من سيخلف أردوغان؟ "الإيكونوميست" ترسم سيناريوهات ما بعد الرئيس التركي

تكهنات الخلافة تلاحق نجل الرئيس رغم غياب المنصب الرسمي - الأناضول
في تقرير مطول، سلطت مجلة الإيكونوميست الضوء على صعود اسم بلال أردوغان، نجل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في المشهد السياسي التركي، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل الحكم وخلافة الرئيس الذي يمسك بمقاليد السلطة منذ أكثر من عقدين.

ووصفت المجلة مشهدا لافتا شهدته إسطنبول مطلع كانون الثاني/يناير، حين خاطب رجل أربعيني أصلع، يضع وشاحا يحمل العلمين التركي والفلسطيني، حشدا من المتظاهرين على جسر غلطة خلال مسيرة دعما لغزة. وكرر المتحدث عبارات مألوفة في خطاب الرئيس أردوغان، من بينها تشبيه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بـ“هتلر القرن الحادي والعشرين”. ولم يكن المتحدث سوى بلال أردوغان، الابن الأصغر للرئيس.

ورغم أن بلال لا يشغل أي منصب رسمي في الدولة، تشير “الإيكونوميست” إلى أنه بات أكثر حضورا في الحياة العامة، سواء عبر مشاركته إلى جانب والده في لقاءات مع قادة أجانب، أو من خلال عضويته في مجالس إدارة مؤسسات مقربة من الحكومة، إضافة إلى بروزه كأحد الوجوه الرئيسية لدورة الألعاب العالمية للبدو، التي تروج لها أنقرة باعتبارها نسخة تركية من الألعاب الأولمبية.

كما تبنى بلال القضية الفلسطينية بقوة، مستغلا الحرب على غزة لتبرير منح والده صلاحيات أوسع، إذ قال في منتصف كانون الأول/ديسمبر: “لو منح رئيسنا صلاحيات أقوى قليلا، لما تمكنت إسرائيل من ارتكاب هذه الإبادة الجماعية”. واعتبرت المجلة هذا الطرح دليلا على توظيف الحرب سياسيا في الداخل التركي.

لكن المجلة لفتت إلى أن الرئيس أردوغان، الذي ألغى معظم القيود على سلطته، لا يبدو بحاجة فعلية إلى صلاحيات إضافية. فمنذ توليه الحكم عام 2003، أولا رئيسا للوزراء ثم رئيسا للجمهورية، بات يهيمن على مؤسسات الدولة. ورغم أن الدستور يمنعه نظريا من الترشح مجددا بعد انتهاء ولايته الحالية عام 2028، إلا أن تعديلات دستورية أو انتخابات مبكرة قد تفتح له الباب للبقاء خمس سنوات إضافية.

وتوضح “الإيكونوميست” أن تمرير دستور جديد يتطلب دعم 400 نائب من أصل 600 في البرلمان، وهو ما لا يتوافر لأردوغان حاليا. أما خيار الاستفتاء الدستوري، فيحتاج إلى 360 نائبا، لكنه ينطوي على مخاطر سياسية، خصوصا أن استفتاء 2017 الذي عزز صلاحياته فاز فيه بفارق ضئيل وسط اتهامات بالتزوير. لذلك، يرجح أن يلجأ الرئيس إلى الدعوة لانتخابات مبكرة، ربما في أواخر عام 2027.

وفي ظل الغموض الذي يلف صحة أردوغان، والتي تصفها المجلة بأنها “سر من أسرار الدولة”، تشير إلى أن ملامح التراجع البدني تبدو واضحة على الرئيس البالغ من العمر 71 عاما. وإذا قرر عدم الترشح مجددا، فمن المتوقع أن يسعى إلى اختيار خليفة من داخل حزب العدالة والتنمية، الذي حوله إلى كيان شكلي خاضع لإرادته.

وعلى العلن، ينفي قادة الحزب وجود أي خطط لمرحلة ما بعد أردوغان. غير أن المجلة تؤكد أن صراعا محتدما يدور خلف الكواليس، حيث يتنافس أربعة أسماء لنيل رضاه: صهره سلجوق بيرقدار، مهندس برنامج الطائرات المسيّرة؛ وزير الداخلية السابق سليمان صويلو؛ وزير الخارجية الحالي هاكان فيدان؛ وبلال أردوغان.

وتستشهد “الإيكونوميست” باستطلاع رأي أُجري في كانون الأول/ديسمبر الماضي، أظهر أن 33.4% من الأتراك يفضلون هاكان فيدان زعيما لحزب العدالة والتنمية، مقابل 32.5% لسليمان صويلو، فيما حل بلال ثالثا بنسبة 14.2%، متقدما على بيرقدار.

وترى المجلة أن فيدان يمتلك السيرة الأقوى بين المرشحين، إذ قاد جهاز الاستخبارات التركي لأكثر من عقد قبل توليه وزارة الخارجية. كما لفتت إلى تصريحاته المثيرة للجدل بشأن تعثر مشروع المقاتلة التركية بسبب رفض الكونغرس الأمريكي تصدير محركاتها، والتي جاءت عقب لقاء وُصف بالناجح بين أردوغان ودونالد ترامب، في إشارة إلى نفوذ فيدان وقدرته على فرض حضوره.

في المقابل، تحذر المجلة من أن حزب العدالة والتنمية قد يواجه صعوبة في البقاء بعد رحيل أردوغان، خاصة في ظل التراجع الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم التي ما زالت تتجاوز 30%، رغم انخفاضها عن مستويات سابقة. 

كما تشير إلى أن شعبية الرئيس تآكلت بفعل الضرائب المرتفعة وسياسات التقشف، وأنه يتأخر في معظم استطلاعات الرأي عن خصومه، وعلى رأسهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو ورئيس بلدية أنقرة منصور يافاش.

وتنقل “الإيكونوميست” عن الباحثة سيدا ديميرالب قولها إن غالبية ناخبي العدالة والتنمية يرفضون فكرة “الحكم العائلي”، فيما يؤكد الأكاديمي بوراك بيلجهان أوزبك أن “أردوغان حاكم مستبد لكنه يتمتع بشرعية ديمقراطية، أما بلال فلا”.

وتخلص المجلة إلى أن الديمقراطية في تركيا تمر بمرحلة حرجة، وأن استمرار حكم “سلالة أردوغان” ليس مضمونا، رغم كل ما يمتلكه الرئيس من نفوذ وسيطرة على مفاصل الدولة.