يظن كثيرون
أن إنقاذ الأرواح هو العمل البطولي الوحيد الواجب القيام به، وأن الله عز وجل
موجود فقط في بطون الجائعين، وأن توفير رغيف الخبز المهمة الإنسانية التي تقرب
الانسان إلى الله زلفى، والتفكير في مستقبل الناس أهم ألف مرة من ماضيهم.
لكن الكثيرين
كان لهم رأي آخر، لم ينكروا أهمية إنقاذ الأرواح، ولم ينسوا أن الله عز وجل قال "ويطعمون
الطعام"، ولم يغب عن بالهم أن المستقبل مهمٌ جداً، فأخذوا على عاتقهم القيام بعلميات
إنقاذ بطولية لأشياءٍ قد تبدو في عيون الآخرين غير مُهمِة، فقالوا للمَهَمَة "نحنُ
لك"، فأنقذوا "غير المهم" في عيون الآخرين؛ لأن إنقاذها بطولة، وفقدانها
هزيمة من نوع آخر أكثر مرارة. وهذه الفلسفة لا يفهمها إلا القليل العارفين
بأهميتها، فمن هم؟ وما القضية؟
مِن
هؤلاء القلة هو الباحث الفلسطيني الدكتور عبد اللطيف أبو هاشم، والباحثة المهندسة الفلسطينية
حنين العمصي، وقضيتهم هي إنقاذ
التراث المخطوط في
غزة.
عبد
اللطيف أبو هاشم هو رجل من رفح جنوب قطاع غزة، ربما لا يعرفه الكثير إلا إذا كانت
الميول متقاربة، فهو رجل حريص جداً على استثمار وقته بالعلم، كنتُ أزوره في مكتبه
في دائرة
المخطوطات التابع لوزارة الأوقاف في غزة، فأجده منشغلاً بمتابعة
المخطوطات القديمة، وأذكر أنه في أحد زياراتي له في مقر عمله، دخل اثنان من
العاملين يحملان كراتين، كنتُ أظن أن فيها عدة عناوين من
الكتب، لكنه أخبرني أن
ذلك نسخة من كتاب قديم، وللأسف نسيت اسمه.
دورهما البارز في إنقاذ التراث المخطوط في غزة، ورقمنة أكثر من 25 ألف صفحة من مخطوطات تعود للعصرين المملوكي والعثماني، وإسهامهما في إنشاء أول مختبر لترميم المخطوطات في القطاع، وتطوير إجراءات للحفظ الطارئ للتراث الوثائقي خلال الحرب
كانت
اللقاءات معه مفيدة جداً، وحدثني ذات يوم أن مكتبته الشخصية برفح فيها ما يزيد عن
20 ألف كتاب، لكنه لم يتمكن من إخراجها بسبب الاجتياح الإسرائيلي لرفح، في أيار/مايو
2024.
هذا
الرجل الذي لم يسعَ للظهور الإعلامي، رغم أننا بحاجة لعلمه ولديه ما يقوله، حاز
مؤخراً برفقة المهندسة حنين العمصي جائزة "جيكجي" الصادرة عن منظمة
اليونيسكو،
لدورهما البارز في إنقاذ التراث المخطوط في غزة، ورقمنة أكثر من 25 ألف صفحة من
مخطوطات تعود للعصرين المملوكي والعثماني، وإسهامهما في إنشاء أول مختبر لترميم
المخطوطات في القطاع، وتطوير إجراءات للحفظ الطارئ للتراث الوثائقي خلال الحرب.
ومما
يرفع مستوى الفخر عندنا، أنه لأول مرة في تاريخها منذ نشأتها في 2004، تُمنح جائزة
اليونسكو "جيكجي" العالمية للذاكرة لأفراد بدلاً من المؤسسات. ولقد
أعجبني ما قاله أبو هاشم: إن ما جرى إنقاذه لم يكن مجرد أوراق قديمة، بل
"ذاكرة مدينة" وجزءاً من تاريخ فلسطين والإنسانية، إنه انتصار للذاكرة
في زمن الدمار، مؤكداً أن الجائزة تمثل بداية لمسؤولية أكبر لمواصلة حماية ما تبقى
من تراث غزة وترميمه وتوثيقه وإتاحته للأجيال المقبلة. وراق لي أيضا ما كتبته المهندسة
حنين: "لقد
فعلناها"، مُهديةً الجائزة "لفلسطين أولاً ولغزة ثانياً وثالثاً ورابعاً".
فإلى
من يظن أن التراث غير مهم، فليقرأ ماذا فعل المغول في مكتبة بغداد حين دخلوا
العراق عام 656 هجرية؛ لققد قاموا بأشنع الجرائم في تاريخ الفكر الإنساني.
كل
الاحترام والتقدير للباحث المؤرخ عبد اللطيف أبو هاشم وللباحثة المهندسة حنين
العمصي على هذا الجهد الرائع.
ملاحظة:
"جيكجي"، الذي تحمل الجائزة اسمه، هو كاتب كوري يُعد أقدم كتاب معروف
باقٍ، وطُبع باستخدام حروف معدنية متحركة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.