سباق الإيرادات في العمل الخيري والإنساني (2)

عيسى محمد
"لا نواجه أزمة في التبرعات النقدية، بل تكمن المعضلة في "فقر الحلول المبتكرة" للأزمات والكوارث والمشكلات بعيداً عن الخدمات التقليدية"- الأناضول
"لا نواجه أزمة في التبرعات النقدية، بل تكمن المعضلة في "فقر الحلول المبتكرة" للأزمات والكوارث والمشكلات بعيداً عن الخدمات التقليدية"- الأناضول
شارك الخبر
تحدي الحلول والأفكار المبتكرة

مع بدايات الحرب في غزة، شهدت إسطنبول لقاءً تحضيرياً ضم قرابة 20 مؤسسة ومنظمة إنسانية، بهدف تأسيس لجنة تنسيقية لعقد مؤتمر حاشد يركّز على الدعم الإغاثي والإنساني لأهلنا في غــزة. وقد انصبّ تركيز المشاركين -في المقام الأول- على آليات جمع التبرعات ووضع أهداف مالية تتعهد بها كل مؤسسة.

وهنا كان لي طرحٌ مغاير؛ بيّنتُ فيه أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في جمع التبرعات أو تحقيق الأرقام المالية، بل الواجب هو "ابتكار حلول للكوارث الإنسانية التي سيخلّفها الاحتلال". وتساءلتُ حينها: "ماذا لو أقدم الاحتلال على إغلاق المعابر واستمرت الحرب لفترات طويلة؟"، فما مارسه النظام السوري البائد في ريف دمشق (الغوطة، مضايا، مخيم اليرموك) من حصار وتجويع وفرض أتاوات ليس ببعيد عن المشهد.

هذا السيناريو القاتم هو ما عاشه قطاع غزة واقعاً لاحقاً؛ إذ استمرت الحرب أطول مما كان متوقعاً، وتفاقمت الأزمة أضعافاً مضاعفة. وقفت المؤسسات عاجزة عن إدخال "حبة قمح واحدة"، مما أدى إلى موجة عكسية عالية من التشكيك ساهمت بشكل مباشر في خفض التبرعات، ولا يزال القطاع يئن تحت وطأة أزمة إنسانية عظمى بسبب تعنّت الاحتلال.

مقاربة جديدة للدعم: العقيدة وقوة الكثرة
وقفت المؤسسات عاجزة عن إدخال "حبة قمح واحدة"، مما أدى إلى موجة عكسية عالية من التشكيك ساهمت بشكل مباشر في خفض التبرعات

لقد كانت مقاربتي قائمة على ركيزتين أساسيتين:

1- فلسطين دين وعقيدة: القضية الفلسطينية بالنسبة للمسلمين هي قضية عقائدية، وللإنسانية جمعاء واجب أخلاقي؛ وهذا الدافع الفطري هو المحرك الأول للتبرع.

2- قوة التبرع البسيط: لو افترضنا أن كل مسلم تبرع بدولار واحد فقط، لتم جمع ملياري دولار دون عناء. وهذا المبلغ كان كافياً وقتها لإغاثة المنكوبين.

النتيجة: نحن غالباً لا نواجه أزمة في "التبرعات النقدية"، بل تكمن المعضلة في "فقر الحلول المبتكرة" للأزمات والكوارث والمشكلات بعيداً عن الخدمات التقليدية.

إعادة تعريف مصطلح "الإيرادات" (التبرعات)

هذه الإشكالية تدفعنا لإعادة صياغة مفهوم الإيرادات في سياق العمل الإنساني: هل المقصود بالإيرادات هو المال فقط؟ أم يمكن دمج (التبرعات العينية، الخدمات الاستشارية، التطوع، والأفكار) ضمن هذا المفهوم؟

التعريف الشامل للتبرع: "هو كل إيراد مادي (مال، عين، تطوع) أو معنوي (خدمة، استشارة، فكرة، حل إبداعي) يساهم في إغاثة الناس وتنمية المجتمع".

السباق الحقيقي: الأفكار لا الأرقام
مسؤولية ابتكار الحلول للكوارث والأزمات هي مسؤولية تضامنية بين الجهات المانحة؛ بخبرتها الطويلة وقدرتها المالية، والمؤسسات المنفذة؛ بوجودها الميداني وملامستها للواقع وقدرتها على تقديم الحلول المبكرة

يجب أن يكون السباق الحقيقي في ميدان الأفكار والابتكارات، وفهم المتطلبات الواجبة لتنمية المجتمعات المدنية وحل أزماتها. هذه هي الوظيفة الجوهرية التي أُسست من أجلها المنظمات، فهي لم تُخلق لتكون مجرد "محصل للأموال".

لماذا؟ لأن المال مجرد "وسيلة" لتحقيق الغاية الاستراتيجية (التنمية والإغاثة). وتكمن الخطورة الكبرى في تحول هذه الوسيلة إلى "غاية" في حد ذاتها، مما يؤدي إلى:

- الانشغال عن الهدف: الغرق في جمع المال وإهمال الغاية الأسمى (حل الكارثة).

- تثبيط الهمم: إذا كان "المال" هو الهدف، ستفتر همم الفريق بمجرد جمعه، أو يصابون باليأس عند العجز عنه.

- حرف البوصلة: تتجه العقول نحو "كيف نجمع المال؟" بدلاً من "كيف ننهي المعاناة؟".

القاعدة الذهبية: "كلما قدمت المؤسسة حلولاً ناجعة، آمن بها الداعمون وتدفقت عليها التبرعات تلقائياً. وهنا يصبح المال مؤشر نجاح، وليس هدفاً بذاته".

مسؤولية مشتركة وتمكين الشباب

إن مسؤولية ابتكار الحلول للكوارث والأزمات هي مسؤولية تضامنية بين الجهات المانحة؛ بخبرتها الطويلة وقدرتها المالية، والمؤسسات المنفذة؛ بوجودها الميداني وملامستها للواقع وقدرتها على تقديم الحلول المبكرة.

ولكي تنجح المنظومة، لا بد من تمكين الشباب وإعطائهم الفرصة لقيادة دفة الأفكار، وتقديم حلول بروح عصرية ومبتكرة تواكب تحديات الواقع.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل