بين يقين و"حدّة.. الوجه الآخر للوجع".. ما المفقود؟

رغم المسارات النضالية الطويلة والحقوق التي انتزعتها المرأة على امتداد عقود، يظلّ المفقود مفقودا.
رغم المسارات النضالية الطويلة والحقوق التي انتزعتها المرأة على امتداد عقود، يظلّ المفقود مفقودا.
شارك الخبر
هل ثمة حدود فاصلة بين ما نكتبه وما نعيشه؟ أليس المتخيّل، في جانب منه، صورة عن أفكارنا وتمثّلاتنا لأنفسنا ومجتمعاتنا؟ هذا هو السّؤال الذي أثارته فيّا  قراءتي لرواية  "حدّة:الوجه الآخر للوجع" لسماح اليحياوي في سياق مخصوص عنوانه الأكبر:  جريمة الاغتصاب الجماعي ليقين طفلة الست عشرة سنة.

كنت أقرأ "حدّة" وتزاحمني في الآن ذاته صورة الطفلة المعنّفة جسديّا ورمزيّا مع كلّ مشهد وكلّ صورة وكلّ صفحة أطويها حتى بدا لي أنّني أمام وجوه مختلفة لوجع واحد بل وأمام ممارسات اجتماعية تبدو أحيانا  وكأنّها عمليّة انتقام جماعي من الحقوق التي اكتسبتها المرأة منذ صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956.

 فالوجه الآخر للرواية، الصّادرة عن دار المقدّمة للنشّر لسنة 2026،  هو وجوه نساء كثيرات تتشابه معاناتهنّ. إنّها "حدّة" بطلة الرواية وليست يقين، لكنّ وجع الشخصية المتخيّلة في الرواية يتقاطع مع وجع الشخصية الحقيقيّة في واقعنا و التي  وجدت نفسها بعد الاعتداء عليها أمام محاكمة اجتماعية موازية. ليكون بذلك الثّابت في روايتنا تمثّلات المجتمع لجسد المرأة ومكانتها وحريّتها والمتغيّر فقط هو أسماء الضحايا.

ورغم المسارات النضالية الطويلة والحقوق التي انتزعتها المرأة على امتداد عقود، يظلّ المفقود مفقودا. فما الذي ينقص هذه المسارات حتى تضطرّ المرأة في كلّ مرة إلى الدفاع عن حقّها في جسدها وحريتها؟ وهل استطاعت سماح اليحياوي، عبر شخصية حدّة، أن تقترب من هذا المفقود؟

الوجه الآخر للوجع..

لقد  انشغل جزء من المجتمع بمحاسبة الضحية "يقين"  وتبرير سلوك الجناة من خلال النبش في حياتها وتفاصيل يومياتها: من أوقات خروجها من البيت إلى لباسها والأماكن التي ترتادها، وكأنّ خروجها عن المألوف يبرّر الاعتداء عليها. بل إنّ بعض صنّاع المحتوى خصّصوا بثوثًا مباشرة لتحليل سلوكها ولوم والدتها لأنها سمحت لها بالخروج في وقت متأخر. وهكذا أصبحت الطفلة محاكمة على المنصّات الرقمية بل مسؤولة، في نظر بعضهم، عمّا تعرّضت له.

تقودنا حدّة إلى التّفكير في قضية يقين من زوايا مختلفة  تتعلّق بالنّشأة والبيئات الثلاث التي تمرّ بها من الأسرة الى الشّارع الى المدرسة وتأثيرها في بنية الشّخصية ومدى قدرتها على الصّمود أمام المتغيّرات المجتمعيّة التي لها تأثيرا مباشرا على تكوين وصقل هذه الشخصيّة. فتتعمّق الرواية في تحليل كلّ أشكال العنف المسلّط على المرأة وتدفعنا إلى تصوّرات أوّلية عن الحلول الممكنة. وهذا هو الدّور الأكثر أهميّة في اعتقادنا للأدب: فلا يكمن فقط في  تقديم شخصيات نستمتع بعلاقاتها وبنيتها ونهاياتها السعيدة أوالتعيسة وإنّما الأهم من كلّ  ذلك دوره في تحريضنا على التّفكير وهو ما نجحت فيه سماح اليحياوي بينما كانت تنقّلنا بسلاسة ومرونة بين عوالم الشخصية  أثناء معركتها ضد قيود المجتمع وما تؤول له في كلّ مرّة من انتصارات وصمود. وكأنّها بذلك تعيد تشكيل نور الغلاف في خفايا النّفس التّائقة إلى الحرية.

