أكد باحث إسرائيلي مختص
بالتاريخ السياسي الأمريكي، أن ما يحدث في
فنزويلا يعود سببه الأساسي إلى
النفط،
والمخدرات ليست إلا ذريعة يروجها الرئيس دونالد
ترامب.
وقال الباحث الإسرائيلي
كوبي باردا في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية: "يُصوّر
ترامب الهجوم على فنزويلا على أنه حرب على
المخدرات وسفن تهريب المخدرات، وعصابات
المخدرات، والإرهاب العابر للحدود وهذه هي الذريعة، وهذه هي الرواية التي يسهل
تسويقها للرأي العام الأمريكي وللنظام القانوني. لكن من يتوقف عند هذا الحد فهو
مخطئ. المخدرات ليست سوى مفتاح الباب. وراءها صراعٌ أكبر بكثير على الطاقة
والتكنولوجيا والسيطرة العالمية".
وتابع باردا: لم تكن
الانفجارات التي سُمعت في كاراكاس الليلة حدثًا عابرًا، بل كانت الخطوة الأخيرة في
مسارٍ مُحدد. لم يعد ترامب يُهدد، بل يُنفذ. لم تكن الهجمات على المنشآت العسكرية
والمطارات وشبكات الكهرباء تهدف إلى ردع العصابات، بل إلى شلّ النظام. والآن، مع
إعلان الرئيس ترامب عن اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته وفرارهما من فنزويلا، بات من
الواضح أن هذه الخطوة قد بلغت ذروتها".
وأوضح أنه "تُجسّد
العلاقة بين ترامب ومادورو هذه الطريقة خير تجسيد. في البداية، كان مادورو
مُستهتراً. نزل إلى الشوارع، وسار مع أنصاره، وأظهر ثقةً بالنفس، وتظاهر بالشجاعة.
ومع تصاعد الضغط الأمريكي واقتراب القوات العسكرية، وتغيّر الموقف. سعى مادورو إلى
التهدئة وحاول استمالة ترامب عبر مبادرات ثقافية، حتى أنه استخدم أغاني جون لينون
السلمية مصحوبةً بعزف الجيتار . لاحقاً، عرض ترامب الوصول إلى موارد فنزويلا
النفطية، أملاً في كسب بعض الوقت. لكن محاولته باءت بالفشل".
وذكر أنه "بالنسبة
لترامب، هذه ليست قصة تنتهي ببادرة أو اتفاق مؤقت. إنه لا يسعى للمساومة، بل إلى
قطع العلاقات. قطع فنزويلا عن طرق التهريب، وخاصة عن طريق الطاقة الصيني".
وتابع: لفهم سبب تحوّل
فنزويلا إلى ساحة حرب، لا بدّ من العودة إلى مبدأ أمريكي قديم: مبدأ مونرو. أمريكا
اللاتينية هي بمثابة الفناء الخلفي لواشنطن، ولا يُسمح للقوى الخارجية ببناء موطئ
قدم استراتيجي فيها. لم يختفِ هذا المبدأ، بل أُهمل فحسب. يُعيد ترامب إحياءه
بنسخة مُحدّثة، بتصريحات أقل وقوة أكبر".
ورأى أنه "لم تعد فنزويلا
دولة فاشلة، بل أصبحت مركزًا للطاقة. فعلى مدى العقد الماضي، تدفق نحو 90% من
نفطها إلى الصين، ليس كسوق حرة، بل كسداد للديون. وقد منح هذا بكين إمدادات طاقة
رخيصة ومستقرة، محمية من المخاطر الجيوسياسية. بالنسبة لترامب، يُعدّ هذا تجاوزًا
للخطوط الحمراء، في ظل وجود قوة منافسة تُرسّخ وجودها بقوة في قلب نصف الكرة
الغربي".
وأشار إلى أنه "هنا
تكمن الخطوة الحقيقية. لم تكن الغارات الجوية، والحصار البحري، وإعلان فنزويلا
منظمة إرهابية، والهجمات على ناقلات النفط تهدف إلى إسقاط نظام في يوم واحد، بل
كانت تهدف إلى وقف الإنتاج، وشلّ الصادرات، وتجفيف خط الأنابيب الذي يربط كاراكاس
ببكين. إن القبض على مادورو ليس خروجًا عن هذه الاستراتيجية، بل هو دليل على
نجاحها".
ووفق الباحث الإسرائيلي،
"لم تكن الغارات الجوية، والحصار البحري، وتصنيف فنزويلا منظمة إرهابية،
والهجمات على ناقلات النفط تهدف إلى إسقاط نظام في يوم واحد. بل كانت تهدف إلى وقف
الإنتاج، وشلّ الصادرات، وتجفيف خط الأنابيب الذي يربط كاراكاس ببكين".
