ظهر مصطلح
"
الحوكمة" في سبعينيات القرن الماضي ثم انتشر في التسعينيات عندما استخدمه
البنك الدولي في تقاريره. وتهدف لوضع منظومة من القواعد والضوابط التي تنظّم الصلاحيات
والمسؤوليات داخل المؤسسات العامة والخاصة، وذلك لضمان الشفافية والنزاهة ومنع تضارب
المصالح واستغلال النفوذ، بحيث تُدار الأعمال بما يحقق المصلحة العامة ويحمي حقوق المساهمين
والداعمين والمستفيدين والمجتمع بأكمله.
فحين تغيب
"الحوكمة"، تنشأ الفوضى داخل المؤسسات، وتُفتح الأبواب أمام الفساد والمحسوبية
وتحقيق المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة. أما وجود قواعد
"حوكمة" واضحة فهو بمثابة حائط صد متين يحمي الحقوق ويحفظها ويؤديها لأصحابها،
ويضمن سير العمل في الاتجاه الصحيح دون الإضرار بحقوق الآخرين أو المساس بمصالحهم.
حين تغيب "الحوكمة"، تنشأ الفوضى داخل المؤسسات، وتُفتح الأبواب أمام الفساد والمحسوبية وتحقيق المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة. أما وجود قواعد "حوكمة" واضحة فهو بمثابة حائط صد متين يحمي الحقوق ويحفظها ويؤديها لأصحابها، ويضمن سير العمل في الاتجاه الصحيح
إن ما قام
به أهالي قرية
برمبال في محافظة الدقهلية شمال مصر في الثلاثينات من القرن الماضي لنموذج
مشرف في التأسيس للحوكمة. فبرغم أن مصطلح "الحوكمة" لم يكن معروفاً بعد،
فإنهم طبقوا مبادئها عملياً في أعمالهم الخيرية والإنسانية منذ ثلاثينيات القرن الماضي
كما ذُكر في كتاب الرسائل:
"ولقد
كان إخوان برمبال أحكم وأحزم بتوفيق الله تعالى من أن يدعوا للتهم مجالاً وللظنة شبهة،
فتكونت منهم لجنة أولى لعمل الكشوف بالمستحقين أخذ عليها العهد والميثاق: ألا تحابي
ولا تجامل، ولا تفشي سراً، ولا تظهر عورة. ثم تلتها لجنة أخرى للفحص عن هذه الكشوف
ومراجعتها والتثبت من صحتها. ثم لجنة ثالثة لتقدير الأنصبة المستحقة لكل من ثبتت حاجته
واستحقاقه. ثم لجنة رابعة لمراجعة هذا التقدير وإقراره. ثم لجنة خامسة للقيام بالتوزيع
عملياً.
كان هذا النظام
الدقيق الموفق مدعاة إلى الإعجاب والفرح من كل من شاهدوه، أو علموا به، أو رأوا آثاره
الرضية في نفوس برمبال وجيران برمبال.. وكان أهل برمبال بعد ذلك أكبر من العادات وأسمى
من القيود فاتبعوا الرشد وآثروا التعاون، وضربوا في ذلك أروع المثل في تحقيق أمنية
كنا نحلم بها من زمن بعيد" (انتهى).
لقد كانت أعمالهم
مبنية على الضمير الحي والإيمان العميق بالقيم الإنسانية، فقد وضعوا لأنفسهم قواعد
تنظم
العمل الخيري، وتضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها بشفافية تامة وعدالة كاملة.
كانوا يتعاملون بأمانة وإخلاص، لا يسعون إلى شهرة أو مكسب، بل إلى رضا الله تعالى في
خدمة الناس. وهكذا سبق أهل برمبال ظهور مصطلح "الحوكمة" الحديث بعشرات السنين.
ورغم التطور
الكبير الذي شهدته أنظمة "الحوكمة" اليوم، فإن التجربة أثبتت أن نجاح أي
منظومة يعتمد أولاً على ضمير الإنسان نفسه، فالمعايير واللوائح والرقابة لا تكفي وحدها
إذا غاب الضمير.
وقد لخّص المفكر
الإسلامي الشيخ محمد الغزالي رحمه الله هذه الحقيقة حين قال: "إذا مات ضمير الإنسان وأنكر الحق، فلن ينفعه حفظ القرآن ولا دراسة
السنن". وهذا ما يؤكد أن الضمير الحي هو الجدار المتين الأول لحماية وحفظ الحقوق
وأداء الأمانة الواجبة.
ولهذا، كانت
أول صفة عُرف بها النبي الكريم ﷺ قبل بعثته هي الصدق والأمانة، وهما جوهر الحوكمة التي
رسخها الإسلام لتكون أساس العمل في أي مؤسسة أو مجتمع.
إن تجربة برمبال
تعلمنا بأن "الحوكمة" ليست مجرد قوانين مكتوبة أو لوائح معلقه، بل هي قبل
ذلك ثقافة مؤسسة وأخلاق إنسانية حميدة. فإذا استقام الضمير، استقام العمل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.