أعلن
برنامج الأغذية العالمي قبل أيام قليلة أنه اضطر إلى تقليص
مساعداته الغذائية في
قطاع
غزة بنسبة تقارب الثلث بسبب نقص التمويل الحاد، بحيث انخفض عدد المستفيدين من
1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون فقط، مع خفض الحصص الغذائية إلى النصف وتقليص عدد
الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألفا إلى 150 ألفا وتقليل المساعدات النقدية
المقدمة لآلاف الأسر، في وقت يقترب فيه فصل الشتاء وتظل فيه الأوضاع الغذائية هشة
للغاية، بعد أن كان البرنامج قد وصل إلى نحو 90 في المائة من الأسر طوال السنوات
الثلاث الماضية، ويحتاج البرنامج الآن إلى 450 مليون دولار للحفاظ على عملياته
الحيوية في غزة والضفة الغربية خلال الأشهر الستة المقبلة بعد أن تلقى أقل من نصف
التمويل المعتاد في عام 2026.
هذا
التقليص ليس حدثا عابرا أو نتيجة ظرفية تمويلية فحسب، بل هو حلقة جديدة في سلسلة
طويلة من سياسات ممنهجة يمكن وصفها بهندسة
المجاعة التي تمارسها القوة القائمة
بالاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات طويلة تحت غطاء الاعتبارات الأمنية، وتتعزز اليوم
بتقليص عمل الوكالات الدولية وعلى رأسها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل
اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وبندرة الشاحنات الغذائية التي يُسمح بدخولها إلى
القطاع.
حلقة جديدة في سلسلة طويلة من سياسات ممنهجة يمكن وصفها بهندسة المجاعة التي تمارسها القوة القائمة بالاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات طويلة تحت غطاء الاعتبارات الأمنية، وتتعزز اليوم بتقليص عمل الوكالات الدولية
فوفقا
للتقارير الدولية الأخيرة لا يزال نحو 1.4 مليون شخص، أي حوالي 67 في المائة من
سكان غزة، يواجهون مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد أو أسوأ، بما في
ذلك 200 ألف شخص في مرحلة الطوارئ التي تتطلب تدخلا فوريا لمنع الوفيات الناجمة عن
الجوع. ورغم وقف إطلاق النار الذي أعلن في تشرين الأول/أكتوبر 2025، فإن المكاسب
الهشة في الأمن الغذائي مهددة بالانهيار مع استمرار القيود على المعابر وانخفاض
عدد الشاحنات الداخلة إلى مستويات بعيدة عن الحد الأدنى المطلوب بموجب الاتفاقات
الدولية، والذي يقدر بـ600 شاحنة يوميا، بينما تتحدث مصادر ميدانية عن أرقام أقل
بكثير في كثير من الأيام مع توقف دخول البضائع التجارية في فترات متكررة، مما يحرم
الأسواق المحلية من السلع الأساسية ويزيد الاعتماد على المساعدات الإنسانية
المحدودة.
أما
التضييق على عمل الأونروا والمنظمات الدولية فيأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى
تفكيك البنية التحتية للإغاثة الدولية، فالسلطات الإسرائيلية فرضت منذ أواخر عام 2024
قوانين تمنع الوكالة من العمل داخل الأراضي الخاضعة لسيطرتها بما فيها القدس الشرقية،
وتمنع الاتصال الرسمي معها وتحجب التأشيرات عن موظفيها الدوليين منذ مطلع عام 2025،
مما أعاق دخول المساعدات والعاملين بشكل مباشر إلى القطاع. وتستمر القيود على حركة
المنظمات الأخرى تحت ذريعة الاستخدام المزدوج للمواد أو الاعتبارات الأمنية، في
انتهاك واضح لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني
واتفاقية جنيف الرابعة التي تلزمها بضمان تزويد السكان المدنيين بالمؤن الغذائية
والطبية، وعدم استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب.
إن
استخدام الحصار والتحكم في المعابر وتقنين دخول الغذاء والدواء والوقود ليس مجرد
إجراء أمني، بل يشكل عقابا جماعيا محظورا بموجب المادة الثالثة والثلاثين من
اتفاقية جنيف الرابعة ويرتقي في سياقه الممنهج إلى جريمة حرب وفق نظام روما
الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، حيث يتحول الغذاء إلى سلاح سياسي يهدف إلى كسر
إرادة السكان وإضعاف صمودهم، وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والاجتماعي في القطاع
تحت ضغط الجوع والمرض والنزوح المتكرر.
هذه السياسة لا تقتصر على الجانب الإنساني بل تمتد إلى الأبعاد السياسية والقانونية، فهي تهدف إلى إضعاف المؤسسات الفلسطينية والدولية التي توفر الحد الأدنى من الخدمات الأساسية
ويأتي نقص
التمويل الدولي لبرنامج الأغذية العالمي في سياق أوسع من تراجع المساعدات
الإنسانية العالمية مدفوعا بسياسات بعض الدول الكبرى التي قلصت مساهماتها في
المنظمات الأممية، مما يضع المجتمع الدولي في موقف المتواطئ بالصمت أو التقصير
أمام هذه الهندسة الممنهجة. فبدلا من الضغط لإلزام القوة المحتلة بفتح المعابر
بشكل كامل ومستدام ورفع القيود عن الوكالات الدولية، يلجأ المانحون إلى تقليص
الدعم تاركين المدنيين يواجهون شبح المجاعة من جديد بعد أن أعلنت تصنيفات الأمن
الغذائي الدولية حالة المجاعة في أجزاء من القطاع خلال صيف 2025.
هذه
السياسة لا تقتصر على الجانب الإنساني بل تمتد إلى الأبعاد السياسية والقانونية،
فهي تهدف إلى إضعاف المؤسسات الفلسطينية والدولية التي توفر الحد الأدنى من
الخدمات الأساسية، مما يمهد لفرض ترتيبات جديدة تتجاوز حقوق اللاجئين وحق العودة
المنصوص عليه في القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتتجاهل
مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين في الأراضي المحتلة.
إن ما
يجري في غزة اليوم ليس نتيجة كارثة طبيعية أو نقص موارد عالمية، بل هو نتاج قرارات
سياسية مدروسة تحول المعابر إلى أدوات خنق وتجعل من المساعدات الإنسانية ورقة
مساومة، وتقيد عمل المنظمات الدولية تحت ستار الإصلاحات أو الحياد. وفي مواجهة هذا
الواقع يبقى السؤال معلقا حول مدى التزام الدول المانحة والهيئات الأممية
بواجباتها القانونية والإنسانية، أم أن هندسة المجاعة ستستمر كأداة ضغط سياسي في
صراع يتجاوز حدود القطاع ليطال جوهر القضية الفلسطينية برمتها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.