الصيد في غزة: بحرٌ يضيق وصيادٌ لا ينكسر

نور أسامة السهلي
"تضررت القوارب ومرافق الصيد وأصبح الوصول إلى البحر أكثر خطورة"- جيتي
"تضررت القوارب ومرافق الصيد وأصبح الوصول إلى البحر أكثر خطورة"- جيتي
شارك الخبر
هل الصيد في غزة مجرد مهنة لكسب الرزق، أم أنه جزء من هوية الناس وحياتهم؟ وكيف تحوّل البحر، الذي كان مصدراً للغذاء والعمل، إلى مساحة مليئة بالمخاطر والقيود؟ وما موقف القانون الدولي من هذه الانتهاكات؟

يمتد ساحل قطاع غزة على نحو 40 كيلومتراً، ويشكّل البحر جزءاً مهماً من حياة سكانه، وخاصة الصيادين الذين توارث كثير منهم هذه المهنة عن آبائهم وأجدادهم. فالصيد ليس مجرد مصدر للدخل، بل يرتبط أيضاً بعادات المجتمع وذاكرته وطريقة عيشه.

لكن هذه العلاقة مع البحر تأثرت كثيراً بسبب القيود المفروضة على الصيد، ثم جاءت الحرب التي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لتزيد من معاناة الصيادين، بعدما تضررت القوارب ومرافق الصيد وأصبح الوصول إلى البحر أكثر خطورة. وبناءً على ذلك، فإن الحديث عن الصيد في غزة لا يتعلق بالجانب الاقتصادي فقط، بل يرتبط أيضاً بحق الإنسان في العمل والغذاء والحياة بأمان.

أولاً: كيف تقلّصت مساحة الصيد في غزة؟
المشكلة لم تكن في حجم المساحة وحده، بل أيضاً في عدم استقرارها. فالصياد الذي يعتمد على البحر لتأمين دخل أسرته لا يستطيع التخطيط لعمله بصورة طبيعية عندما تتغير حدود الصيد باستمرار، أو عندما يصبح الوصول إلى مناطق معينة محفوفاً بالمخاطر

قبل عام 2000، كان الصيادون الفلسطينيون يتمتعون بمساحة أوسع للعمل في البحر مقارنة بالسنوات اللاحقة. ونصت اتفاقية غزة-أريحا لعام 1994، ضمن الملحق الأول المتعلق بالترتيبات الأمنية، على السماح بالصيد في نطاق يصل إلى 20 ميلاً بحرياً، مع مراعاة القيود الواردة في الاتفاقية. لكن هذه المساحة لم تبقَ ثابتة، فمع مرور السنوات، فُرضت قيود مختلفة على الصيادين، وأصبحت مساحة الصيد تتغير بحسب القرارات المعلنة والظروف الأمنية.

ووفقاً لما نشره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في تقريره الصادر في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، جرى تغيير حدود الصيد بين نيسان/أبريل وتشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه 14 مرة، بين توسيع المساحة وتقليصها، وشمل ذلك إغلاق البحر أمام الصيادين في بعض المناسبات. وأشار التقرير أيضاً إلى أن المساحة المسموح بها وصلت في بعض المناطق الجنوبية والوسطى إلى 15 ميلاً بحرياً، بينما بقيت في شمال القطاع عند حدود ستة أميال بحرية.

وتوضح هذه المعلومات أن المشكلة لم تكن في حجم المساحة وحده، بل أيضاً في عدم استقرارها. فالصياد الذي يعتمد على البحر لتأمين دخل أسرته لا يستطيع التخطيط لعمله بصورة طبيعية عندما تتغير حدود الصيد باستمرار، أو عندما يصبح الوصول إلى مناطق معينة محفوفاً بالمخاطر.

ثانياً: الاعتداءات على الصيادين وتدمير قطاع الصيد

لم تقتصر معاناة الصيادين على تقليص مساحة الصيد، بل شملت أيضاً إطلاق النار والاعتقال ومصادرة القوارب ومعدات الصيد. ووفقاً لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2019، سُجّلت 248 حادثة إطلاق نار على الأقل قبالة ساحل غزة بين كانون الثاني/يناير وتشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام، كما جرى احتجاز 33 صياداً خلال الفترة نفسها.

