هل أصبحت موسكو تحت وطأة النيران الأوكرانية؟.. قراءة في المشهد الأمني

الهجمات الأوكرانية تسببت بإغلاق مطارات موسكو الأربعة وأجبرت روسيا على نشر مظلات تشويش- جيتي
في قلب العاصمة الروسية موسكو، التي كانت لعقود طويلة رمزا للقوة والاستقرار، تحول صوت الانفجارات الليلية إلى جزء من روتين الحرب مع أوكرانيا، إذ شهدت المدينة ومحيطها خلال عام 2025 موجات متكررة من الهجمات بالطائرات المسيّرة الأوكرانية، إلى جانب عمليات اغتيال استهدفت مسؤولين روس بتفجيرات داخل العاصمة، ما أثار تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت موسكو فعلا قد دخلت تحت وطأة النيران الأوكرانية.

وبرغم نجاح الدفاعات الجوية الروسية في إسقاط معظم المسيرات، وسجل الاستخبارات الروسية المعروف بقدراته الواسعة، كشفت الوقائع عن حدوث اختراقات أوكرانية متكررة، سواء عبر وصول الطائرات المسيرة إلى محيط العاصمة أو عبر تنفيذ عمليات تفجير داخلها.

وفي المقابل، تؤكد كييف أن هذه الهجمات تستهدف مواقع عسكرية ولوجستية ومنشآت طاقة بهدف تعطيل الجهد الحربي الروسي، ردا على القصف الروسي المستمر للمدن الأوكرانية.

ومع انتقال الصراع إلى هذا المستوى، لم تعد الهجمات الأوكرانية على موسكو أحداثا معزولة أو طارئة، بل باتت تتخذ طابعا منتظما ومتعدد الأشكال، شمل ضربات جوية بالطائرات المسيرة، وتعطيلا متكررا لحركة الملاحة الجوية، وعمليات اختراق أمنية داخل العمق الروسي، وفيما يلي عرض لأبرز هذه الهجمات التي استهدفت العاصمة الروسية ومحيطها خلال الفترة الماضية.

أكبر هجوم على موسكو

في 11 آذار/مارس 2025، شنت أوكرانيا أكبر هجوم بالطائرات المسيّرة على موسكو والمناطق المحيطة بها، ما أدى إلى مقتل ثلاثة موظفين في مستودع لحوم وإصابة 17 آخرين، إضافة إلى إغلاق مؤقت للمطارات الأربعة في العاصمة، وفق وكالة رويترز نقلا عن مسؤولين روس.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 343 طائرة مسيّرة فوق الأراضي الروسية، بينها 91 فوق منطقة موسكو و126 فوق منطقة كورسك الغربية، إضافة إلى مسيّرات قرب محطة كورسك للطاقة النووية.


وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن الإجراءات الوقائية سمحت بالدفاع عن موسكو ومناطق أخرى، رغم إصابة مبان سكنية، كما أفادت هيئة الطيران الروسية بتعليق الرحلات في مطارات موسكو الأربعة قبل إعادة فتحها وتحويل بعض الرحلات إلى مدن أخرى.

هجمات متزامنة بعد هدنة قصيرة

وفي 6 أيار/مايو، أعلنت السلطات الروسية تدمير سرب من الطائرات المسيّرة الأوكرانية استهدف موسكو في هجوم ليلي ثان على التوالي، ما أدى إلى إغلاق جميع مطارات العاصمة لعدة ساعات.

وجاءت هذه الهجمات قبيل إحياء موسكو الذكرى الثمانين لانتصار الاتحاد السوفيتي وحلفائه على ألمانيا النازية، وهي المناسبة التي أعلن قبلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقف إطلاق نار لمدة ثلاثة أيام بين 8 و10 أيار/مايو.

وقالت هيئة الطيران الروسية "روسافياتسيا" إن الرحلات الجوية توقفت أيضا في مطارات إقليمية عدة لضمان سلامة الملاحة.

سلاح روسيا الستراتيجي يحترق

في 25 أيار/مايو، أعلنت وزارة الدفاع الروسية اعتراض وتدمير 95 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق روسية مختلفة، بحسب وكالة "تاس".

وفي 1 حزيران/يونيو، أفاد مصدر في جهاز الأمن الأوكراني لشبكة "سي أن أن" بتنفيذ ضربات جوية واسعة بطائرات مسيّرة استهدفت أربع قواعد جوية في عمق روسيا، ما أدى إلى تدمير أو إصابة أكثر من 40 طائرة، بينها قاذفات استراتيجية من طراز TU-95 وTu-22M3 وطائرة استطلاع A-50.


