سلطت مجلة "
فورين أفيرز" الأمريكية الضوء
على حملة التطهير العسكري التي شنها الرئيس
الصيني شي جين بينغ باعتبارها محطة
فارقة في حكمه لإحكام قبضته على
الجيش؛ حيث تكشف هذه الخطوة عن عمق انعدام الثقة
بين القيادة السياسية والجيش، وعن أسلوب شي القائم على الهيمنة المطلقة حتى على
أقرب حلفائه.
وقالت المجلة، في تقرير ترجمته
"عربي21"، إن عزل الجنرال تشانغ يوشيا، وهو أعلى قائد عسكري في الصين،
مثّل لحظة درامية في السياسة الصينية؛ حيث ينبئ قرار شي بإزاحة تشانغ من الهيئة
الحاكمة العليا للجيش، وهي اللجنة العسكرية المركزية، عن مستوى جديد من المؤامرات
الداخلية.
ويعرف شي وتشانغ بعضهما منذ عقود؛ فوالد شي
ووالد تشانغ كانا رفيقين في السلاح خلال الحرب الأهلية الصينية الضارية، وكان
تشانغ أقرب حليف لشي في قيادة الجيش العليا؛ حتى أن شي سمح لتشانغ بالبقاء في
منصبه متجاوزا سن التقاعد غير الرسمي بعد موجة من التطهيرات التي طالت قادة آخرين
في 2022، بل ورقّاه أيضا إلى أعلى منصب لضابط عسكري. ورغم أن علاقة بهذا الطول
والعمق قد تكون ذات قيمة لا تضاهى في أي سياق، لكنها تكتسب أهمية خاصة في عالم
السياسة الصينية الذي يتسم بالقسوة وانخفاض الثقة.
وأشارت المجلة إلى وجود الكثير من التكهنات حول
سبب غضب شي من تشانغ، وكذلك حول ما يعنيه هذا التطهير بالنسبة لهيمنة الزعيم
الصيني على السلطة وأهدافه العسكرية تجاه تايوان والولايات المتحدة.
وقد تكشف هذه العوامل عن نفسها مع مرور الوقت،
لكن الأمر الذي يظهر جليا الآن هو إيمان شي بأن السلطة ممارسة، وقد كشف إقصاؤه
لتشانغ بشكل علني عن سمة أساسية في أسلوبه السياسي؛ وهو أنه لا أحد في مأمن، حتى
أولئك الذين تجمعهم به روابط شخصية عميقة. وكما ذكرت صحيفة "جيش
التحرير الشعبي اليومية"، وهي الدورية الرسمية للجيش، في اليوم التالي لإقالة
تشانغ، فإن حملة شي "لا توجد فيها مناطق محظورة"، وهذا يمثل تحولا
زلزاليا في السياسة الصينية حتى وفقا لمعايير حكم شي القاسية.
أهمية التوقيت
وأوضحت المجلة أن توقيت هذه الخطوة كان موضع
تساؤل الكثير من المراقبين، وقد أعلنت صحيفة "جيش التحرير الشعبي
اليومية" أن تشانغ أقيل بسبب تأجيج "مشاكل سياسية وفساد يهددان القيادة
المطلقة للحزب على القوات المسلحة وتقوّض أساس حكم الحزب"، وأن أفعاله
"تسببت في أضرار جسيمة للقدرات القتالية".
ولكن بالنظر إلى أن الفساد المستشري في الجيش،
فإن الكثير من المراقبين الخارجيين يرون هذه المزاعم مجرد ذريعة لإزاحة تشانغ،
وخصوصا أنه كان يدير سابقا إدارة تطوير المعدات (المعروفة سابقا باسم إدارة
التسليح العامة)، المسؤولة عن شراء الإمدادات العسكرية والمليئة بالفساد، وقد كان
امتناع شي عن إقالته سابقا رغم الإطاحة بقادة سابقين لتلك الإدارة دليلا على ثقته
به.
وذكرت المجلة أن دلالة التوقيت تظهر بشكل أكبر
عند معرفة أن شي كان بإمكانه بسهولة الانتظار حتى تقاعد تشانغ السنة المقبلة؛ حيث
تجاوز بالفعل سن التقاعد البالغ 68 عاما، والمؤتمر القادم للحزب الشيوعي الصيني -
الذي يدخل دفعة جديدة من المسؤولين كل خمس سنوات - لم يبقَ عليه سوى نحو 18 شهرا.
