نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا عن مدارس أو أكاديميات تنتشر في الوقت الحالي في مخيمات النازحين بقطاع
غزة ويتلقى فيها أكثر من 9,000 تلميذا مقررات تعليمية تقول الصحيفة إنها "جزء من بناء السلام".
وقالت إن شبكة المدارس الخاصة سريعة النمو، هي من بنات أفكار جراح أعصاب من ولاية كارولينا الشمالية تعلم أيتام الحرب وغيرهم من الشباب الفلسطينيين المحتاجين.
وجاء في التقرير الذي أعده ديفيد م. هالفينجر وبلال شبير إنه في وسط مخيم مكتظ بالنازحين الفلسطينيين جنوب غزة، تبرز بوابة عليها ملصق لافت للنظر لسيارة سباق كرتونية حمراء زاهية. وفي الداخل، يزدان ممر يؤدي إلى مجمعٍ من الخيام الدراسية برسومات للأطفال تعكس واقع الحياة.
وتظهر واحدة من هذه الرسوم منزلا برتقاليا وأصفر وعشبا أخضر، وأشجار زيتون فوق عبارة مكتوبة بخط اليد: "كان لي بيت، أما اليوم فلا أملك شيئا".
وتضيف أنه بهدوء ورغم المخاطر الكبيرة، نشأت في قطاع غزة شبكة من المدارس الخاصة المجانية لأبناء ضحايا الحرب وغيرهم من الأطفال. هذه المدارس، التي تسمى "أكاديميات الأمل"، هي فكرة الدكتور ديفيد حسن، جراح الأعصاب الفلسطيني الأمريكي، الذي زار غزة لأول مرة في مهمات إغاثة طبية بعد وقت قصير من الغزو الإسرائيلي للقطاع في أعقاب هجوم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
اظهار أخبار متعلقة
رغم أنه لم يعد إلى غزة منذ مطلع عام 2024 فقد أسس هذه المؤسسات
التعليمية من خلال بناء شراكات مع منظمات إنسانية على الأرض وتوظيف كوادر فلسطينية عبر تطبيق واتساب، وجمع التبرعات، معظمها من متبرعين يهود، في
الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويدرس نحو 9,000 تلميذا في المراحل الدراسية من الصف الأول إلى التاسع وفي خمسة مجمعات تعليمية، جنوب غزة. ويتناوبون على المدارس في نوبات مدتها ثلاث ساعات، ويتلقون وجبات ساخنة ورعاية طبية ونفسية.
وتقول الصحيفة إن إدارة في أي منطقة حرب أمر بالغ الصعوبة، والمدارس في جميع أنحاء القطاع تكافح من أجل إعادة البناء. لكن الدكتور حسن زاد من صعوبة التحديات التي يواجهها، فقد أعاد هيكلة المناهج الدراسية الوطنية التي تعرضت لانتقادات واسعة، وعمل على حماية مدارسه من خطر حركة حماس. كما يحرص على التأكد من عدم وجود أي صلة بين موظفيه والجماعات المسلحة، وهو اتهام وجهته إسرائيل لوكالة الأمم المتحدة المعنية برعاية الفلسطينيين في غزة وبعض منظمات الإغاثة الدولية.
وتدرس المدارس نسخة معدلة من منهج السلطة الفلسطينية، المطبق في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، ولكن دون أي دروس تشيطن اليهود أو تمجد مرتكبي العنف ضد إسرائيل.
وقال الدكتور حسن إن تغييرات المنهج أجريت دون إذن السلطة، ما أثار تهديدات بالانتقام من وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، ولم يجب متحدث باسم الوزارة على الرسائل لطلب التعليق.
وتشير الصحيفة أن إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي طالما اشتكوا من الكتب المدرسية للسلطة التي ترسخ الكراهية ومعاداة السامية. فيما تؤكد السلطة أن مدارسها تدرس القومية الفلسطينية وتاريخها وثقافتها على النحو الأمثل.
وأشارت الصحيفة إلى أمثلة عن المنهاج الدراسي قبل وبعد، التغييرات: فقد استبدلت مسألة رياضية تقارن عدد "الشهداء" الذين قتلوا في الانتفاضتين الأولى والثانية بمسألة أخرى تتعلق بحضور مباراة كرة قدم في الضفة الغربية.
كما استبدل نص لفهم المقروء يشيد بدلال المغربي - وهي امرأة قادت عملية في إسرائيل عام 1978 بنص عن هند الحسيني، وهي معلمة فلسطينية رائدة.
وفي حصة الدين، تم استبدال، نص عن محاولة اليهود اغتيال النبي محمد بنص يظهر أحاديث للنبي واحترامه لليهود.
كما أضاف فريق الدكتور حسن دروسا أسبوعية جديدة حول "بناء السلام" تعلم مبادئ مثل التسامح واحترام الاختلافات وحل النزاعات.
اظهار أخبار متعلقة
وفي مقطع فيديو صوره أحد موظفي المدرسة خلال إحدى الحصص مؤخرا، يرسم طفل علمَي فلسطين وإسرائيل جنبا إلى جنب، ويقول: "أتمنى ألا تكون هناك حروب أخرى لنعيش بسلام".
واعترف الدكتور حسن بالمخاطر والمجازفة من تغيير المقررات الدراسية وأن بعض المدرسين عبروا عن خوفهم من ردود فعل حماس مع إعادة بسط سيطرتها على معظم غزة. وأضاف أن بعض أعضاء هيئة التدريس استقالوا أو فصلوا بسبب هذه المخاوف. وقال إنه يدرس حتى تركيب كاميرات في الفصول الدراسية لضمان تطبيق التغييرات في المنهج.
وتساءل بعض سكان غزة، عبر منصات التواصل الإجتماعي عن أجندة الدكتور حسن وفيما إن كانت متوافقة بشكل مفرط مع أجندة إسرائيل. ورد آخرون، مستاؤون من حماس، بأن تعليم التسامح أفضل من تعليم الأطفال التضحية بأنفسهم.
وكان الانزعاج من الموضوع واضحا في المقابلات مع أعضاء هيئة التدريس، الذين لم يعين معظمهم من مدارس أخرى، إما أنهم يدرسون للمرة الأولى أو كانوا مدراء مدارس متقاعدين. وأكدوا أنهم يستخدمون المنهج الفلسطيني المعياري، لكنهم أقروا، عند الضغط عليهم، بوجود بعض الحذف.
وقال علاء صباح، 35 عاما، الذي كان يدرس فصلا دراسيا حول المكونات الأساسية للخلية، إنه لا يدرس العلوم فقط.
وقال: "نعلمهم الاحترام والتسامح وتقبل الآخرين. نعلمهم كيف ينهضون من جديد، كطائر الفينيق، وكيف يعودون إلى الحياة من تحت الأنقاض. نعلمهم حب الناس والتواصل الاجتماعي".
وعندما افتتحت المدرسة الأولى في تموز/ يوليو الماضي، قال الدكتور حسن إنه أعطى الجيش الإسرائيلي إحداثيات المدرسة، أملا في حمايتها.
وفي آب/أغسطس، تلقى الموظفون تحذيرا من هجوم إسرائيلي، فتم إجلاؤهم. وبعد ذلك بوقت قصير، استهدفت غارة جوية مسلحين في المبنى المجاور.
وأضاف الدكتور حسن أن المدرسة لم تتضرر كثيراً، لكنها سرعان ما وجدت موقعا جديدا. وقال إن المدرسة الأولى كانت تتسع لـ 200 طالبا. وفي اليوم الأول، حضر 500 طالبا. "بعضهم لم يتناول الطعام لأيام" كما قال.