ولعلها أيضا صورة الرّاوية متخفية بين السطور تحدّثنا من خلف هذه الوجوه عن معاناتها أيضا كامرأة.  فتتجلّى لنا  في إطار سردي يطغى عليه المونولوج والتأملات الفكرية، وتحضر فيه خلفية الكاتبة البحثية في مجال الدراسات الجندرية والحضارية. فيما تحمل لغتها الشعرية المتمرّدة صوت امرأة تتوق إلى التحرّر وتناضل من أجل ذاتها. فليست حدّة قصّة إمرأة واحدة بل نموذجا لنساء كثيرات ووجها لوجوه كثيرة  يتعرّضن  للعنف بأشكاله المختلفة.

"حدّة" اسم يحمل وصما..

منذ النظرة الأولى إلى الغلاف، يلامس أرواحنا ذاك الظلام الذي تتحرّك داخلة بطلة الرواية والضوء الذي تحوم حوله بنظراتها وتتطلع له كفراشة تخشى أن تحترق قبل بلوغ أهدافها. ويمتدّ هذا الصراع المعلن من الغلاف إلى  رمزيّة اسم البطلة "حدّة"بما ينطوي عليه من دلالات . فتحيل حدّة بفتح الحاء  إلى الشدّة والصرامة وتتقاطع في ذلك مع خصال الشخصيّة التي تصنع نجاحاتها من هزائمها.  فكلّما سقطت التقطت نفسها بنفسها .. لنقرأ بذلك عن إمرأة تستمدّ قوّتها من أشدّ اللّحظات ضعفا.

كما يحيل الاسم في المخيال الشعبي  إلى الانجاب  والتمييز بين الإناث والذكور. فحين تسمّي امرأة ابنتها بحدّة فهي في الرواية الشعبية تحدّ بين مرحلتين : مرحلة انجابها للايناث والذكور.
 وبين صلابة الشخصية وما قد يحمله الاسم من إيحاءات اجتماعية، تفتح الرواية جدلا كبيرا حول "الوصم"  الذي قد يرافق المرأة خصوصا  في البيئات التقليدية المحافظة  التي تتداخل فيها التسميات مع التصنيفات المرتبطة بالأصل والمستوى الاجتماعي والانتماء الريفي أو القبلي. ويصبح الاسم بذلك أكثر من مجرد علامة تميّز بين انسان وآخر وإنّما مدخل للتفكير في كيفية تحوّل الممارسات الاجتماعية اليومية  إلى أداة لإعادة إنتاج الوصم الاجتماعي.

من السرد إلى التفكيك الاجتماعي

لا تكمن أهمية الرواية التي اختارت الروائية أن تقدّمها أستاذتها في المرحلة الثانوية، هاجر بكّار، ردًّا للجميل، في سرد الأحداث وتوصيف الممارسات فحسب بل في فتح المجال أمام قراءة سوسيولوجية لواقع المرأة داخل البيئات المحافظة. فهي تتيح مساءلة مفاهيم مثل الهيمنة الذكورية والعنف الرمزي والوصم الاجتماعي من خلال التجربة الإنسانية والصراع النفسي بدل الابقاء عليها كمصطلحات نظرية مجرّدة. فلا تتجلّى الهيمنة  فقط في ممارسة العنف بل أيضا في الأحكام  و المعايير التي تتحوّل تدريجيّا إلى قواعد تضبط سلوك المرأة وتتحكّم في اختياراتها وسنسرة نفسها بنفسها.

بناء على ذلك لن يكون  الوصم مجرّد حكم يصدره الآخرون  بل قد يتحوّل إلى عبء نفسي يربك علاقة المرأة بذاتها ويجعلها في مواجهة مستمرة بين ما تريده لنفسها وما يُنتظر منها. وبهذا المعنى، تتيح الرواية الانتقال من تتبّع وجع الشخصية إلى مساءلة الشروط الاجتماعية التي تنتج هذا الوجع وتعيد إنتاجه.

ولم يعد السؤال متعلّقًا فقط بمدى مشاركة المرأة في الفضاء العام، بل بطبيعة هذه المشاركة وشروطها: هل هي فاعلة أم هي مشاركة صوريّة تذعن فيها المرأة نفسها للحدود التي يرسمها لها المجتمع؟وهل لمشاركتها من معنى إذا ظلّت مطالبة بتبرير اختياراتها اختياراتها والدفاع عن جسدها والبرهنة على استحقاقاتها؟ 

بين يقين وحدّة، يتجاوز السؤال حدود جريمة أو شخصية روائية، ليصل إلى المرأة التي يُراد لها أن تكون حاضرة في المجتمع، ولكن تبعا لشروطها وإذعانا لإرادتها . أليست هذه المرأة، بما تملكه من حقّ في الاختيار والاختلاف المفقود الذي نبحث عنه؟
التعليقات (0)