في أحد
الأيام، مَرَّ بمكتبي رئيسُ إحدى الجمعيات السورية ليقدم لنا مشروعَ مزرعةِ أبقارٍ
كمشروعٍ تنموي. رحبتُ به ووعدته خيراً، ونظراً لكثافة الانشغال وتحضير بعض الملفات
لاجتماعٍ كبير، قلت له مازحاً: "يا أبا فلان، كم مرة تُحلب البقرة في اليوم؟".
نظرتُ إلى وجهه فوجدته مرتبكاً، قبل أن يجيب: "ما بعرف! دعني أتصل بمُعِدِّ
الدراسة". هنا كانت الصدمة.. وحينها انتهى المشروع الذي لم يبدأ بعد!
يمر علينا
مثل هذا الموقف مراراً وتكراراً.
سؤالٌ
كبير مَرَّ بذهني حينها: كيف سيدير هذا الرجل المشروع ويتابعه؟ وكيف سيحقق أهدافه
ومخرجاته التي يحملها في طيات أوراقه ويطبقها في الميدان؟
متى يولد
المقاول الخيري؟
الحقيقة
أن هذا النموذج هو ما أسميه "المقاول الخيري"، ففي ظل الأزمات والكوارث
والحروب، وخاصة الممتدة منها لسنوات، قد تنشأ في ميادين العمل الإنساني أفرادٌ
ومؤسسات لا تحمل في ثقافتها بعداً إنسانياً أو قيمياً، بل أصبح العمل الإنساني
فرصة لتحقيق أهداف شخصية، أو الحصول من خلاله على فرصة عمل أو وظيفة يُدبّر بها القائمون
عليها شؤون حياتهم، وهذا ليس عيباً في طلب الرزق. وعندما يقدم هؤلاء مشروعاً، قد
تجد دراسته وصياغته قد أُعِدَّت بشكلٍ احترافي، وبمصطلحاتٍ رنانة وجذابة وهوية
بصرية رائعة، ولكن المضمون في حقيقته فارغ.
هذا النموذج هو ما أسميه "المقاول الخيري"، ففي ظل الأزمات والكوارث والحروب، وخاصة الممتدة منها لسنوات، قد تنشأ في ميادين العمل الإنساني أفرادٌ ومؤسسات لا تحمل في ثقافتها بعداً إنسانياً أو قيمياً، بل أصبح العمل الإنساني فرصة لتحقيق أهداف شخصية
إن الواقع
الميداني أصعب بكثير عندما تتحول دراسة المشروع إلى التنفيذ؛ فحينها تجد
"مقاولاً" يدير لك مشروعاً إنسانياً، ويصبح كل همه: كم سيوفر لنفسه من
هوامش ربح؟ وكم صورة سيعطيك؟ وكم لقطة معاناة سيصورها ليستدر عاطفتك؟ إنه يجهز لك
الفواتير بدقة ترضيك، وكأن المشروع بأكمله قد تحول إلى مجموعة من الأوراق والملفات
والصور الجميلة التي تداعب عاطفة المتبرع والداعم، بينما نسي الجميع رسالة العمل
الإنساني القائمة على القيم الأخلاقية والمعايير المؤسسية التي تحفظ وتصون كرامة
الناس، وتضمن عدالة التوزيع، والتنسيق، والشراكة الحقيقية.
نمَت
وتنمو مثل هذه الظواهر غالباً في بيئات الكوارث والأزمات والحروب طويلة الأمد
لسنواتٍ عِجاف، وأحد أهم أسباب ذلك أن البيئة الاجتماعية والقانونية لم تكن مهيأة
بشكل طبيعي قبل حدوث مثل هذه الأزمات والحروب. وما حدث في سوريا شاهدٌ على هذه
الأحداث؛ إذ لم يُهيّئ فيها النظام البائد بنيةً اجتماعية وقانونية للمؤسسات بما
يتيح عملاً إنسانياً واجتماعياً طبيعياً. وفي حالة الكوارث الطبيعية وغير
المتوقعة، لم تكن المجتمعات تتوقع احتياجاتها الكبيرة من القطاع الثالث (غير
الربحي)، وأهمية دوره وتأهيله لمواجهة الكوارث والأزمات.