ففي الصيف الماضي، ومع تفاقم سوء التغذية جراء الحصار الإسرائيلي، قال الدكتور حسن إنه اشترى أطنانا من الطحين من السوق السوداء لأهالي دير البلح. وبعد أن حاز على شكر وثقة شيوخ المنطقة، أقنعهم بتخصيص مساحة لبناء مدرسة. ومنذ ذلك الحين، كما قال، ساعده زعماء العائلات الكبيرة في غزة في الحصول على مساحات لبناء المزيد من المدارس. وأضاف: "لقد فعلنا ذلك بكسب ثقتهم".
ومن بين الطرق التي اتبعها طمأنة تلك العائلات، وكذلك الإسرائيليين والمتبرعين له، بأن موظفيه لا تربطهم أي صلة بالجماعات المسلحة. وأكد الدكتور حسن أن جميع موظفيه قد حصلوا على موافقة السلطات الإسرائيلية، وتم التحقق من عدم إدراجهم في قائمة العقوبات الأمريكية. كما أوضح أن من بين المتبرعين له إسرائيليين. وقال: "قلت للشيوخ: أنا أعمل مع الإسرائيليين". قالوا: "طالما أنهم لا يريدون غسل أدمغة أطفالنا، فنحن بخير".
وتقول الصحيفة إن الدكتور حسن، باحث وأستاذ في كلية الطب بجامعة ديوك، يبلغ من العمر 53 عاما، لم تكن لديه أي خبرة في مجال المساعدات الإنسانية قبل هجوم عام 2023، ولم يكن على صلة وثيقة بالحياة الفلسطينية.
وهو مولود في الكويت لأبوين فلسطينيين من الضفة الغربية، وغادر الشرق الأوسط في سن الـ 18 للدراسة الجامعية في تكساس. وفي سن الـ 19، تخلى عن اسمه الحقيقي عماد، وأصبح يعرف باسم ديفيد. وقال إن الحرب دفعته للعمل، وفي كانون الأول/ديسمبر 2023، كان في غزة في مهمة طبية، حيث أجرى 20 عملية جراحية في 10 أيام، غالبا بدون تخدير أو مطهرات. وعاد في نيسان/أبريل التالي بمزيد من الإمدادات الطبية، وحقق نتائج أفضل.
اظهار أخبار متعلقة
لكنه لم يستطع نسيان عدد الأطفال الذين تيتموا، مثل تلك الفتاة ذات العشر سنوات التي شاهدها تتولى رعاية إخوتها الصغار بعد مقتل والدهم.
وقال الدكتور حسن من منزله في دارم، بولاية كارولاينا الشمالية: "الأطفال ضحايا هذه الحرب، لم يكن لهم أي خيار فيها".
وأضاف أنه لم يعد إلى غزة منذ نيسان/ أبريل 2024 لأنه أثار الشكوك. وقال إنه عندما لم يكن مشغولا بإجراء العمليات، كان يتفقد مخازن المستشفى ويطرح الأسئلة محاولا معرفة ما إذا كان هناك رهائن إسرائيليون في المكان. وأوضح أنه فر عندما علم أن مسلحين يبحثون عنه.
كما أقنع خوسيه أندريه، الطاهي الشهير صاحب مؤسسة "وورلد سنترال كيتشن"، بتوفير وجبات طعام للطلاب، بالإضافة إلى مكاتب ومقاعد ورفوف كتب.
وقال أندريه إنه تبرع أيضا بمبلغ 500,000 دولارا لمشروع الدكتور حسن، ويعتزم التبرع بمبلغ مماثل..
ومن المقرر افتتاح مدرسة الدكتور حسن السادسة شرق مدينة خان يونس، جنوب غزة، وتتسع لعشرة آلاف طفل. ويرغب الدكتور حسن في مواصلة افتتاح المدارس، بهدف خدمة ما يصل إلى 250,000 شابا وشابة بنهاية العام الحالي.