وشدد على أن "القبض
على مادورو ليس مجرد رسالة إلى فنزويلا، بل هو بمثابة تحذير إقليمي وعالمي".
وبيّن أن "طهران تدرك أهمية
الأمر جيدًا. فمؤخرًا فقط، حذّر ترامب النظام الإيراني صراحةً من أن إطلاق النار
على المتظاهرين بالذخيرة الحية ليس شأنًا داخليًا، وأن استمرار القمع سيُقابل
بإجراءات. لسنوات، ترسّخت حوله صورة رئيس يُهدّد ولا يُنفّذ. فنزويلا تُبدّد هذا
الوهم. عندما لا يُلبّى التهديد، فإنه لا يختفي بل يُنفّذ. إذا اتخذتُ قرارات في
طهران اليوم، سيزداد مستوى الضغط بشكلٍ كبير".
وأردف: "تُدقّ أجراس
الإنذار في بكين أيضاً. لم تكن فنزويلا مجرد حليف أيديولوجي، بل كانت كتلة طاقة
حيوية. نفط رخيص ومستقر، محمي من الضغوط الدولية. إن القبض على مادورو وشلل
الصادرات ليسا مجرد ضربة للنظام في كاراكاس، بل خسارة لأصل استراتيجي للصين. سلسلة
إمداد بُنيت على مر السنين انقطعت فجأة".
وقال باردا: "حزب الله
يدرك ذلك أيضاً. فقد كانت فنزويلا بمثابة قاعدة أمامية لتوزيع المخدرات وغسيل
الأموال وتهريب الأسلحة. وانهيار النظام هناك ليس مجرد خسارة اقتصادية، بل خسارة
في البنية التحتية العملياتية، ورابطة أخرى تُقتلع من الشبكة العالمية".
واستدرك بقوله: "لكن
ترامب لا يعمل من خلال الدول فحسب، بل يعمل من خلال الناس"، موضحا أن
"استراتيجيته في أمريكا اللاتينية تعتمد على شبكة من القادة المحليين الذين
يعتبرهم شركاء طبيعيين. ولاءات شخصية، وأسلوب حكم متقارب، ومواجهة مباشرة مع النخب
الليبرالية والمؤسسات الدولية. هذه ليست تحالفاً رسمياً، بل شبكة".
وأوضح أنه "في
الأرجنتين، ساهم التهديد الضمني بزوال الدعم الأمريكي إذا لم يلتف الشعب حول حزب
الرئيس خافيير مييل في فوز مفاجئ في الانتخابات البرلمانية. وفي هندوراس، انتُخب
مؤخراً نصري "تيتو" عصفورة، المرشح المحافظ ذو التوجهات المؤيدة
للولايات المتحدة. أما في بوليفيا، فمن المتوقع أن يقود رودريغو باز خطاً مؤيداً
للغرب، وأن يفصل البلاد عن المسار الصيني".
وأشار إلى أن "البرازيل
تعد الساحة الأكثر حساسية. يرى ترامب أن لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الصديق
القديم لبكين، يشنّ حملة سياسية متواصلة ضد جاير بولسونارو، أحد أقرب حلفاء ترامب.
بالنسبة لترامب، لا يُمثّل هذا صراعًا داخليًا، بل محاولة لتفكيك حلقة وصل أساسية
في شبكته الشخصية التي يُؤسسها في القارة".
وذكر أنه "ينضم إلى كل
هؤلاء نجيب بوكيلة من السلفادور، الذي يُعدّ ربما الحليف الأيديولوجي الأبرز.
رئيسٌ يشن حربًا لا هوادة فيها على الجريمة، ومستعدٌ لفعل ما يرفضه الغرب
الليبرالي. بالنسبة لترامب، يُمثّل بوكيلي دليلًا على أن القائد القوي قادر على
إرساء النظام والتحوّل إلى شريك استراتيجي".
ورأى أن "الطاقة ليست
مجرد وقود، بل هي أساس الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والحوسبة
السحابية، والتفوق التكنولوجي. من يسيطر على تدفق الطاقة يسيطر على وتيرة
الابتكار، ومن يسيطر على هذه الوتيرة يسيطر على العقود القادمة. لقد بنت الصين
نفسها على سلاسل إمداد مستقرة، وكانت فنزويلا إحداها. لكن ترامب قطع هذا الرابط".
وختم بقوله: "لذا،
فإنّ فنزويلا ليست انحرافاً عن السياسة الأمريكية، بل عودة إليها. ليست حرباً على
المخدرات، بل استخدام المخدرات كذريعة. ليست عملية محلية، بل تحركاً عميقاً يربط
بين الطاقة والقوة والتحالفات الشخصية في الصراع العالمي ضد الصين. الغرب، على
الأقل في هذه المرحلة، منتصر، وبفارق كبير".