وبعد اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، ازدادت المخاطر التي يتعرض لها الصيادون، وأصبح كثير منهم عاجزين عن ممارسة عملهم بصورة طبيعية. ولم تعد المشكلة مقتصرة على الوصول إلى مناطق الصيد، بل امتدت إلى تدمير القوارب ومرافق الموانئ وتعطّل وسائل الإنتاج.

ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في تقريرها المنشور بتاريخ 24 كانون الأول/ديسمبر 2024، انخفض متوسط كمية الصيد اليومية في غزة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 ونيسان/أبريل 2024 إلى 7.3 في المئة فقط من مستواه في عام 2022، وقدّرت المنظمة الخسائر في الإنتاج بنحو 17.5 مليون دولار. كما أشارت إلى تدمير مزرعتي الاستزراع السمكي الرئيسيتين ومفقس الأسماك، وإلى الأضرار التي لحقت بميناء مدينة غزة وقوارب الصيد.

وبناءً على هذه البيانات، يمكن فهم حجم الضرر الذي أصاب القطاع؛ فتعطّل الصيد يعني خسارة مصدر دخل لآلاف الأشخاص، ويؤثر كذلك في توفر الأسماك بوصفها مصدراً للغذاء والبروتين. كما أن إعادة تشغيل هذا القطاع لا تحتاج إلى توقف القتال فقط، بل تحتاج أيضاً إلى إصلاح القوارب والمرافق، وتوفير المعدات والمحركات والوقود، وضمان وصول الصيادين إلى البحر بأمان.

وفي تقرير نُشر في أيار/مايو 2025 على موقع الأمم المتحدة، بعنوان "نحو التجويع: الهجمات المنهجية على الصيد في غزة وآثارها على سبل العيش والحماية"، وردت معلومات نقلاً عن وزارة الزراعة الفلسطينية تفيد بمقتل 200 صياد وأشخاص مرتبطين بقطاع الصيد حتى 11 كانون الأول/ديسمبر 2024. وشمل هذا الرقم أشخاصاً قُتلوا في البحر أو في منازلهم أو في ظروف أخرى، لذلك من المهم عدم اعتباره عدداً للذين قُتلوا أثناء ممارسة الصيد وحدها.

كما وثّق التقرير حوادث استهدفت صيادين ومواقع للصيد، وأشار إلى تسجيل مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حوادث إضافية خلال الفترة من كانون الثاني/يناير إلى 16 أيار/مايو 2025 أسفرت عن مقتل 11 صياداً وإصابة 34 آخرين.

وتبيّن هذه الوقائع أن الخطر لا يقتصر على حياة الصياد نفسه، بل يمتد إلى أسرته التي تعتمد على دخله، وإلى المجتمع الذي يفقد مصدراً من مصادر الغذاء والعمل. فحين يُمنع الصياد من الوصول إلى البحر، أو يفقد قاربه وشباكه، فإنه يخسر وسيلة أساسية للعيش، وقد يجد نفسه مضطراً إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

ثالثاً: ماذا يقول القانون الدولي عن هذه الانتهاكات

لفهم الجانب القانوني، لا بد من الرجوع إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، اللذين يهدفان إلى حماية المدنيين وصون حقوقهم الأساسية، حتى في أوقات النزاعات المسلحة.

وفي رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، تناولت محكمة العدل الدولية الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة، وأوضحت أن التزامات إسرائيل في قطاع غزة بموجب قانون الاحتلال ترتبط بدرجة سيطرتها الفعلية، مع الإشارة إلى استمرار سيطرتها على عناصر أساسية، منها الحدود البحرية والجوية وبعض جوانب حركة الأشخاص والبضائع.

وبناءً على ذلك، فإن تقييم القيود المفروضة على الصيادين يجب أن يأخذ في الاعتبار القواعد القانونية الواجبة التطبيق، وطبيعة كل إجراء والظروف التي فُرض فيها، ومدى توافقه مع حماية المدنيين وحقوقهم.

1. حظر العقوبات الجماعية

تنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على أنه لا يجوز معاقبة أي شخص محمي على مخالفة لم يرتكبها بنفسه، كما تحظر العقوبات الجماعية.

واستناداً إلى هذه المادة، إذا فُرضت قيود على الصيادين بهدف معاقبتهم جماعياً على أفعال لم يرتكبوها، فقد يشكّل ذلك انتهاكاً لحظر العقوبات الجماعية. لكن تحديد هذا التوصيف يتطلب النظر في أسباب فرض القيود وطبيعتها والوقائع المحيطة بها، وليس الاكتفاء بوجود قيود على الصيد وحده.

