دعا الرئيس
الإيراني مسعود بزشكيان للاستماع إلى ما وصفها بـ"المطالب المشروعة" للمتظاهرين، وفق ما ذكرت وسائل إعلام رسمية، بعد يومين من إغلاق أصحاب محلات متاجرهم في طهران احتجاجا على تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع كلفة المعيشة.
وقال بزشكيان على منصة "إكس" إنه طلب "من وزير الداخلية الاستماع إلى مطالب المحتجين المشروعة من خلال الحوار مع ممثليهم، حتى تتمكن الحكومة من التصرف بمسؤولية وبكل ما أوتيت من قوة لحل المشاكل والاستجابة لها"، بحسب
وكالة "إرنا"، وأضاف: "معيشة الشعب همّنا اليومي. لدينا إجراءات أساسية لإصلاح النظام النقدي والمصرفي، والحفاظ على القدرة الشرائية للشعب على رأس أولوياتنا”.
الرئيس الإيراني: " من أين آتي بالمال؟"
ومع بدء مجلس النواب مناقشة مشروع الموازنة للسنة الإيرانية التي تبدأ في 21 آذار/مارس، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام البرلمان إن الحكومة لا تستطيع تحمّل كلفة رفع الأجور بما يتماشى مع معدلات التضخم، وأضاف بزشكيان خلال الجلسة العلنية: "عندما يعاني الناس في معيشتهم، لا يمكن الحكم. يقولون ارفعوا الأجور؛ فليخبرني أحد من أين آتي بالمال؟"، يأتي هذا في ظل تراجع العملة وارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما سيزيد الضغوط على الخطة المالية.
ويقترح مشروع الموازنة المقدم إلى البرلمان زيادة أجور العاملين في القطاع العام بنسبة 20 بالمئة، مع توسيع الإعفاءات من ضريبة الدخل للتخفيف من أثر التضخم، الذي لا يزال من بين الأعلى عالميًا، فيما اعترف بزشكيان بأن هذه الزيادة "لا تتناسب مع التضخم"، لكنه قال إن الحكومة حاولت التعويض من خلال رفع سقوف الدخل المعفاة من الضرائب.
وبموجب المقترح، يُعفى الموظفون الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري 400 مليون ريال (نحو 282 دولارًا) من ضريبة الدخل، فيما يخضع من تتراوح دخولهم بين 400 و930 مليون ريال (282 إلى 655 دولارًا) لضريبة بنسبة 10بالمئة، وفق أرقام نقلتها وسائل إعلام إيرانية.
وأوضح بزشكيان أن الهدف الرئيسي للموازنة هو خفض ما وصفه بـ"نار التضخم" وتجنب العجز الذي يؤدي إلى خلق السيولة، وأضاف أن الحكومة رفعت إنفاقها الجاري بنسبة 2 بالمئة فقط، بعد تقليص بنود اعتبرها غير أساسية، والتوجه نحو "الموازنة القائمة على الأداء"، التي تشترط على الوزارات تحديد الخدمات التي ستقدمها مقابل الحصول على التمويل.
وقال بزشكيان إن الحكومة تخطط لتوسيع الدعم الموجّه، بما في ذلك برنامج قسائم استهلاكية، معتبرًا أن تقلبات سوق الصرف تنعكس مباشرة على تكاليف معيشة الأسر، كما أشار الرئيس إلى أن الحكومة أنفقت نحو 6 مليارات دولار على استيراد البنزين هذا العام، ورصدت قرابة 8 مليارات دولار في الموازنة المقبلة لتوفير عملة مدعومة للواردات الأساسية، في وقت تُسعَّر فيه العديد من السلع فعليًا وفق سعر السوق، كما لفت إلى أن دعم الطاقة يمثل اختلالًا هيكليًا أساسيًا، إذ يؤدي ارتفاع الاستهلاك إلى توجيه دعم حكومي أكبر إلى الأسر الأكثر ثراءً، واصفًا النظام الحالي بغير العادل.
