كيف انعكست أزمة السودان على الملف اليمني بين السعودية والإمارات؟

غارة المكلا تكشف تصدع الثقة بين السعودية والإمارات - وام
كشفت تطورات ميدانية وسياسية متسارعة في اليمن عن تصدع عميق في العلاقات بين السعودية والإمارات، بعدما أعادت غارة جوية شنها التحالف بقيادة الرياض على ميناء المكلا، جنوب البلاد، إلى الواجهة حجم انعدام الثقة المتراكم بين القوتين الخليجيتين، رغم محاولات متكررة لاحتواء الخلافات ومنع انفجارها علنا.

ورغم أن إعلان الإمارات سحب قواتها المتبقية من اليمن قد يسهم نظريا في تهدئة المواجهة، فإن الغارة السعودية الأخيرة كشفت بوضوح أن الخلاف بين الطرفين تجاوز التكتيكات العسكرية ليصل إلى مستوى استراتيجي يمس الأمن القومي والنفوذ الإقليمي وتوازنات الطاقة. 

فقد أكدت السعودية، عقب الضربة الجوية، أن أمنها القومي “خط أحمر”، فيما قالت الإمارات إنها فوجئت بالغارة قبل وقت قصير من إعلانها سحب قواتها، مشيرة إلى أن الخطوة جاءت حفاظا على سلامة قواتها.

وتعود جذور الأزمة الحالية إلى التقدم المفاجئ الذي حققته قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعومة من أبوظبي، في مطلع كانون الأول/ديسمبر الماضي، حيث بسطت سيطرتها على مساحات واسعة من جنوب اليمن، بما في ذلك محافظة حضرموت ذات الأهمية الاستراتيجية. 

هذا التحول الميداني وضع السعودية والإمارات على طرفي نقيض في الحرب الأهلية اليمنية المستمرة منذ عام 2014، بعدما كان المجلس الانتقالي شريكا رئيسيا في التحالف الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا ضد جماعة الحوثي.

ويكتسب التقدم الذي أحرزه المجلس الانتقالي حساسية إضافية بالنسبة للرياض، إذ اقترب من مناطق حدودية مع السعودية تحمل أهمية ثقافية وتاريخية خاصة، وترتبط بجذور عدد من الشخصيات السعودية البارزة. وفي هذا السياق، نفذ التحالف الذي تقوده السعودية غارات جوية في حضرموت مرتين خلال أيام قليلة، في محاولة لاحتواء الوضع ومنع تغير موازين القوى.

ورغم إعلان كل من الرياض وأبوظبي إجراء محادثات مع أطراف يمنية مختلفة لاحتواء الأزمة، رفض المجلس الانتقالي الجنوبي دعوات التحالف للانسحاب من المناطق التي سيطر عليها، مؤكدا أنه سيواصل “تأمين” حضرموت، وكذلك محافظة المهرة المجاورة. 

وفي المقابل، شددت الإمارات في بيان لها على أنها سعت إلى التهدئة منذ بداية تقدم المجلس الانتقالي، ونفت أي دور في عمليات من شأنها تقويض أمن السعودية أو تهديد حدودها.

وبحسب مصدر خليجي مطلع على الموقف السعودي، نقلت عنه وكالة “رويترز”، فإن التصعيد الأخير يعود جزئيا إلى “تصور خاطئ” نشأ عقب محادثات جرت في واشنطن خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتناولت الحرب في السودان

وأوضح المصدر أن هذه المحادثات أوحت لمسؤولين إماراتيين بأن الرياض دفعت باتجاه فرض عقوبات أشد على قوات الدعم السريع، بل وحتى عقوبات مباشرة على الإمارات نفسها، على خلفية اتهامات بدعم تلك القوات، وهو ما أثار غضبا في أبوظبي وأسهم في تصعيد التوتر في اليمن.

وأشار المصدر إلى أن اتصالات رفيعة المستوى، شملت مكالمات هاتفية بين مسؤولين سعوديين وإماراتيين خلال كانون الأول/ديسمبر الماضي، لم تفض حتى الآن إلى نتائج ملموسة. وحذر مراقبون من أن أي مواجهة جديدة بين الرياض وأبوظبي قد تزيد من حدة التوتر في منطقة الخليج، التي لطالما قدمت نفسها بوصفها واحة استقرار مالي وسياسي وسط شرق أوسط مضطرب.

ولا يقتصر أثر الخلاف على الملف اليمني فحسب، إذ قد ينعكس أيضا على التنسيق بين البلدين داخل تحالف “أوبك+”، في وقت تستعد فيه السعودية والإمارات لعقد اجتماع افتراضي مع بقية أعضاء التحالف لمناقشة سياسات إنتاج النفط. 

وفي هذا السياق، قال نيل كويليام، الزميل المشارك في مركز تشاتام هاوس للأبحاث، إن العلاقات بين البلدين “لم تكن سهلة على الإطلاق”، مضيفا أن الخلافات بلغت ذروتها خلال السنوات الأخيرة.

ويمتد التنافس السعودي الإماراتي إلى ساحات إقليمية أخرى، أبرزها السودان، حيث تقود مجموعة رباعية تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات جهود الوساطة لإنهاء الحرب الأهلية المستمرة منذ نيسان/أبريل 2023. غير أن هذه الجهود لم تفض إلى وقف القتال، في ظل اتهامات أممية وأمريكية للإمارات بدعم قوات الدعم السريع شبه العسكرية، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.

وفي محاولة لخفض منسوب التوتر، دعا المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، في منشور على منصة “إكس”، إلى تغليب الحوار والحلول السياسية والحفاظ على الصداقات والتحالفات، من دون أن يسمي السعودية أو يشير صراحة إلى اليمن. كما شددت الإمارات، في بيان سابق، على ترحيبها بجهود السعودية لدعم الأمن والاستقرار في اليمن، مؤكدة التزامها المعلن بهذا المسار.

ورغم أن الأزمة الحالية لا تبدو مرشحة لتتحول إلى قطيعة شاملة على غرار أزمة حصار قطر عام 2017، فإنها تعكس مستوى غير مسبوق من التوتر بين حليفين لطالما قدما نفسيهما كركيزتين أساسيتين للاستقرار الخليجي. 

وفي هذا السياق، قال الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله إن الخلافات بين البلدين حول اليمن “كاملة بنسبة 100%”، مشيرا إلى أن التصعيد الأخير رفع مستوى التوتر، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن “الحلفاء قد يتصادمون، لكنهم في النهاية يصلحون خلافاتهم ويبنون على ما يجمعهم”.