2. حماية الصيادين بوصفهم مدنيين

يستفيد الصيادون، ما داموا مدنيين ولا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، من الحماية التي يقررها القانون الدولي الإنساني للمدنيين. ويجب التمييز بين المدنيين والمقاتلين، كما يجب عدم توجيه الهجمات إلى المدنيين بصفتهم هذه.

وبناءً على مبدأ التمييز، فإن استهداف صياد لمجرد كونه مدنياً أو بسبب ممارسته مهنة الصيد يثير مسائل قانونية خطيرة. وإذا ثبت أن هجوماً وُجّه عمداً ضد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، فقد يرقى إلى جريمة حرب وفقاً للظروف والأدلة المتاحة.

كذلك، لا يعني تدمير قارب صيد أو منشأة مدنية وحده أن جريمة حرب قد ثبتت تلقائياً؛ إذ يجب التحقق من طبيعة الهدف، ووجود ضرورة عسكرية من عدمها، والظروف المحيطة بالهجوم، وحجم الضرر ومدى تناسبه مع الميزة العسكرية المتوقعة.

3. الحق في الغذاء والعمل ومستوى معيشي مناسب

لا تتوقف آثار منع الصيد عند الخسارة المالية، بل تمتد إلى حق السكان في الغذاء والعمل والتمتع بمستوى معيشي مناسب. ووفقاً للمادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكل إنسان الحق في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، بما في ذلك الغذاء الكافي. كما تقر المادة 6 من العهد نفسه بالحق في العمل.

وبناءً على ذلك، فإن الإجراءات التي تحرم الصيادين من مصدر رزقهم أو تحدّ من وصول السكان إلى الغذاء تستدعي تقييماً قانونياً يأخذ في الاعتبار أثرها على الحقوق الأساسية، إلى جانب الالتزامات الأخرى المفروضة بموجب القانون الدولي الإنساني.

ولا يعتبر كل تقييد للصيد انتهاكاً لهذه الحقوق بصورة تلقائية، لكن استمرار القيود مع تدمير معدات الصيد ومنع الوصول الآمن إلى البحر قد يؤدي إلى آثار خطيرة على قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

4. التجويع بوصفه أسلوباً من أساليب الحرب
حرمان الصيادين من الوصول إلى مصدر للغذاء والدخل، ضمن ظروف أوسع من انعدام الأمن الغذائي وتقييد المساعدات، يثير مخاوف قانونية وإنسانية جدية

يحظر القانون الدولي الإنساني استخدام تجويع المدنيين أسلوباً من أساليب الحرب، كما يحظر مهاجمة أو تدمير أو إزالة الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، وفقاً للشروط والأحكام الواردة في القواعد القانونية ذات الصلة.

وفي هذا السياق، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرتَي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وأشارت إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها جريمة التجويع بوصفها أسلوباً من أساليب الحرب.

واستناداً إلى هذه القواعد والوقائع، فإن حرمان الصيادين من الوصول إلى مصدر للغذاء والدخل، ضمن ظروف أوسع من انعدام الأمن الغذائي وتقييد المساعدات، يثير مخاوف قانونية وإنسانية جدية. ومع ذلك، فإن إثبات جريمة التجويع في واقعة محددة يتطلب التحقق من عناصر الجريمة والأدلة المتعلقة بها.

ختاماً، أرى أن حكاية الصيد في غزة ليست مجرد ملف مهني، بل هي اختبار إنساني وحقوقي حقيقي؛ فالبحر هناك عصب للحياة ورمز لكرامة المجتمع وذاكرته. ويتضح من تقارير الأمم المتحدة و"الفاو" أن تراجع الصيد هو نتيجة تضييق منهجي يشمل تقليص المساحات، واستهداف الصيادين، وتدمير وسائل الإنتاج.

ومع أن تقييم هذه الانتهاكات يتطلب مساراً قانونياً يستند إلى حظر العقوبات الجماعية والتجويع وحماية المدنيين، ستبقى صورة الصياد الذي يصرّ على إصلاح شباكه التعبير الأصدق عن التمسك بالحياة والحق في الأرض. فالبحر ليس مجرد ماء، بل هو هوية، واستعادة حرية الصيد فيه هي أولى خطوات استعادة الحياة الطبيعية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)