اعتراف بوجود مشكلات معيشية
من جهتها، قالت المتحدثة باسم الحكومة الايرانية، فاطمة مهاجراني إن الحكومة تنظر بجدية إلى احتجاجات المواطنين وتعترف بوجود مشكلات معيشية وتعمل بجد لحل الأزمة الاقتصادية في أقصر مدة.
ونقلت
وكالة مهر للأنباء، عن مهاجراني قولها خلال مؤتمرها الصحفي الأسبوعي: "نرى كيف يكافح الناس لتأمين سبل عيشهم هذه الأيام. ومن واجبات الحكومة أن تصغي إليهم. ونحن نرى ونسمع وندرك الاحتجاجات والأزمات والصعوبات".
وأكدت المتحدثة باسم الحكومة: "ندرك أن رد الفعل الطبيعي للضغوط الاقتصادية والمعيشية يظهر جلياً على مستوى المجتمع. وأؤكد أننا نُقرّ بحق الشعب في الاحتجاجات، ونُشدد على أهمية التجمعات السلمية، التي يكفلها دستورنا. وعلينا جميعاً المساهمة في الوحدة الوطنية للبلاد".
وأشارت مهاجراني إلى أن: "الحكومة، حتى وإن وُجدت أصوات حادة، ستستمع إليها بصبر، لأننا نؤمن بصبر شعبنا، وعندما يرفع صوته، فهذا دليل على حجم الضغوط التي يتعرض لها. إن واجب الحكومة هو الاستماع إلى أصوات الشعب، والمساهمة في التوصل إلى تفاهم مشترك لحل مشاكل المجتمع.
معيشة الأسر على المحك
من جهته، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن افتراضات الموازنة بشأن الأجور تحتاج إلى مزيد من العمل، محذرًا من أن معيشة الأسر على المحك. وأضاف مخاطبًا النواب: "أهمية الموازنة واضحة للجميع… الموازنة هي حياة الناس»، معتبرًا أن زيادة الأجور بنسبة 20% «تنطوي على مشكلات وتحتاج إلى تصحيح".
واستغل عدد من النواب النقاش لانتقاد ما وصفوه بغياب خطط موثوقة لتثبيت سعر الصرف وكبح التضخم، وقال النائب محسن زنغنه إن مستشاري بزشكيان يعتقدون أن سعر الصرف سيرتفع بما يتماشى مع التضخم، ما يعني — بحسب تقديره — زيادة تقارب 40 بالمئة بحلول نهاية العام المقبل، وأضاف زنغنه: "سيد بزشكيان، فريقك الاقتصادي سلّم بعدم قدرته على خفض التضخم وضبط سعر العملة، ولذلك يسعى فقط إلى تقديم قسائم".
بدوره، قال جبار كوشاكينجاد، نائب رئيس لجنة الموازنة في البرلمان، إن المسؤولين لا يبدون رغبة في كبح ارتفاع سعر الصرف، ملمّحًا إلى أن الحكومة قد تستخدم مبيعات العملة الصعبة لسد فجوات مالية. وأضاف لوكالة إيلنا: يبدو أنه لا توجد إرادة لدى الحكومة للسيطرة على سعر الصرف وتحقيق توازنه… هذا الاتجاه يتسارع والأسعار ترتفع بسرعة".
وتأتي مناقشات الموازنة في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني تضخمًا مزمنًا وضغوط العقوبات وقيودًا مالية، تقول السلطات إنها تحد من هامش المناورة، رغم تأكيد الحكومة سعيها إلى حماية ذوي الدخل المنخفض عبر الإعفاءات الضريبية والمساعدات الموجهة، وفي هذا السياق، تراجع الريال الإيراني إلى مستوى قياسي جديد بلغ 1,420,000 ريال للدولار الواحد، فيما تجاوز التضخم السنوي 50%، وأفاد البنك المركزي بانكماش الاقتصاد، رغم زيادة محدودة في إنتاج النفط ومبيعاته.