لذا فإن إزاحة تشانغ الآن تبدو مشابهة جدا للاستعراض السياسي الذي قام به شي في
مؤتمر الحزب الأخير، عندما أخرج سلفه هو جينتاو علنا وبالقوة من الجلسة بينما كان
شي يراقب بلا مبالاة.
وكان يبدو حينها أن عزل هو جينتاو وإجبار بقايا
فصيله على التقاعد المبكر أمرا زائدا عن الحاجة؛ فقد كان شي قد همّش بالفعل قاعدة
هو جينتاو عبر انتزاع سلطة مؤيديه أو إحالتهم إلى مناصب هامشية، لكن خطوات شي كانت
إشارة إلى رغبته في الهيمنة الكاملة على السياسة الصينية، وقدرته على ملء مناصب
الحزب العليا برجال يعرفهم منذ عقود.
وأضافت المجلة أن العنصر الآخر المثير للاهتمام
في المبرر الرسمي لإقالة تشانغ هو أنه لم يكن بسبب الفساد فقط، بل أيضا بسبب
"مشاكل سياسية" قد تؤثر على سيطرة الحزب على الجيش. وقد فسّر البعض ذلك
على أنه يعني أن تشانغ تحدى أو خالف حكم شي عمدا، ورغم كون هذا احتمالا واردا، إلا
أنه غير مرجح بالنظر إلى علاقتهما الطويلة، كما أنه لو كان تشانغ يشكل تحديا سياسيا
لشي، لكان على الأرجح أول من يسقط في حملة مكافحة الفساد الأخيرة التي بدأت سنة
2023.
وبالنظر للطابع المتشكك في السياسة الصينية،
فربما يكون شي قد اشتبه فقط في أن تشانغ يشكل تحديا ما لسلطته، مما يثير تساؤلات
حول ما إذا كان شي قد وقع في براثن الشك المدمر الذي يصيب كثيرا من الطغاة
الآخرين. لكن شي لديه تاريخ طويل وموثق من العقلانية القاسية، فهو لا يتصرف عادة
بلا سبب. والأرجح أن تشانغ ببساطة قد استنفد فائدته بالنسبة لشي بعد أن اعتمد عليه
لترسيخ سلطته في الجيش وأزاح معظم جيله.
وأكدت المجلة أن عزل تشانغ يعد ذروة صراع هيمنة
طويل الأمد، فقد سعى شي لأكثر من عقد إلى اختراق عزلة الجيش وفرض سيطرته وإرادته
على المؤسسة، ويبدو أن إزاحة تشانغ هي تتويج لحملة شي ليس فقط لاجتثاث الفساد من
القيادة العليا للجيش، بل أيضا لاستبعاد جيل كامل من كبار الضباط من الخدمة. ويبدو
أن شي خلص إلى أن قادة الجيش في الجيل الحالي غير قادرين على أداء المهمتين
المزدوجتين اللتين حددهما لهم: ضمان أن يكون الجيش مسيّسا بالكامل وبالتالي مستعدا
لأداء دوره كضامن نهائي لحكم الحزب في حال تعرضه لاضطراب داخلي؛ وبناء جيش قادر
على مواجهة خصوم خارجيين إذا لزم الأمر، بما في ذلك الجيش الأميركي.
وقالت إن النتيجة هي أنه من بين الأعضاء السبعة
الذين كانوا في اللجنة العسكرية المركزية عند بداية الولاية الثالثة لشي سنة 2023،
لم يبقَ سوى عضو عسكري واحد وعضو مدني واحد (شي نفسه). ومن اللافت أن الناجي
العسكري الوحيد هو الضابط المسؤول عن الإشراف على تحقيقات الفساد؛ وقد رقي إلى
منصب نائب الرئيس في الخريف الماضي وسط موجة أخرى من التطهيرات العسكرية. وتمنح
حملة التطهير هذه شي الآن فرصة جديدة لإعادة ملء وهيكلة اللجنة قبل مؤتمر الحزب
السنة المقبلة، لا لاختيار أعضائها فقط، بل واختيار أجزاء الجيش التي ستكون ممثلة
فيها أيضا.
