ثمة أشخاص
قدّر الله عز وجل لهم أن يتقلدوا مناصب مهمة في الدولة، صنعوا خلالها أحداثاً
عظيمة تناثرت تفاصيلها في رحاب الزمن ونظر لها كثيرون من زوايا عديدة.
مِن
هؤلاء الأشخاص مَن دوّنوا بعد مغادرة مناصبهم، سواء كانت بالإقالة أو بالاستقالة، أحداثهم
بطريقة تبرز إيجابياتهم وتخفي سلبياتهم قدر الإمكان، إلا القليل منهم من اتبع
الموضوعية في مذكراتهم واعترفوا بما أخطأوا وندموا على ما كان منهم، وكتبوا ما
صنعوه سواء لعبوا فيه دور البطولة المطلقة أو، بـ"الاشتراك مع"، فكان "شاهد
على العصر".
شاهد
على العصر هو برنامج بدأ مع بداية قناة الجزيرة، لصاحبه الإعلامي أحمد منصور المميز
برتبة "مُحقق" يستضيف ضيفاً من العيار الثقيل جداً يحمل معلومات من
العيار الثقيل الخطير أيضا، ليستنطقه ويذكره بما كتبه، وربما يكون قد نسيه، فتقدح
ذاكرته ويُذّكره بما كان منه من أحداث وكأنها "بنت امبارح"، مستشهداً
بما كتبه الضيف، وما جمعه من معلومات من خلال مذكرات شخصيات أخرى عاصرت الشاهد
الضيف.
قد
يقول قائل: ما فائدة البرنامج طالما أنه يذكر معلومات كتبها صاحبها في مذكراته
وعفا عنها الزمن؟ الإجابة هي أن كثيراً من الناس لا يعرفون ما كان في تلك الحقبة، إما
لأنهم عايشوها ولم يكن لهم اهتمام بالشأن العام، وإما لأنهم وُلدوا بعدها فوصلتهم
معلومات من مصادر محددة اختزلت لهم الحقيقة، وهنا يمكن ذكر المثل الشعبي القائل: "ما
أكذب من شاب تغرب إلا ختيار ماتت أجياله". ثم من خلال السرد الصوتي ولغة جسد
الضيف يكتشف المشاهد هل ما كتبه الشاهد وقاله صحيح أم لا. ثم إن معرفة التاريخ من
صانعيه أو مما كان على قرب منه، يكشف خفايا كثيرة لم يكن المواطن العادي أو الباحث
العادي ليعرفها، كما أن معرفة تلك الأحداث تفيد في رسم تصورات لما يمكن أن يحدث في
الحاضر والمستقبل على اعتبار أن الأحداث التاريخية بما أن صانعيها بشر، فهي قد
تتشابه إلى حدٍ كبير.
شاهد
على العصر من حيث الشكل ليس غريباً عن باقي البرامج، فقد سبقته برامج عدة، ولكن
الجديد أنه يستنطق الضيف ويذكر ما يؤيده أو يعارضه في ما كتبه آخرون لإضفاء
المصداقية عليه.
شاهد
على العصر حلبة صراع ليست جسدية، بل مصارعة ومكاشفة أحداث وذكريات تاريخية، يقتنص أحمد
منصور المعلومات من فم الشاهد فيولد سؤال من كل جملة يتفوه بها الضيف، ليحصل على
أكبر كم ممكن من المعلومات.
تابعت
على فترات الكثير من
الشهود الذين قالوا شهاداتهم على العصر وخاصة الشهود
الفلسطينيين، فتعرفت على أشياء لم نقرأ عنها ولم نستيقنها بالشكل الذي قالوه عنها،
وعرفت من خلالهم أحداث الثورة الفلسطينية منذ النشأة حتى وقت الإدلاء بالشهادة،
فقالوا كلاما كثيرا يصلح أن يكون مجالا للفخر وكلاما أكثر يصل حد الفضائح.
وبما
أنني شاهد على عصر تقاعس فيه أبناء جلدتنا عن نصرتنا في فلسطين وتركونا لآكلي لحوم
البشر يأكلون لحمنا ويشربون دمنا، سأقول إن فلسطين بما تعانيه الآن هو نتيجة أن
العرب الرسميين قد تساوقوا مع العدو أكثر مما يريد، وتركوه يقتلنا بلا رحمة، وكل
يوم يسقط أحبابنا ليكونوا شهداء على عصر الرذيلة العربية، وعصر الهزيمة التي وصلت
حتى النخاع، وأحدث الشهداء هو صديقي وسام سلطان، الذي استهدفته طائرات الاحتلال في
نقطة يديرها هو، تتبع لوزارة الاقتصاد على الحدود الجنوبية الغربية لمحافظة رفح.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.