اتفاق في ألمانيا لتطبيق نظام اللجوء الأوروبي الجديد.. كيف سيؤثر على المهاجرين؟

الحكومة الألمانية أن الإصلاحات لا تستهدف تقويض حق اللجوء - جيتي
تشهد سياسة اللجوء في ألمانيا تحولًا جوهريًا وذلك بعد توصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) والاتحاد الديمقراطي المسيحي / الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU/CSU) إلى اتفاق سياسي يقضي بالتطبيق الكامل لإصلاحات النظام الأوروبي المشترك للجوء (CEAS)، في خطوة تعد من أبرز ملامح سياسة الهجرة للحكومة الفيدرالية الجديدة، وتأتي قبل الموعد النهائي الملزم لتطبيق الإصلاحات على مستوى الاتحاد الأوروبي منتصف عام 2026.

ويأتي هذا الاتفاق في وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطًا متزايدة على أنظمة اللجوء، نتيجة استمرار النزاعات المسلحة في مناطق عدة، من بينها السودان وأوكرانيا وسوريا، إضافة إلى تصاعد أعداد طالبي اللجوء الوافدين عبر البحر الأبيض المتوسط، وما رافق ذلك من توترات سياسية داخل عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا.

إصلاح أوروبي في سياق ضاغط

إصلاح النظام الأوروبي المشترك للجوء هو جزء من ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء، الذي أُقرّ في البرلمان الأوروبي في نيسان / أبريل 2024، وصادق عليه مجلس الاتحاد الأوروبي في أيار / مايو من العام نفسه، ليشكل الإطار القانوني الجديد الذي ينظم سياسات اللجوء والهجرة داخل الاتحاد.

ويهدف هذا النظام إلى توحيد قواعد اللجوء بين الدول الأعضاء، وتنظيم إجراءات تسجيل ودراسة طلبات الحماية، وتحديد الدولة المسؤولة عن معالجة الطلب، إلى جانب إدخال آليات تضامن إلزامية بين دول الاتحاد لتقاسم أعباء الاستقبال.

وبحسب الوثائق الأوروبية الرسمية، من المقرر أن تصبح هذه الإصلاحات ملزمة لجميع الدول الأعضاء اعتبارًا من حزيران / يونيو 2026، ما دفع الحكومات إلى تسريع إعداد تشريعاتها الوطنية بما يتوافق مع الإطار الأوروبي الجديد.

ويمثل نظام اللجوء الأوروبي المشترك (CEAS) بالنسبة لوزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت (من الحزب المسيحي الاجتماعي) "الأساس لفرض التحول في سياسة الهجرة في أوروبا" ومن المحتمل أن يحدث ذلك في وقت سابق في ألمانيا، إذ يمكن أن يوافق البرلمان الألماني (البوندستاغ) في فبراير / شباط 2026 على مشروع القانون المعدل.

الاتفاق الألماني: تنفيذ لا تأجيل


في هذا السياق، توصل الائتلاف الحكومي في ألمانيا إلى توافق سياسي شامل حول كيفية تطبيق إصلاحات CEAS على المستوى الوطني، بعد نقاشات مطولة بشأن تأثير هذه التغييرات على النظام الإداري والمالي، وعلى أوضاع طالبي اللجوء داخل البلاد.

وتعمل البوندستاغ "بأولوية عالية" على تنفيذ إصلاحات اللجوء الأوروبية قبل الموعد النهائي، من خلال توحيد الإجراءات، وتطوير الأنظمة التقنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، وعلى رأسها المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF).

وينص الاتفاق الائتلافي على إدخال مجموعة من التعديلات التشريعية والتنظيمية، تهدف إلى مواءمة القانون الألماني مع متطلبات CEAS، بما يشمل تسريع الإجراءات، وتنظيم الاستقبال، وضبط ما يعرف بالهجرة الثانوية داخل الاتحاد الأوروبي.

تسريع البت في الطلبات وتغيير آليات الاستقبال

ومن أبرز ملامح الاتفاق الألماني تسريع إجراءات دراسة طلبات اللجوء، عبر تقليص الفترات الزمنية اللازمة للبت في الملفات، خاصة تلك القادمة من دول مصنفة على أنها "آمنة"، وترى الحكومة أن هذه الخطوة ستخفف الضغط على النظام الإداري، وتمنح طالبي اللجوء وضوحا أسرع بشأن أوضاعهم القانونية.

كما يتضمن الاتفاق إنشاء ما يعرف بـ"مراكز الهجرة الثانوية"، بالقرب من محاور النقل الرئيسية، لإيواء طالبي اللجوء الذين كان من المفترض أن يقدموا طلباتهم في دول أوروبية أخرى، قبل إعادة توجيههم أو نقلهم وفق قواعد دبلن المعدّلة.

وفي إطار التكيف الوطني مع الإصلاح الأوروبي، تقرر أيضا تسريع وصول طالبي اللجوء إلى سوق العمل، حيث ستقلص فترة الانتظار قبل السماح بالعمل من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر، وهي خطوة تقول الحكومة إنها تهدف إلى تسهيل الاندماج وتقليل الاعتماد على المساعدات الاجتماعية.

بطاقة الدفع الوطنية وتقييد الدعم النقدي

ويشمل الاتفاق إدخال نظام بطاقة دفع وطنية موحدة لطالبي اللجوء، بدلا من المساعدات النقدية المباشرة، وتقول الحكومة إن الهدف من هذه الخطوة هو تنظيم الدعم المالي، وضمان توجيهه لتلبية الاحتياجات الأساسية، ومنع إساءة استخدامه.

