة السويدية ملائمة تمامًا للمناخ القاسي.
وقد زودت ستوكهولم أوكرانيا بمركبات قتالية للمشاة سي في 90 ومدافع هاوتزر من طراز آرتشر. كما يمتلك الفنلنديون مخزونًا كبيرًا من الأسلحة السويدية. لكن العملية العسكرية الخاصة أثبتت أن هذه الأسلحة ليست فعالة كما كان متوقعًا".
ويرى كنوتوف أنه لو كانت السويد تمتلك جيشا قويا لما تحدثت عن إمكانية نشر أسلحة نووية للدفاع عن أراضيها.
كما لفت إلى أن الدنمارك نقلت معظم طائراتها ومدفعيتها إلى أوكرانيا، وهي الآن بانتظار المزيد من الإمدادات من الولايات المتحدة، ويعتقد أنه "في حال نشوب نزاع، سيسعى الدنماركيون إلى طلب الحماية من الولايات المتحدة أو أوروبا".
وبناءً على ذلك، يخلص كنوتوف إلى أن دول البلطيق تعتمد بشكل أساسي على ألمانيا، وبدرجة أقل على بولندا، للحصول على الدعم في مواجهة روسيا.
استهداف الملاحة
ويرى كاشين أن أحد التهديدات الواقعية من دول البلطيق تتمثل في إمكانية استهداف الملاحة التجارية في بحر البلطيق.
وأوضح قائلا: "هذا يتطلب وجوداً دائماً للبحرية الروسية لحماية السفن وإظهار قدرات الردع، لكن هذه المسألة تتعلق بعلاقات روسيا مع حلف الناتو بشكل عام، وليس مع دول البلطيق بمفردها.
كما أن هذه الدول وبعض دول شمال أوروبا، مثل الدنمارك، قد تقوم ببعض الاستفزازات، فهي تدرك أن روسيا لا ترغب بأن تخوض صراعا مع الحلف، لكنها لن تتخذ إجراءات حاسمة بمفردها".
ويؤكد كنوتوف أن الجيش الروسي اكتسب خلال العملية العسكرية في أوكرانيا خبرة واسعة جداً "تفوق بعشرات المرات ما يُدرَّسه مدربو الناتو لجنود دول البلطيق، لأن روسيا تعرف كيف تُخاض الحروب في القرن الحادي والعشرين".
ووفقًا للصحيفة، فإن واحدة من أبرز التهديدات بالنسبة لروسيا مرتبطة بأمن مقاطعة كالينينغراد، ويشير كنوتوف إلى أن بعض جنرالات الناتو صرحوا بأن الحلف يمكنه احتلال منطقة كالينينغراد بأقل الخسائر،
ويقول في هذا السياق: "أشكّ في ذلك. لدينا أنظمة صواريخ إس-400، وصواريخ باستيون المضادة للسفن، ومنظومات صواريخ من طراز بال وإسكندر-إم. لا أعتقد أن قوات الناتو ستنجح بشن هجوم فعال".
ويختم كنوتوف بأن أي غزو لمقاطعة كالينينغراد سيُعتبر بمثابة إعلان حرب، وسيشكل مبررًا لاستخدام الأسلحة النووية التكتيكية ضد قوات العدو.