وأوضح المصدر أن الطائرات المسيّرة أُطلقت من شاحنات داخل الأراضي الروسية في عملية متزامنة وصفها بالأوسع حينها منذ اندلاع الحرب، مشيرا إلى استهداف مطارات بيلايا في إيركوتسك، ودياغيليفو في ريازان، وأولينيا قرب مورمانسك، وقاعدة إيفانوفو الجوية.

وأكد حاكم إيركوتسك إيغور كوبزييف انطلاق مسيّرات من شاحنة قرب قاعدة بيلايا، فيما وصفت وزارة الدفاع الروسية الهجمات بـ"الإرهابية"، معلنة السيطرة على الحرائق وعدم وقوع ضحايا واعتقال بعض المشاركين.

وفي تعليق رسمي، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن العملية استخدمت 117 طائرة مسيّرة، واعتبرها إنجازا عسكريا ودعائيا، مؤكدا أن التخطيط لها استغرق أكثر من عام ونصف، وأنها استهدفت حصرا معدات عسكرية استخدمت لضرب المدن الأوكرانية.

وواصلت روسيا وأوكرانيا تبادلهما الليلي للهجمات بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى، وأعلنت وزارة الدفاع الروسية في 24 كانون الأول/ديسمبر إسقاط 195 طائرة مسيّرة أوكرانية، بينها خمس فوق منطقة موسكو، كانت اثنتان منها متجهتين نحو العاصمة.

وأفادت وكالة النقل الجوي الفدرالية الروسية "روسافياتسيا" بفرض قيود على الرحلات في مطاري دوموديدوفو وفنوكوفو، إضافة إلى مطارات في فولغوغراد وياروسلافل وأورينبورغ وأوفا وأورسك.

سلسلة اغتيالات لقيادات عسكرية

شهدت روسيا خلال السنوات الأخيرة سلسلة عمليات اغتيال استهدفت شخصيات عسكرية وأمنية، ففي 22 كانون الأول/ديسمبر 2025، قُتل الفريق أول فانيل سارفاروف بانفجار قنبلة تحت سيارته جنوب موسكو، وكان يشغل منصب رئيس مديرية التدريب العملياتي في هيئة الأركان العامة.

كما قُتل الفريق أول ياروسلاف موسكالِك، نائب رئيس المديرية العامة للعمليات في هيئة الأركان العامة، بانفجار سيارة قرب موسكو في 25 نيسان/أبريل 2025.

وسبق ذلك مقتل الفريق أول إيغور كيريلوف، رئيس قوات الحماية النووية والبيولوجية والكيميائية الروسية، في 17 كانون الأول/ديسمبر 2024، إثر تفجير عبوة داخل سكوتر كهربائي في موسكو، إضافة إلى حوادث أخرى استهدفت ضباطا وشخصيات مرتبطة بالحرب في القرم وسانت بطرسبرغ وكراسنودار منذ عام 2022.

تحصينات ودفاعات متطورة

بالمقابل، طورت روسيا شبكة واسعة من وسائل الحماية حول موسكو، شملت مظلات تشويش إلكتروني، وطبقات إضافية من الدفاع فوق المباني الاستراتيجية، إلى جانب منظومات دفاع جوي متقدمة لإسقاط المسيّرات قبل وصولها إلى الكرملين.

وسعت موسكو وكييف في الوقت نفسه إلى تطوير طائرات مسيّرة جديدة وابتكار وسائل متعددة لإسقاطها، من التشويش الإلكتروني إلى وسائل تقليدية.

بين الردع والرسالة النفسية

ووصف بوتين الذي سعى إلى عزل موسكو عن الحرب، الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية المدنية، بما فيها محطات الطاقة النووية، بأنها "إرهابية"، وتعهد بالرد.

وبالرغم من التصعيد الملحوظ، تبقى موسكو بعيدة عن الدمار الذي تشهده المدن الأوكرانية مثل كييف أو خاركيف، كما نجحت أنظمة الدفاع الجوي الروسية، بما فيها بانتسير وإس-400، في الحد من الخسائر البشرية داخل العاصمة.


كما أن الهجمات المتكررة حملت بعدا نفسيا واضحا، إذ لم تعد الحرب مقتصرة على الجبهات البعيدة.

لم تصبح موسكو ساحة حرب مفتوحة كما هي حال مناطق الجبهة، لكنها تحولت إلى هدف منتظم للهجمات الأوكرانية، ما فرض على روسيا تخصيص موارد كبيرة لحماية عاصمتها، في إشارة إلى تحول استراتيجي في مسار الحرب التي تدخل عامها الرابع، حيث بات العمق الروسي جزءا من معادلة الصراع الإقليمي.