غير أن هذه الآلية أثارت انتقادات من منظمات حقوقية ترى أن البطاقة قد تحد من حرية طالبي اللجوء في إدارة شؤونهم اليومية، وقد تستخدم كأداة غير مباشرة للحد من جاذبية ألمانيا كوجهة لطلب اللجوء.

تضامن مشروط وتشديد على الحدود

على المستوى الأوروبي، يعزز إصلاح CEAS إجراءات الفحص عند الحدود الخارجية للاتحاد، حيث تنص اللوائح الجديدة على إخضاع فئات معينة من طالبي اللجوء لإجراءات سريعة تشمل التحقق من الهوية والتقييم الأمني والصحي، وذلك قبل دخولهم الفعلي إلى أراضي الاتحاد.

وتؤكد المفوضية الأوروبية أن هذه الإجراءات تهدف إلى منع إساءة استخدام نظام اللجوء، وتسريع التعامل مع الطلبات ذات فرص القبول الضعيفة، في حين تحذر منظمات حقوق الإنسان من أن هذه الآليات قد تؤدي إلى احتجاز فعلي لطالبي اللجوء داخل مراكز مغلقة، وتحد من قدرتهم على الوصول إلى محامين أو مترجمين.

وفي المقابل، ينص النظام الجديد على آلية تضامن إلزامية بين الدول الأعضاء، تتيح لكل دولة إما استقبال طالبي لجوء من دول الحدود، أو تقديم مساهمات مالية ولوجستية، في محاولة لتخفيف الضغط عن دول مثل اليونان وإيطاليا.

وكالة اللجوء الأوروبية ودعم التنفيذ

وفي إطار تنفيذ الإصلاحات، عززت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA) حضورها في ألمانيا، من خلال اتفاق تشغيلي مع المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، يهدف إلى دعم معالجة الطلبات المتراكمة، وتوفير خبرات تقنية وإدارية لتسهيل تطبيق النظام الجديد.

وأشارت إلى أن هذا الدعم يعكس اعتماد الدول الأعضاء بشكل متزايد على الهياكل المؤسسية المشتركة لتنفيذ سياسات اللجوء، خاصة في ظل تعقيد الإجراءات وتشابك الأطر القانونية الجديدة.

تأثير مباشر على طالبي اللجوء

عمليا، من المتوقع أن ينعكس تطبيق إصلاح CEAS بشكل متفاوت على طالبي اللجوء، فالأشخاص القادمون من مناطق نزاع معترف بها قد يستفيدون من تسريع الإجراءات والحصول على قرارات أسرع، بما يسمح لهم بالاندماج المبكر في المجتمع. تقاسم أعباء الاستقبال داخل الاتحاد الأوروبي

وينص النظام الجديد على آلية تضامن إلزامية بين الدول الأعضاء، تتيح الاختيار بين استقبال طالبي لجوء، أو تقديم مساهمات مالية، أو دعم لوجستي وتشغيلي للدول الواقعة على خطوط الوصول الأولى.

ويهدف هذا الترتيب إلى تخفيف الضغط عن دول مثل اليونان وإيطاليا، التي عانت لسنوات من اكتظاظ مراكز الاستقبال وسوء الظروف الإنسانية، رغم التشكيك في مدى فعالية هذا "التضامن" على أرض الواقع.
وتحذر منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش من أن هذه الإجراءات قد تقلل فرص الفحص الفردي العادل، وتؤدي إلى قرارات متسرعة، لا سيما بحق النساء والأطفال وضحايا التعذيب والعنف.

"الدول الآمنة"..  تسريع الرفض أم تقويض الحماية؟

من أكثر البنود إثارة للجدل توسيع مفهوم "الدول الأصلية الآمنة" عبر قوائم أوروبية موحدة، ما يعني إخضاع طلبات القادمين من هذه الدول لإجراءات أسرع، مع تحميل طالب اللجوء عبء إثبات الخطر الشخصي، خاصة وأن تصنيف الدول الآمنة قد يجانه الصواب نظرا لمصالح الحكومات وبعضها.

وترى منظمات حقوقية أن تصنيف دولة ما على أنها “آمنة” لا يعني بالضرورة أمان جميع مواطنيها، محذرة من حرمان الأقليات السياسية أو الدينية من حماية مستحقة، أو تجاهل أشكال قمع محلي لا ترقى إلى نزاعات معلنة.

بين التنظيم والردع

وأكدت الحكومة الألمانية أن الإصلاحات لا تستهدف تقويض حق اللجوء، بل تنظيمه وجعله أكثر كفاءة وعدالة، مشددة على التزامها بحماية الفارين من الحروب والاضطهاد، وفي المقابل، ترى منظمات إنسانية أن نجاح النظام الجديد سيتوقف على كيفية تطبيقه عمليًا، وليس على نصوصه القانونية وحدها.

ويأتي هذا التحول في ظل صعود ملحوظ للأحزاب اليمينية المتطرفة في عدد من الدول الأوروبية، التي تضع ملف الهجرة في صدارة برامجها السياسية، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان إصلاح نظام اللجوء سيحد من نفوذ هذه التيارات، أم يمنحها أرضية جديدة للمطالبة بمزيد من التشدد.

تقييد الحركة داخل أوروبا

يعزز إصلاح CEAS منطق "قدمت طلبك هنا، ابقَ هنا"، عبر تشديد تطبيق قواعد دبلن، وتوسيع التتبع الرقمي لطالبي اللجوء، والحد من ما يُعرف بـ"الهجرة الثانوية" داخل الاتحاد.

ويخشى منتقدون أن يضر ذلك بطالبي لجوء لديهم روابط أسرية أو فرص اندماج أفضل في دول أوروبية أخرى، ما قد يضعهم أمام خيارات قانونية واجتماعية أكثر تعقيدًا.