ونلحظ
أيضاً أن هذه الظاهرة قد تمس بعضاً من الشباب (مَن يُسمَّون بالمبادرين) في حالة
قطاع غزة (
مبادرات فردية ناشئة). هذه الفئة، لقلة خبرتها وعملها الفردي خارج
التنظيم المؤسسي، والعمل دون معايير مؤسسية، قد يكون بعضها عرضة للانحراف السلوكي
عن المعايير المهنية للعمل الإنساني، وتتحول مع الوقت إلى "المقاول الخيري".
هل
المتبرع شريك مقصود/ غير مقصود؟
وتجدر
الإشارة هنا إلى أن جمهور المتبرعين قد يساهم في تضخم ظاهرة "المبادرين"
من خلال التبرع المباشر لهم بعيداً عن
المؤسسات الراسخة في العمل الإنساني، ظناً
منهم سرعة الوصول أو توفير نسب التشغيل، ثم يتفاجؤون بعدها بكوارث سلوكية في
التعامل مع تلك الأموال وتبرعاتهم.
إن هذه
النماذج سرعان ما تتلاشى من المشهد الإنساني والخيري بمجرد أن تضع الحرب أوزارها ويعود
الناس لديارهم بعد كل كارثة طبيعية أو إنسانية. نعم تتلاشى وقد تركت خلفها آثاراً
سلبية عميقة على المجتمع والعمل الإنساني، ومن ثم المؤسسات الإنسانية الراسخة؛
يبدو هذا واضحاً في ضعف ثقة المتبرعين مما يؤدي لانخفاض عمليات التبرع، وهكذا يصبح
المجتمع والعمل الإنساني ضحية ممارسات خاطئة شارك فيها الجميع؛ ابتداءً من المقاول
الانتهازي والمبادر والمؤسسات، ثم جمهور المتبرعين.
الاحتواء
أم المحاربة؟؟
تحويل هذه المبادرات إلى عملٍ مؤسساتي يكبر وينمو ويفيد المجتمع بشكلٍ أوسع وأكبر، بدلاً من محاربتها أو تخوينها أو توجيه أصابع الاتهام إليها
وهنا تجدر
الإشارة إلى سؤالٍ عميق: ما هو دور المؤسسات الإنسانية الكبيرة والرائدة في
التعامل مع هذه الظاهرة؟ هل سيكون دورها الرفض ومحاربة هذه الظاهرة -وخاصة
الشبابية منها- أم الاحتواء والتقنين والتدريب، وحسن توظيفها في خدمة العمل
الإنساني والخيري؟
عند تحليل
هذه الظاهرة بشكلٍ موضوعي، نجد أنها نمت لظروفٍ خارجة عن إرادتها في بيئاتٍ غير
مهيأة، ووسط احتياجٍ كبير، وبعضها من فئةٍ شبابية قادرة على الإنتاج والتحرك
والإبداع وتقديم الأفكار. وبالتالي؛ فإن من الواجب على المؤسسات الخيرية ذات
الخبرة الطويلة احتواؤها تدريباً وتعليماً، واشتراط الكفاءة الميدانية وفقاً
للمعايير المؤسساتية عند التعامل مع هذه النماذج الشابة، وتحويل هذه المبادرات إلى
عملٍ مؤسساتي يكبر وينمو ويفيد المجتمع بشكلٍ أوسع وأكبر، بدلاً من محاربتها أو
تخوينها أو توجيه أصابع الاتهام إليها.
أما
المقاول الانتهازي؛ فإن مبادئ الحوكمة الرشيدة لن تسمح له بالتسلل إلى بيئات العمل
الخيري، وفي حال وجود انحراف تستطيع تقويمه ومحاسبته إن لزم الأمر. وبالتالي أصبح
لزاماً على الشباب المبادرين أن يستمروا في تقديم خدماتهم وفقاً للمعايير
الأخلاقية والمؤسساتية؛ ليبني الجميع مجتمعاً إنسانياً محترفاً وواعياً.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.