في
غزة حيث البقعة الجغرافية الصغيرة، ذاق الناس كل ما يخطر على بالِ البشر من أنواع
العذاب، توزعت على كلِ فئاتِ المجتمع، منهم، المُحاضر الجامعي.
الحديثُ
عن
معاناة المُحاضر الجامعي معاناةٌ مركبةٌ، ويجب النظر لها من عدةِ زوايا، أولها أنه
عضو ومسئول مؤسسة اجتماعية صغيرة اسمها "الأسرة" فهو أبٌ وزوجٌ، وعضوٌ
في مؤسسةٍ علميةٍ هي الجامعة، وأدخلته الظروف الحالية رغماً عنه في مؤسساتٍ أخرى
لم يسع لنيل عضويتها، فأصبح عضواً في طابور المياه الصباحي وعضو في طابور الحصول
على الطعام "التكية" المسائي، وطابور الحصول على المساعدات الغذائية.
المؤسسات
الأولى هو راضٍ عنها وعن عضويته فيها، لكن المؤسسات الجديدة تزعجه ليس؛ لأنه يرى
نفسه أكبر من غيره من الناس، فهو الأجدر بمعرفة أن الشعوب عبر العصور لم تنل
حريتها بالمجان، بل لأنه يجب عليه القيام بمهامٍ أخرى؛ لأن ثمةَ من ينتظر اللقاء
به في ساحاتٍ لا تقلُ أهميةً عن ساحاتِ القتال، ألا وهي اللقاءات التعليمية عبر الإنترنت،
فيا ترى ما الصعوبات التي يواجهها المحاضر الجامعي؟
رغم الظروف الصعبة يجتهد المعلم والطالب لتجاوزها، ليس بالقدر الكبير، بل بالقدر الذي يساعد مسيرة التعافي التدريجية في كل سبل الحياة بغزة، والتي تعطلت نتيجة ظروف الحرب والعدوان المستمرة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023
انطلاقاً
من أن أهل مكة أدرى بشعابها، سأروي لكم قصة صديقي المحاضر الجامعي علاء الحوت،
الذي يعاني كما غيره من أبناء الشعب بغزة انقطاع التيار الكهربائي منذ تشرين الأول/
أكتوبر 2023.
صديقي
علاء شابٌ في النصف الثاني من العقد الثالث من عمره، مجتهد في دراسته، ونتيجة
اجتهاده تم تعيينه محاضراً في الجامعة الإسلامية قسم التكنولوجيا، وما يعانيه ليس
حصراً عليه فقط، بل كل من ينتمي لتلك الفئة هو أيضاً يعاني.
أخبرني
أن من أوجه المعاناة هي أن التحضير للدروس الالكترونية يحتاج جهاز حاسوب وجوال بحالة
جيدة وطاقة كهربائية مساعدة على أداء المطلوب، والأهم من ذلك الهدوء، فلو توفرت
بعض الأمور وغاب الهدوء، فلن يتمكن من أداء المهمة بالقدر المناسب، لذا فهو يسجل
محاضراته ليلاً ظنّاً منه أن الليل هادئ، لكن غزة لا يهدأ ليلها ولا نهارها، وهنا
يكون مُجبراً على تسجيل المحاضرات بشكلٍ أقل جودة، وقد يكون مجبراً على تكرار
التسجيل أكثر من مرة.
ما
سبق يتعلق بالمحاضرات المسجلة، أما فيما يتعلق بالمحاضرات المباشرة، فالأمر أكثر
صعوبة، حيث قد لا تكون الأجهزة (الجوال والحاسوب) مشحونة بالطاقة الكهربائية، وقد
يغيب الإنترنت، أو يحضر بشكلٍ متقطع، عدا عن ضجيج الحياة وقت النهار، حيث الكل
يسعى خلف مقومات الحياة من مياه وتكية وغيرها.
إضافة
لذلك أن المحاضر الجامعي والطالب أيضاً مُجبران على تلبية احتياجات الأسرة من مأكلٍ
ومشربٍ، وهذا يؤثر على الراحة النفسية عند الجميع من حيث القدرة على إرسال المعرفة
واستقبالها.
لكن
رغم الظروف الصعبة يجتهد المعلم والطالب لتجاوزها، ليس بالقدر الكبير، بل بالقدر
الذي يساعد مسيرة التعافي التدريجية في كل سبل الحياة بغزة، والتي تعطلت نتيجة
ظروف الحرب والعدوان المستمرة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
المحاضر
الجامعيُ مثابر من طرازٍ رفيع، يقوم بمَهمَةٍ مُهمِةٍ يصد من خلالها محاولات العدو
لتدمير التعليم في فلسطين؛ لأن الاحتلال يدرك أن تدمير التعليم بكل مكوناته
(المعلم والطالب والمنهاج) إنما هو بداية لتدمير الهوية الفلسطينية والمستقبل، وتحويل
الشعب من شعبٍ باحثٍ عن مستقبل مشرق ومشرّف لشعبٍ باحثٍ عن حياةٍ دون أي مقومات
كرامة.
نختم:
إن قصة المحاضر علاء ليست الوحيدة في غزة، بل يوجد مثلها الكثير، والأقسى منها،
فلكل إنسان قصة تختلف عن الأخرى، لكن الجامع بين كل القصص هي الرغبة في مواصلة
البحث عن الحياة من بين ركام الموت.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.