وأشارت المجلة إلى أن شي قام بمثل هذا الإصلاح
قبل عقد من الزمن، حين أعاد تنظيم القيادة العليا وقلّصها جزئيا عبر طرد قادة
الأفرع من اللجنة العسكرية المركزية، وقد يجري تعديلات إضافية هذه المرة، أو ربما
توصل إلى قناعة بأن الجيش لا يستطيع إصلاح نفسه. وبالنظر إلى قلة عدد الضباط
الكبار المتبقين، فإن خياراته لإعادة ملء الصفوف العليا محدودة، مما قد يضطره
إلى إدخال مزيد من المدنيين في اللجنة، وهو ما قد يساعد على ترسيخ سيطرة
الحزب على الجيش.
إن رغبة شي في إعادة تشكيل الجيش تتجاوز الفساد
أو الكفاءة؛ فبعد أشهر قليلة من انضمامه إلى اللجنة العسكرية المركزية كنائب رئيس
في خريف 2010، اندلعت ثورات الربيع العربي، وشاهد انهيار عدة أنظمة استبدادية لأن
أجهزتها الأمنية وضعت مصالحها الخاصة فوق مصالح الحزب الحاكم، لذا فهو يرى أن كسر
قدرة الجيش على مقاومة أوامر الحزب أمرا بالغ الأهمية، بل إنه أكثر أهمية من ضمان
الجاهزية القتالية، مما يشير إلى أن مخاوفه الملحة بشأن سيطرة الحزب على الجيش
مخاوف وجودية أكثر من كونها عملياتية فقط.
الغاية المقصودة
وأكدت المجلة أن استعداد شي لتجريد القيادة
العليا من سلطاتها وإعادة بنائها في هذه اللحظة هو أيضا إشارة إلى أنه يشعر
بارتياح نسبي تجاه البيئة الخارجية للصين؛ فإدارة ترامب لا تبدو مستعدة للدفاع عن
تايوان، واستراتيجية الدفاع الوطني التي أصدرتها إدارته الشهر الماضي لم تتضمن أي
ذكر لتايوان. كما يبدو أن الديناميكية السياسية في تايوان تتحرك لصالح بكين قبل
الانتخابات الوطنية المقبلة في الجزيرة عام 2028؛ فقد تراجع الدعم للرئيس
التايواني لاي تشينغ-تي وحزبه التقدمي الديمقراطي، الذي يتخذ موقفا أكثر صرامة ضد
بكين، منذ محاولته الفاشلة الصيف الماضي لإقالة نواب من حزب الكومينتانغ المعارض،
فيما تدعو القيادة الجديدة للكومينتانغ إلى مصالحة أوسع مع بكين.
غير أن حملة التطهير العميقة لاستئصال الفساد
في الجيش لا تشير إلى أنه ليس منتبها احتمال نشوب صراع عسكري بشأن تايوان، بل يظهر
مدى جديته في ضمان استعداد الجيش لمثل هذا الاحتمال غير المرغوب فيه مستغلا هدوء
الوضع عبر المضيق. وقد أظهرت المناورات العسكرية الكبرى لجيش التحرير الشعبي حول
تايوان في كانون الأول/ ديسمبر قدرة الصين على الرد على الاستفزازات وحتى معاقبة
الجزيرة دون اللجوء إلى الغزو.
وختمت المجلة التقرير بأن هوية الشخص الذي
سيخلف تشانغ تبقى مجهولة في الوقت الراهن، ولكن في كل مرة يعيّن فيها شي مدنيا في
اللجنة العسكرية المركزية، ينظر إلى ذلك الشخص باعتباره المرشح الأوفر حظا لخلافة
شي كزعيم الصين المقبل، مما يضيف شخصية جديدة إلى هذه الصراع المتقلب. ورغم عدم
وضوح النزاعات التي أدت إلى سقوط تشانغ، فإن إزاحته تذكير بعبثية تطبيق المنطق
الجبري على شخصيات هرم السياسة الصينية. ومن المرجح أن تكون هناك فصول أخرى كثيرة
في هذه المسرحية المتواصلة. والسؤال الحقيقي بالنسبة لشي هو ما إذا كان يستطيع
كتابة الخاتمة التي ما زالت صعبة المنال: جيش يرقى إلى معاييره القاسية في الولاء
الحزبي والكفاءة العملياتية.